فورين بوليسي: الصين تتبنى خطة لإبادة أقلية الأويغور بحلول 2040

نشرت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية تحليلًا قالت فيه إن الولايات المتحدة أكدت أن ما تقوم به حكومة بكين بحق أقلية الأويغور، التي تسكن إقليم شينغ يانغ شمال غرب الصين، يعتبر إبادة جماعية، وقد استندت في ذلك إلى أدلة تتعلق المنع الممنهج للمواليد.

وأوضح تحليل كتبه أدريان زينز وإيرين روزنبيرج، أن الحكومة الأمريكية أكدت أن تصرفات الصين في إقليم شينغيانج المتمتع بالحكم الذاتي شمال غرب البلاد “تشكل إبادة جماعية ضد الأقلية العرقية الأويغورية”.

وحذت أربع دول أخرى حذو الولايات المتحدة. وقد استندت هذه القرارات بشكل أساسي إلى أدلة على القمع المنهجي للمواليد.

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها على أن فرض تدابير تهدف إلى منع المواليد داخل أي مجموعة يشكل عملًا من أعمال الإبادة الجماعية إذا ارتكبت بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لمجموعة قومية، أو إثنية، أو عرقية، أو دينية.

وأوضح الكاتبان أن بعض الخبراء القانونيين يتساءلون عما إذا كانت الفظائع التي ارتكبتها بكين ضد الأويغور بلغت الحد الأقصى للإبادة الجماعية.

وحتى الآن لم تزل الأدلة على أن حملة بكين لمنع المواليد تهدف إلى تدمير شعب الأويغور بشكل جوهري غير حاسمة إلى حد ما.

ومع أنه يمكن الاستدلال على نية ارتكاب الإبادة الجماعية من نمط السلوك، إلا أن هذا الأمر أكثر تعقيدًا في غياب القتل الجماعي.

وفي منشور قادم خاضع للمراجعة في دورية Central Asian Survey (استبيان آسيا الوسطى)، يقدم أدريان زينز، المؤلف المشارك لهذه المقالة، أدلة جديدة شاملة ومقنعة تستند إلى بيانات وتقارير منشورة من الأكاديميين والمسؤولين الصينيين، إن رسالتهم واضحة ومباشرة: السكان الأويغور بوضعهم الحالي يشكلون تهديدًا على الأمن القومي الصيني.

كما إن حجم الأويغور وتركيزهم ونموهم السريع يشكل أيضًا مخاطر على الأمن القومي الصيني يجب تخفيفها إذا كانت هناك إرادة لحل مشكلة “الإرهاب” في المنطقة، وفق التحليل.

وبدأت بكين قمع معدلات مواليد الأويغور من أجل “تحسين” النسب السكانية العرقية لأغراض مكافحة الإرهاب.

وفي جنوب شينغيانج فقط، حيث يتركز الأويغور، من شأن ذلك أن يقلل النمو السكاني من خلال منع ما بين 2.6 و4.5 مليون مولود بحلول عام 2040؛ مما قد يقلص عدد الإيجور ككل.

تغيير ديموغرافي

قال لياو تشاويو، عميد معهد تاريخ وجغرافيا الحدود في جامعة تاريم في شينغيانج: إن مشكلة الإرهاب في المنطقة هي نتيجة مباشرة لتركز الإيجور المرتفع في جنوب الإقليم؛ بسبب الهجرة الجماعية الأخيرة لعرقية الهان.

وأضاف “وصل عدم التوازن بين الأقلية العرقية وتركيبة سكان الهان في جنوب شينغيانج إلى درجة خطيرة بشكل لا يصدق”.

 ويجادل لياو بأنه يجب على جنوب شينغيانج “تغيير التركيبة السكانية والتخطيط لإنهاء هيمنة مجموعة الإيجور العرقية”.

الصوت الأكثر شهرة في شينغيانج حول هذا الموضوع شديد الحساسية هو ليو ييلي، نائب الأمين العام للجنة الحزب الشيوعي الحاكم لفيلق الإنتاج والبناء في شينغيانج وعميد جامعة شينغيانج. في عام 2020 قال ليو: “لم تُحل جذور مشاكل الاستقرار الاجتماعي في شينغيانج”.

