نيويورك تايمز: قد لا يكون لبيد رئيسًا لحكومة إسرائيل الجديدة لكنه كان سبب وصولها للسلطة

ترجمة | جو-برس

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، إن يائير لبيد، الذي قاد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، قد لا يكون الزعيم القادم، لكنه يظل السبب الأقوى وراء تشكيل هذه الحكومة.

وفي تقرير نشرته يوم الأحد، أوضحت الصحيفة، أن لبيد عندما كان كاتب عمود صاعدًا في أواخر التسعينيات، وجده محرره، رون مايبرغ، رجلاً لطيفًا، لكنه كان متمركزًا حول الذات ومتصلبًا في كثير من الأحيان، وقد فشل مرارًا في التنازل عن مواقفه خلال الكثير من المواقف الجدلية.

وقال مايبرغ، الذي كان وقتها رئيس تحرير في صحيفة “معاريف” العبرية: “كان (لبيد) يجادلك حتى الموت بدلاً من الاعتراف بأن ريموند تشاندلر كتب ربما سبع روايات وليس تسع أو عشر”، مضيفًا “كان سيشمل القصص القصيرة لشرح عدّه”.

بعد أكثر من عقدين من الزمان، أصبح لبيد (57 عامًا)، رجلًا متحولًا ، كما يقول زملاؤه ومحللون؛ فهو الآن سياسي وسطي بارز، يُعتبر كريمًا وبراغماتيًا، كما تقول الصحيفة.

وبسبب هذا التحول الجزئي، تضيف الصحيفة، تقف إسرائيل الآن على أعتاب واحدة من أهم اللحظات في تاريخها السياسي الحديث.

سيصوت المشرعون الإسرائيليون يوم الأحد على منح الثقة لحكومة جديدة لعب لبيد (الذي يتزعم حزب يوجد مستقبل) دور البطولة في تشكيلها، عندما تخلى عن رئاستها خلال العام الأول لحليفه نفتالي بينيت (زعيم حزب يمينا المتطرف).

وفي حال حظيت الحكومة الجديدة بثقة الكنيست، فإن بينيت سيحل محل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، أطول زعيم في تاريخ دولة الاحتلال، والذي يشغل المنصب منذ 2009.

الائتلاف الجديد، الذي اتخذ من الرغبة في إزاحة نتنياهو من المشهد أساسًا للتشكل، هو تحالف هش يتكون من ثمانية أحزاب مختلفة أيديولوجيًا، وإذا صمد، فسيكون السبب في ذلك إلى حد كبير هو أن لبيد أقنع قادة التحالف غير القابل للوجود، بإمكانية تشكيله.

ولتوطيد الصفقة، سمح لبيد حتى لنفتالي بينيت، زعيم المستوطنين اليميني السابق الذي تردد في ضم قواه مع الوسطيين واليساريين والعرب، بأن يتولى منصب رئيس الوزراء أولًا، رغم أن حزب بينيت فاز بعشرة مقاعد أقل من تلك التي فاز بها حزب لبيد.

في حل وسط، سيتولى لبيد منصب رئيس الوزراء في عام 2023، بينما سيتولى بينيت المنصب أولًا، فقط لأن الأول قد تخلى له عن الأضواء.

وقال مايبرغ عن لبيد: “أنا لست من أشد المعجبين.. لكنني سأكون أول من يعترف بأنه تطور بالفعل، لقد نضج بالفعل، وتخلي عن جزئية الغرور في شخصيته”.

لبيد تمكن من تشكيل حكومة من 8 أحزاب متناقضة فكريًا

ولد لبيد عام 1963 ونشأ في فقاعة علمانية ذات امتيازات في تل أبيب. والدته شولاميت (86 عامًا) روائية معروفة، ووالده تومي الذي توفي عام 2008 عن 78 عامًا كان صحفيًا ثم أصبح فيما بعد وزيرًا في حكومة وسطية.

أكمل لبيد خدمته العسكرية ككاتب في مجلة عسكرية، ثم سار على خطى والده كصحفي محترف.

في التسعينيات، كان يتنقل بين عدة مناصب بارزة داخل المؤسسة الثقافية الإسرائيلية، وازنًا بين عموده وبرنامج حواري تلفزيوني، بينما كان يمثل أيضًا في حفنة من الأفلام ويشارك كتابة الروايات وحتى كتابة المسرحيات والدراما التلفزيونية.

بحلول عام 2000، أصبح لبيد أحد أشهر مقدمي البرامج التلفزيونية والمعلقين في إسرائيل، وقد اشتهر بأسلوبه غير الودود في الاستجواب وأعمدة منتصف الطريق.

وول ستريت جورنال: رحيل نتنياهو لن يغير سياسة “إسرائيل”

بدأ لبيد التخطيط لمهنة سياسية في نهاية العقد، وفي عام 2012 شكل حزبه السياسي العلماني الوسطي (يش عتيد) ، أو “هناك مستقبل”.

