فورين أفيرز: انقلاب ميانمار فجّر ثورة قد يستحيل احتواؤها

ترجمة |جو-برس

قال المؤرخ ثانت مينت يو، إن ميانمار (بورما سابقًا) وصلت إلى نقطة اللاعودة بعد الانقلاب الذي أطاح بالحكومة المدنية المنتخبة مطلع فبراير شباط الماضي، مؤكدًا أن ما جرى أطلق طاقة ثورية سيكون احتواؤها مستحيلًا.

ومينت يو، هو مؤرخ بورمي مولود في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو حفيد الأمين العام السابق للأمم المتحدة يو ثانت.

وكتب مينت يو، مقالًا مطولًا في العديد الأخير من مجلة “فورين أفيرز” الأمريكية، قدم من خلاله سردًا تاريخيًا وتحليليًا لوضع البلد الواقع في جنوب شرق آسيا، والذي عاش سنوات طويلة من القمع.

وحاول كاتب المقال الإجابة عن سؤال يتعلق بما سينبثق عن انهيار الدولة من تداعيات.

وبدأ المقال بالتأكيد على أن ميانمار وصلت إلى نقطة اللاعودة، قائلًا إن الانقلاب العسكري الأخير حاول إحداث تحول “جراحي” في السلطة ضمن الإطار الدستوري القائم، لكنه بدلًا من ذلك أطلق العنان لطاقة ثورية سيكون من شبه المستحيل احتواؤها.

وقال الكاتب إنه خلال الشهور الأربعة الماضية، تواصلت الاحتجاجات والإضرابات رغم سقوط أكثر من 800 قتيل واعتقال قرابة 5 آلاف آخرين.

وفي الأول من أبريل نيسان الماضي، أعلن أعضاء منتخبون في البرلمان (من حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بقيادة زعيمة ميانمار أونغ سان سوتشي، وقيادات من الأحزاب والتنظيمات السياسية الأخرى) عن “حكومة وحدة وطنية” في تحدٍّ للسلطة التي أقامها قادة الانقلاب مؤخرًا.

ومع احتدام القتال بين العسكر والمجموعات العرقية المسلحة خلال شهري أبريل نيسان ومايو أيار، هاجم جيل جديد من المقاتلين المناصرين للديمقراطية مواقع للجيش ومكاتب إدارية في أرجاء البلاد.

وباستطاعة الزمرة العسكرية توطيد أركان حكمها في العام المقبل، لكن ذلك لن يؤدي، وفق الكاتب، إلى استقرار البلاد؛ إذ إن التحديات الاقتصادية والاجتماعية الملحة شديدة التعقيد إلى جانب العداء للجيش عميق الغور بحيث يتعذر معه على أي مؤسسة معزولة وعفا عليها الزمن إدارتها.

في الوقت نفسه، لن تتمكن القوى الثورية من توجيه “ضربة قاضية” للجيش في وقت قريب، ومع استمرار انسداد الأفق سينهار الاقتصاد، وسيتفاقم العنف المسلح الذي سيسفر عن موجات لجوء في دول الجوار كالصين والهند وتايلند.

وستصبح ميانمار، برأي الكاتب، دولة فاشلة وستستغل قوى جديدة هذا الفشل فتعكف على تطوير التجارة في عقاقير الميثامفيتامين المخدرة التي تدر عائدًا سنويًا بملايين الدولارات، وقطع الغابات التي تعد موئلًا لعدد من أغنى مناطق التنوع البيئي في العالم، وتوسيع شبكات الاتجار بالأحياء البرية بما في ذلك  تلك التي يعتقد أنها مسؤولة عن اندلاع جائحة فيروس “كوفيد-19” في الجارة الصين.

قوات مكافحة الشغب في ميانمار تقمع محتجين على الانقلاب العسكري (وكالة الأنباء الأوروبية)

التحرر من النزعات القومية

ويرى المؤرخ البورمي أن العمل يجب أن ينصب الآن على تقليص مدة فشل الدولة، وحماية أفقر الشرائح السكانية وأكثرها هشاشة، والشروع في بناء دولة جديدة ومجتمع أكثر حرية وعدالة وازدهارًا.

ولن يتسنى لميانمار أن تصبح دولة مسالمة في المستقبل إلا باستنادها على مبدأ مختلف تمامًا لهويتها الوطنية قائم على التحرر من نزعاتها القومية العرقية السابقة، وعلى اقتصاد سياسي متحول.