وأضاف ليو “المشكلة في جنوب شينغيانج تكمن أساسًا في التركيبة السكانية غير المتوازنة. إن نسبة السكان والأمن السكاني ركيزتان مهمتان لتحقيق السلام والاستقرار على المدى الطويل”.

وأضاف “نسبة سكان الهان في جنوب شينغيانج منخفضة للغاية، أقل من 15%. مشكلة عدم التوازن الديموغرافي هي المعضلة الأساسية لجنوب الإقليم”.

في عام 2017، يضيف التحليل، وهو العام الذي بدأت فيه حملة الاعتقال الجماعي، أصدر الرئيس الصيني شي جين بينج بنفسه تعليمات تتعلق بـ”البحث وتعزيز العمل الأمثل للبنية السكانية العرقية في جنوب شينغيانج”.

جادل باحثون صينيون آخرون بأن أساس حل مكافحة الإرهاب في شينغيانج هو “حل المشكلة الإنسانية”. على وجه التحديد، يتطلب هذا “تغيير النسبة السكانية” عن طريق زيادة حصة سكان الهان وتقليل نسبة السكان ذوي “الطاقة السلبية”، مثل الإيجور المتدينين وذوي العقلية التقليدية.

ويشار إلى عملية التخفيف العرقي المستهدف هذه، التي اقترحها شي لأول مرة خلال زيارته إلى شينغيانج في عام 2014، باسم “دمج السكان”.

ثمة موضوع ثابت في الخطاب حول هذه “المشكلة الإنسانية” هو مفهوم تحسين النسل القائم على “جودة السكان”، وهو مفهوم طويل الأمد في الحزب الشيوعي الصيني يعتبر الإيجور بطبيعتهم “منخفضي الجودة” كمجموعة عرقية أقلية.

لزيادة نسبة سكان الهان، يتعين على بكين حث ملايين الهان على الانتقال إلى جنوب شينغيانج. بحلول عام 2022. وتخطط الصين لتوطين 300 ألف شخص من الهان هناك.

ومع ذلك فإن الجنوب هو أيضًا أكثر مناطق شينغيانج هشاشة من الناحية البيئية، حيث توجد ندرة في الأراضي الصالحة للزراعة والمياه.

وقد أدى بناء العمران والتنمية الصناعية إلى زيادة استخدام الموارد للفرد بشكل كبير. تقدر الدراسات الصينية أن شينغيانج ككل مكتظة بالفعل بمقدار 2.3 مليون شخص في عام 2015، وهو ما يتجاوز بشكل كبير قدرتها الاستيعابية البيئية.

إن زيادة نسبة السكان الهان دون الضغط الشديد على الموارد يحتاج إلى خفض جذري في نسب نمو الأقليات العرقية. وتظهر الحسابات أن المدى المثالي للنمو سالب 2.5 لكل ميل مربع (3 كيلو متر مربع تقريبًا).

بحلول عام 2040، ستزيد نسبة السكان الهان 25% بتوطين حوالي 2 مليون منهم في جنوب شينغيانج. وستنكمش الأقلية المتواجدة حاليًا إلى 9 مليون بحلول 2040، وهذا انخفاض قد لا يلاحظه المراقبون. وسيسهل التحكم في هذه الأقلية.

وفقًا لبيانات نشرها باحثون صينيون في دورية Sustainability، يؤكد التحليل، سيصل تعداد الأقلية العرقية في شينإيانج إلى 13 مليون شخص بحلول عام 2040، ما لم يحدث خفض جذري لمعدل المواليد.

أما الفارق بين الرقمين، البالغ 4 مليون شخص، فيمكن وضعه ضمن نطاق “التدمير الجزئي” الذي سينتج عن “تحسين” نسب المواليد في الأقليات العرقية. وهذا سيتسبب في خفض حجم الأقلية المتوقع خلال العقدين المقبلين بحوالي 31%.