بشكل غير متوقع، احتل الحزب المركز الثاني بعد حزب الليكود بزعامة نتنياهو في انتخابات عامة في عام 2013، ودخل في حكومة ائتلافية بقيادة نتنياهو، وأصبح لبيد وزيرًا للمالية.

لم يكن لبيد أول ولا آخر وافد جديد يحاول كسر قالب السياسة الإسرائيلية بحزب وسطي جديد. لكن بالنسبة لأوائل حلفاء لبيد السياسيين، كانت هناك ديناميكية لعلامته التجارية الوسطية التي شعروا أنها أصلية.

قالت يائيل جرمان، التي كانت رئيسة بلدية لحزب يساري، ميرتس، والتي انضمت لاحقًا إلى يش عتيد وأصبحت أحد المشرعين الأوائل للحزب: “كان كل ما فكرت به هو وضع قيود على الأحزاب الدينية، والحديث عن الزواج المدني، وحقوق المثليين، والتخلي عن الأراضي المحتلة، ودولتين لشعبين”.

وأضافت جيرمان: “كانت ميرتس دائمًا متخلفة جدًا بالنسبة لي، متطرفة للغاية. لكن يائير لم يكن كذلك”.

تقول الصحيفة إن منتقدي لبيد كانوا يرون سطحية في سياسته وغطرسة في أسلوبه. مشيرة إلى أن ما اعتبره الحلفاء قدرة على الجسر بين اليسار واليمين، اعتبره الخصوم افتقارًا إلى الوضوح الأيديولوجي. 

وتضيف الصحيفة “لقد أنشأ الساخرون موقعًا على شبكة الإنترنت، يُعرف باسم “Lapidomator” ، والذي سمح للمستخدمين بتوليد بيانات فارغة حول أي موضوع معين مستهزئين بالفراغ الملحوظ لأفكار لبيد”.

وعلى الرغم من احتلاله المركز الثاني في انتخابات 2013، تشير الصيحفة، إلا أنه سرعان ما تعرض لانتقادات بسبب التعليقات المهينة اللاحقة للمشرعين العرب.

تقول الصحيفة إن البعض سخر من تفاخر لبيد بطموحاته في أن يصبح رئيسًا للوزراء، لافتة إلى أن الناس تساءلوا: “كيف يستطيع؟”. فيما نقلت عن جيرمان قولها “لقد تعلم الدرس: ألا يقول ذلك، ولا يتفاخر”.

السيد لابيد مع السيد بينيت في عام 2013. ولتعزيز الصفقة الحالية ، سمح السيد لبيد للسيد بينيت بالانتقال أولاً كرئيس للوزراء إذا ساد التحالف.
لبيد سمح لبينيت بشغل منصب رئيس الوزراء في العام الأول من عمر الحكومة

وقالت إيليت فريش، المستشار السياسي للبيد في ذلك الوقت، إن أهم تجربة تعليمية له جاءت بعد ذلك بعامين، مضيفة “بعد أن أقاله نتنياهو من الوزارة، وفقد حزبه ما يقرب من نصف مقاعده في انتخابات مبكرة في عام 2015، وجد لبيد نفسه في حالة من الهزيمة السياسية”. 

ولفتت فريش إلى أن ذلك دفعه إلى التراجع ، وتقليل ظهوره في وسائل الإعلام، وتحسين قاعدة معارفه، وتعزيز شبكة سياسية أفضل بهدوء.

وتتذكر فريش تلك الأيام، قائلة: “قال: الآن سأستغرق عامًا واحدًا لنفسي، سأبني نفسي، سأتعلم، سأغلق فمي”، مضيفة “أصبح أكثر تواضعًا وانفتاحًا على الرأي الآخر”.

جاءت أول علامة رئيسية على نضوج لبيد في عام 2019، عندما بدأ يناقش مع زعيم وسطي منافس وجنرال سابق في الجيش، بيني غانتس، حول توحيد الجهود لمحاولة الإطاحة بنتنياهو. 

وعلى الرغم من أن لبيد كان السياسي الأكثر خبرة وكان لديه حزب منظم بشكل أفضل، فقد وافق على العمل تحت قيادة غانتس في تحالف جديد (أزرق- أبيض)، بعد أن خلص إلى أن غانتس لديه فرصة أفضل لهزيمة رئيس الوزراء.

تقول “نيويورك تايمز” إن النهج التصالحي الجديد للبيد اكتسب زخمًا في يناير كانون الثاني، حيث استعدت إسرائيل لإجراء انتخابات مبكرة رابعة في غضون عامين. 

وعند هذه النقطة، تضيف الصحيفة، كان لبيد قد قطع علاقته مع غانتس، بعد أن تخلى الأخير عن اتفاقهما العام الماضي عندما انضم إلى حكومة وحدة بقيادة نتنياهو.