إن ما يسميه الكاتب “وطأة التاريخ” يجعل من الوصول لتلك الغاية المنشودة النتيجة الوحيدة المقبولة مع إقراره بأنها مهمة شاقة. على أن البديل لن يكون على أية حال دكتاتورية.

الديكتاتورية العسكرية، كما يقول المقال “لم يعد بإمكانها تحقيق استقرار، بل هي إمعان في فشل الدولة وتكريس محتمل لوجود دولة مثل ميانمار غارقة في العنف والفوضى في قلب آسيا لعقود مقبلة”.

أطفال الروهينغا هربوا من الموت بميانمار ويعيشون وضعًا مأساويًا وينتظرون مستقبلًا غامضًا في بنغلاديش (رويترز)

مشروع فاشل

ويعتبر الكاتب أن ميانمار دولة صنيعة الاستعمار البريطاني وكانت تسمى حينذاك “بورما”، حيث كانت تدار بنظام حكم قائم على التقسيم العرقي الطبقي.

ويضيف أن السياسة البورمية الحديثة ظهرت إلى حيز الوجود قبل قرن مضى، وكان جوهرها متجذرًا في النزعة القومية العرقية ممثلة في الهوية العرقية البوذية للناطقين باللغة البورمية.

وبعد نيلها الاستقلال في عام 1948، حاولت ميانمار “بورما الناشئة” إدماج الشعوب غير البورمية -مثل شعبي الكارين والشان- لكن ضمن إطار التفوق العرقي والثقافي البورمي.

غير أن تلك الشعوب التي صُنِّفت على أنهم “غرباء” -مثلما حدث لأكثر من 700 ألف من أقلية الروهينغا المسلمة الذين تم طردهم إلى بنغلاديش في 2016 و2017- قد ساءت أحوالها.

ولطالما كان مآل مشروع بناء الأمة الميانمارية طيلة العقود الماضية الفشل، مما خلف وراءه “بيئة لصراع مسلح مستوطن، كما خلف بلدًا لم يكن أبدًا مكتملًا، برأي الكاتب.

ويلفت المقال إلى أن الجيش الميانماري لطالما نصَّب نفسه “سادنًا” لهذه القومية العرقية، وهو الجيش الوحيد في العالم الذي ظل يقاتل بلا هوادة منذ الحرب العالمية الثانية ضد البريطانيين فاليابانيين ثم بعد الاستقلال ضد تشكيلة من الأعداء بما فيها الجيوش الوطنية الصينية المدعومة من واشنطن في خمسينيات القرن الماضي.

أحد مخيمات لاجئي الروهينغا في مدينة كوكس بازار البنغالية الحدودية مع ميانمار (رويترز)

شيء من التاريخ

وسرد المؤرخ البورمي في مقاله جوانب من المراحل التي مرت بها بورما، وفيما بعد، ميانمار طوال تاريخها. قائلًا إن الحكومات المدنية والعسكرية التي تعاقبت على حكم البلاد منذ الاستقلال تبنت الاشتراكية ردًا على أوجه الفوارق الاقتصادية التي اتسمت بها الحقبة الاستعمارية.

ويشير المقال إلى أن الدول الغربية بدأت طوال السنوات الماضية في فرض عقوبات تضامنًا مع الحركة الناشئة المنادية بالديمقراطية.

وفي غضون ذلك، انهار التمرد الشيوعي المدعوم من بكين في شمال شرقي البلاد مما جعل التعامل التجاري مع الصين ممكنًا للمرة الأولى منذ عقود.

وكان نتاج ذلك أن ارتبطت الرأسمالية البورمية بالثورة الصناعية العملاقة في الصين المجاورة.

وفي عام 2008، أودى إعصار بحياة 140 ألف شخص. وأدى افتقار الناس لملكية الأرض، والإعصار والأخطار البيئية الأخرى المتعلقة بتغير المناخ  إلى تفاقم ظاهرة الهجرة من غرب البلاد إلى شرقها، ومن الأراضي المنخفضة المملوكة للعرقية البورمية إلى العاصمة يانغون والمرتفعات التي تقطنها الأقليات، ومن كل مكان في البلاد إلى تايلند حيث يعمل زهاء 3 إلى 4 ملايين عامل غير ماهر من ميانمار اليوم.