مدى واقعية الخطة

في أعقاب حملة وحشية لقمع نسب المواليد، يقول الكاتبان، تتجه نسبة المواليد في جنوب شينغيانج نحو الصفر. بل تخطط بعض المناطق إلى دفع النسبة إلى ما دون الصفر في 2020 و2021.

مؤخرًا، أوعزت إدارة مقاطعة شينغيانج إلى مكاتب التخطيط الأسري بـ”تحسين الهيكل السكاني، ونظام المراقبة والإنذار المبكر”.

وفي سبيل ذلك اتخذت المقاطعة تدابير احترازية لتحسين هيكلها السكاني، فما عادت تبلغ عن نسب الولادة أو تعداد السكان على أساس جغرافي أو عرقي.

يرى الكاتبان أن هذه النتائج تبرز نوايا بكين إحداث تدمير جزئي لأقلية الإيجور بكبح معدلات الولادة. توكد الدراسة الجديدة أن ثمة تدابير أخرى ستتخذ، لأن توطين الهان فقط لن يحقق التغيير المنشود، بسبب وجود عوائق بيئية واقتصادية.

وعليه، فإن منع المواليد من الإيجور حاسم وضروري لتحقيق سياسة التحسين في شينغيانج، التي تعتبرها الصين مسألة أمن قومي.

والأهم من ذلك أن فهم الدور الذي يلعبه منع الإنجاب وتقليل عدد السكان على المدى الطويل في هذه السياسة العامة يميز إجراءات الصين ضد الأويغور عن إجراءاتها الوطنية العامة للسيطرة على السكان ومعاملتها للأقليات العرقية والدينية الأخرى، مثل التبتيين.

في حكمها الصادر في عام 2007 في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود، قضت محكمة العدل الدولية، وهي الهيئة القضائية التي لها اختصاص في النزاعات بين الدول فيما يتعلق باتفاقية الإبادة الجماعية، بأن “القصد يجب أن يكون تدمير جزء كبير على الأقل من مجموعة معينة”.

توسعت محكمة العدل الدولية في معايير تقييم عتبة “الجزء الكبير” في حكمها الصادر في قضية كرواتيا ضد صربيا لعام 2015، معتبرةً أنه ليس مجرد تقييم رقمي.

لكنه يأخذ أيضًا في الاعتبار نية التدمير “داخل منطقة محدودة جغرافيًا وبروز الجزء المستهدف المزعوم داخل المجموعة ككل”. إن السياسة طويلة المدى لمنع ملايين الإيجور من الإنجاب تلبي هذه العتبة.

سحق الهوية والإبادة بدائل مطروحة

هناك عاملان إضافيان مهمان لفهم خطورة الوضع الحالي الذي يواجه الإيجور؛ الأول هو سجن الصين المنهجي للنخب الدينية، والفكرية، والثقافية الأويغورية، مع زيادة فرض عقوبات مطولة بدلًا عن الاحتجاز التعسفي.

يترافق الإقصاء المنهجي للأشخاص المحوريين في الحفاظ على ثقافة وهوية الإيجور ونقلهم بسياسة الفصل بين أفراد الأسرة، حيث يتم تعليم أطفال الأويغور تبني ثقافة الأغلبية من الهان.

ثانيًا: القلق من تغيير الصين لمستويات “التحسين” المطلوبة بمرور الوقت إذا لم يُستوعب سكان الأويغور، حتى عندما ينخفض ​​عددهم، كما هو متصور.

نية الإبادة الجماعية يمكن أن تتطور وتتقوى بمرور الوقت كما فعلت في الإبادة الجماعية السابقة. يشير تصور الأويغور كتهديد بشري للأمن القومي الصيني إلى أن أهداف منع الولادة يمكن أن تزداد بمرور الوقت؛ مما يزيد من التهديد لبقاء العرقية ككل.

يركز الكثير من الجدل الدائر حول تصنيف تصرفات الصين ضد الأويغور كإبادة جماعية على السؤال القانوني المتمثل في تعريف “نية الإبادة الجماعية”.

تركزت المناقشات عن عبء الإثبات المطبق على النتائج المستندة إلى الأدلة والاستنتاجات الظرفية، المستندة في المقام الأول إلى الإطار القانوني للقانون الجنائي الدولي.