كان لابيد يعلم نتنياهو لن يُهزم إلا إذا تمكن من توحيد ائتلاف واسع من أحزاب المعارضة اليسارية واليمينية. وقد أدرك أن بعض المؤيدين المحتملين لتلك الأحزاب اليمينية قد يمتنعون عن دعم تحالف يقوده وسط. 

لذلك رفض لبيد تقديم نفسه كرئيس للوزراء في انتظار الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات للكتلة المناهضة لنتنياهو.

حتى مع ارتفاع حزب “يوجد مستقبل” في استطلاعات الرأي قبل انتخابات مارس آذار، تمسك لبيد برسالته. وقال إنه سيكون على استعداد للخدمة في ظل رئيس وزراء فاز حزبه بعدد أقل من المقاعد، إذا كان هذا هو ثمن استبدال نتنياهو.

في مارس آذار، كتب لبيد في عمود رأي “إنهاء حكم نتنياهو هو الهدف الأول في عيني.. في سبيل ذلك، أنا على استعداد للتخلي عن الكثير من الأشياء، بما في ذلك تطلعاتي الشخصية”.

لافتات الحملة في القدس في آذار.
لافتات الحملة الانتخابية في القدس المحتلة (غيتي)

مع اقتراب يوم الانتخابات، شجع الناخبين اليساريين والوسطيين على التصويت لأحزاب أخرى غير حزبه لضمان حصولهم على أصوات كافية لتجاوز العتبة اللازمة لدخول البرلمان.

وقال لبيد قبل أسبوع من التصويت: “كل من يريد التصويت لهم يجب أن يفعل ذلك”.

وجاء حزب لبيد في المرتبة الثانية في الانتخابات بحصوله على 17 مقعدًا. لكن أحد أعماله الأولى كان عرض بينيت، الذي فاز حزبه بسبعة مقاعد فقط، وكانت الفرصة الأولى لتولي منصب رئيس الوزراء. 

بعد ذلك، عمل لبيد خلف الكواليس لإقناع ستة أحزاب أخرى بالانضمام إلى تحالف للإطاحة نتنياهو.

حتى بعد انسحاب بينيت من المفاوضات خلال حرب غزة الأخيرة في مايو أيار، خوفًا من الانضمام إلى تحالف مع حزب عربي، واصل لبيد التفاوض مع أحزاب المعارضة الأخرى للحفاظ على الزخم.

بمجرد انتهاء الحرب، حاول لبيد مرة أخرى مع بينيت. هذه المرة نجح في إقناعه بالانضمام رسميًا إلى ائتلاف كرئيس للوزراء.

يعود نجاح لبيد جزئيًا، برأي الصحيفة، إلى “سموم” نتنياهو، الذي اعتبر في النهاية شريكًا غير جدير بالثقة حتى بالنسبة لحلفائه السابقين مثل بينيت. لكن حزب بينيت نفسه يقر بأن زعيمه ربما لم يكن لينفصل عن نتنياهو لو لم يكن لبيد حازمًا في جهوده.

قال مسؤول من حزب بينيت إن على الأخير أن يكون شجاعًا، وإن على لبيد أن يكون متسقًا”.

توماس فريدمان: نتنياهو هو ترامب والائتلاف الحكومي الجديد هو بايدن.. لكن!

يقول بعض الحلفاء إن تحرك لبيد لا ينبع فقط من الإيثار أو الوطنية. إذا انهار الائتلاف، فقد تتم معاقبة بينيت في الانتخابات القادمة من قبل قاعدته اليمينية، التي يشعر أعضاؤها بالغضب لأنه ابتعد عن زميله اليميني نتنياهو.

لكن من المرجح أن يظهر لبيد بسمعته المصقولة وتعزيز قدرته على الانتخاب وهما عاملان ربما شجعاه على أن يكون تصالحيًا للغاية.

وقالت جيرمان، المشرعة السابقة في حزب لبيد: “إنه لاعب شطرنج طموح للغاية.. إنه يلعب على المدى الطويل، لذلك أعتقد أن لديه هذا الطموح في أن يصبح رئيسًا للوزراء”.

لكن مراقبين يرون أن رغبة لبيد في تجنب المواجهة قد تصبح نقطة ضعف بمجرد توليه منصبه في النهاية.

وقال مايبرغ، رئيس تحريره السابق، “يريد أن يحبه الجميع”، مضيفًا “ذلك قد يعيقه عندما يواجه أكبر القضايا، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني”.

وتساءل “هل يمكنه قيادة مفاوضات حول مستقبل الضفة الغربية؟” مضيفًا “لا أعلم. هل هو قوي بما فيه الكفاية؟ لا أعلم”.

المصدر: نيويورك تايمز