وإزاء تلك الهجرة، اختلط حابل التركيبة السكانية العرقية في ميانمار بالنابل لتنفصل الهوية عن المكان. ولم يكن للقومية العرقية خصوم أيديولوجيون.

وفي تسعينيات القرن المنصرم أقدم قادة الجيش على تغيير اسم بورما، الذي ظل يستخدمه الأوروبيون منذ القرن الـ16 ويشمل المنطقة حول وادي إيراوادي، إلى ميانمار وهو اسم ينطوي على سمة عرقية مرتبطة بأغلبية السكان الناطقين باللغة البورمية.

توديع شاب قتل خلال تصدي الجيش لإحدى المظاهرات المناهضة للانقلاب في ميانمار (وكالة الأناضول)

دور وسائل التواصل الاجتماعي

وتحدث المقال عن دور وسائل التواصل الاجتماعي في التغيرات التي تشهدها ميانمار. وقال إن انفتاح قطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية أحدث ثورة في التواصل بين الناس.

وأضاف أنه ما من أحد تقريبًا في ميانمار كان يملك هاتفًا في عام 2011. لكن بحلول 2016 كانت لدى معظم الناس هواتف ذكية وحسابات على موقع فيسبوك.

ونشأ جيل جديد في حقبة تميزت بالحرية النسبية وكان تواقًا لأن تنجح بلاده في إرساء ديمقراطية مزدهرة وسلمية.

وفي عام 2016 حينما حقق حزب الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية بزعامة أونغ سان سوتشي نصرًا ساحقًا في الانتخابات التشريعية، وجد قادة الجيش أنفسهم يتشاركون حكومة مع عدوهم اللدود.

وكانت ثمة قيم محافظة القاسم المشترك بين أعداء الأمس (أي العسكر وأنصار سان سوتشي)، واتفقت رؤاهم على أن رد الفعل الغربي على طرد الروهينغا لم يكن عادلًا.

وفي 2019، كانت أونغ سوتشي تنطلق من قناعتها عندما دافعت عن عسكر بلادها أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

لكن علاقتها بالجنرالات اتسمت بالعصبية في أفضل الأحوال، فقد خشي قادة الجيش من مؤامرة تحيكها الزعيمة السياسية مع الغرب للإطاحة بهم من الحكومة.

وفي خضم تلك التوترات السياسية بلغ الاقتصاد نقطة حرجة، وزاد تفشي “كوفيد-19” الطين بلة، وكانت استجابة السلطات ضعيفة في أحسن الأحوال إذ لم تقدم دعمًا نقديًا فعليًا للفئات الأكثر تضررًا.

متظاهرون ضد الانقلاب العسكري في ميانمار يتدربون على رد هجمات الشرطة على مظاهراتهم (وكالة الأنباء الأوروبية)

انفجار الاقتصاد

وأكد الكاتب أن الانفجار الداخلي للاقتصاد هو ما سيحول ميانمار إلى دولة فاشلة، وضرب أمثلة بالأرقام للدلالة على ذلك.

وأوضح أن أكثر من يعاني من التدهور الاقتصادي والصحي في ميانمار هم دومًا أولئك القرويون ممن لا يملكون أرضًا، والمزارعون القاطنون في المرتفعات، والعمال المهاجرون، والروهينغا المسلمون، والمنحدرون من دول بجنوب آسيا والنازحون في الداخل.

وخلص المقال إلى الزعم بأن الأزمة التي تضيق حلقاتها ربما تكون فرصة لإحداث تغيير جذري، مشيرًا إلى أن الجهود الحالية التي يبذلها نواب البرلمان المنتخبون ومنظمات المجتمع المدني وشبكات الاحتجاجات عبر البلاد، الرامية لكسر الخلافات العرقية تمثل تحولًا جذريًا لم تستطع السلطة الديمقراطية تحقيقه خلال العقد الفائت.

وأعرب الكاتب عن اعتقاده بأنه ليست ثمة “طلقة سحرية” أو مجموعة واحدة من السياسات قادرة على حل الأزمة في ميانمار، لأنها أزمة لم تكن نتاج انقلاب فبراير شباط العسكري بل حصيلة عقود من الفشل في بناء دولة واقتصاد، ومجتمع اتسم في نظر الكثيرين بالظلم.

المصدر: فورين أفيرز