إننا نتساءل عما إذا كان هذا الإطار والتحقيق الاستدلالي ضروريًا لأغراض اتخاذ الدولة قرارًا بشأن الإبادة الجماعية. إن الدولة ليست هيئة قضائية، ولا تصل إلى قرار يتضمّن حقوق الإنسان الأساسية للفرد.

والأهم من ذلك، يشير الكاتبان، أن قرارات الدولة بشأن الإبادة الجماعية تهدف إلى توجيه ردود الفعل تجاه السياسات، التي تختلف اختلافًا جوهريًا عن الغرض من القانون الجنائي الدولي أو الإجراءات القضائية بشكل عام.

لا يمكن توضيح هذه النقطة أكثر من حقيقة أن المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أكدت أخيرًا هذا الأسبوع فقط إدانة راتكو ملاديتش بارتكاب الإبادة الجماعية في سريبرينيتشا، وهي إبادة جماعية حدثت قبل 26 عامًا.

يعتبر القانون الجنائي الدولي أداة مهمة للمساءلة، كما هو الحال بعد ارتكاب جريمة، ولكنه ليس أداة مناسبة لأغراض منع الإبادة الجماعية أو الاستجابة لها. تقدم النتائج الجديدة دليلًا قويًا على سياسة الإبادة الجماعية التي بدأت الآن فقط في الظهور والتي ستحدث على مدى عقود.

يرى الكاتبان أنه عندما تحاول الدول تقليد الإجراءات القضائية الدولية وتطبيق معايير الإثبات التي تتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية، فإن هذا يخلق مخاطر كبيرة تتمثل في عدم وفائها بالتزاماتها بموجب القانون الدولي كدولة.

تُلزم اتفاقية الإبادة الجماعية جميع الدول الأطراف في الاتفاقية بمنع الإبادة الجماعية. في حكمها الصادر في قضية البوسنة والهرسك ضد صربيا والجبل الأسود لعام 2007، رأت محكمة العدل الدولية أن هذا “الالتزام بالمنع والواجب المقابل بالتصرف، ينشآن في اللحظة التي تعلم فيها الدولة، أو كان ينبغي أن تعلم، بوجود خطر جسيم بارتكاب إبادة جماعية”.

حدد مكتب الأمم المتحدة المعني بمنع الإبادة الجماعية والمسؤولية عن الحماية عوامل الخطر المتعلقة بـ”الجرائم الفظيعة” (بمعنى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية) في إطار تحليله للجرائم الفظيعة. يوفر عامل الخطر 10، الخاص بالإبادة الجماعية، مؤشرات على “نية التدمير الكلي أو الجزئي لمجموعة محمية”.

والجدير بالذكر أن هذا الإطار قد استخدمته بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن ميانمار في نتائجها لعام 2019 بشأن الوضع الذي يواجه الروهينغا.

يؤكد الكاتبان أن هذا هو الإطار الأنسب الذي يجب أن يوجه قرارات الدولة بشأن الإبادة الجماعية، مع الأخذ في الاعتبار الغرض المتميز للاستجابة السياسية. بتطبيق هذا الإطار توجد العديد من مؤشرات نية الإبادة الجماعية الموضحة تحت عامل الخطر 10 فيما يتعلق بإجراءات الصين ضد الإيجور.

باختصار، يوفر البحث المنشور حديثًا للدول والمجتمع الدولي أدلة دامغة على أن الإبادة الجماعية يجري تنفيذها ببطء. ومما يثير القلق بشكل خاص تصور الصين لتركز تجمعات الإيجور على أنه تهديد للأمن القومي.

كما تظهر بوضوح علامات أخرى على نية الإبادة الجماعية بموجب إطار الأمم المتحدة. ومع ذلك، حتى تلك الدول التي قد لا تتفق مع هذا الاستنتاج لا يمكنها أن تنكر، على الأقل، وجود خطر جدي بحدوث الإبادة الجماعية. لذلك فإن الدول ملزمة بالتصرف بشكل عاجل بشأن تلك المعرفة.

المصدر: فورين بوليسي