كيف تغيرت إثيوبيا خلال نصف قرن وما التحديات التي تنتظرها؟

أديس أبابا | جو-برس

عاشت إثيوبيا تغيرات جذرية خلال العقود القليلة الماضية، لكن تنتظرها تحديات كبيرة فيما يستعد الإثيوبيون للتصويت في أول انتخابات برلمانية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة في عام 2018.

ستتولى الإدارة القادمة حكم أكثر من 115 مليون شخص إذ أن إثيوبيا ثاني أكبر دولة أفريقية بعد نيجيريا والثانية عشرة على المستوى العالمي.

يعيش في إثيوبيا الآن عدد سكان أكبر بخمس مرات مما كان عليه قبل 60 عامًا، لكن معدل النمو السكاني تباطأ قليلًا خلال العقدين الماضيين.

ومن المتوقع أن يزيد عدد سكان البلاد بمعدل ثلاثة ملايين شخص كل عام حتى عام 2050 وأن تصبح البلد الثامن عالميًا من حيث عدد السكان.

مرت إثيوبيا بتحولات اقتصادية سريعة خلال السنوات الأخيرة حيث تجاوز النمو السكاني معدلات النمو الاقتصادي.

ووصلت الأمور إلى أسوء مراحلها خلال سنوات الجفاف عامي 2002 و2003 ولكن منذ ذلك الحين زاد متوسط دخل الفرد بأكثر من 600 في المئة، لكن هذه النمو لم يشمل كل أنحاء البلاد بشكل عادل.

في العاصمة أديس أبابا على سبيل المثال، شهدت المدينة توسعًا عمرانيًا وتحسنت البنية التحتية والخدمات وشمل ذلك مثلاً إدخال السكك الحديدية الخفيفة إلى المدينة.

لكن في أجزاء أخرى من البلاد اشتكى البعض من عدم استفادتهم من النمو الاقتصادي وهو ما كان مبعث احتجاجات سياسية في الماضي.

كما انعكست التغيرات على خدمات الصحة إيجابًا؛ فقد شهدت السنوات الخمسين الماضية انخفاضًا كبيرًا في عدد وفيات الأطفال دون سن الخامسة. كما انخفضت نسبة النساء اللاتي يتوفين أثناء الولادة.

مزيج من الأعراق

تتكون البلاد من عدد كبير من المجموعات العرقية ومن المرجح أن يكون للعلاقات بينها تأثير كبير على مستقبل إثيوبيا.

ولطالما اشتكت أكبر مجموعة عرقية في إثيوبيا، الأورومو، من تهميشها اقتصاديًا وسياسيًا.

ولعبت موجة من الاحتجاجات التي بدأت في عام 2015 دورًا في صعود آبي أحمد الذي ينتمي إلى الأورومو إلى سدة الحكم.

كان آبي أحمد حريصًا على تعزيز الشعور بالوحدة الوطنية في مواجهة الانقسامات العرقية، لكنه كان يريد أيضًا الاحتفاء بهذا التنوع. ومثلت الأحداث الأخيرة التي عاشتها البلاد تحديًا كبيرًا لتلك الرؤية.

يسود إثيوبيا النظام الفيدرالي حيث تضم البلاد 10 ولايات ذات طابع عرقي ومدينتين تتمتعان بإدارة ذاتية.

يمكن لأي مجموعة عرقية ليس لها ولاية خاصة بها أن تدعو إلى استفتاء لإنشاء ولاية خاصة بها.

فقد تأسست ولاية سيداما في عام 2020 بعد تصويت في العام السابق ويمكن إنشاء الولاية الحادية عشرة في جنوب غربي البلاد بعد استفتاء يجري في سبتمبر أيلول المقبل.

كان أحد دوافع تبني النظام الفيدرالي في دستور 1994 هو تصحيح ما كان يُنظر إليه على أنه مركزية مفرطة في عهد الديكتاتور، مانغستو هيلامريام، الذي أطيح به في عام 1991.

في نوفمبر تشرين الثاني الماضي انهارت العلاقات بين الحكومة المركزية وإقليم تيغراي في الشمال، حيث خاضت القوات الفيدرالية معارك ضد الجنود الموالين للحزب الحاكم السابق في الإقليم.

ومن بين أسباب الخلاف الذي أدى إلى المواجهة بين الطرفين، الاتهامات الموجهة لآبي أحمد بأنه ينوي جعل إثيوبيا دولة مركزية مرة أخرى.

أدى القتال المستمر في إقليم تيغراي إلى أزمة إنسانية حيث فر أكثر من 60 ألف شخص عبر الحدود إلى السودان، وأجبر مئات الآلاف على النزوح عن ديارهم.

وتم توثيق وقوع مجازر بحق المدنيين بالإضافة إلى العنف الجنسي. وأظهر مسح جرى في الإقليم أن أكثر من 350 ألف شخص يعانون من المجاعة.

وحسب تقديرات الأمم المتحدة يحتاج أكثر من خمسة ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية.

واستبدلت السلطات الفيدرالية إدارة جبهة تحرير تيغراي الشعبية في الإقليم بإدارة إقليمية مؤقتة، ولن تجرى الانتخابات في تيغراي بسبب انعدام الأمن.

وقد سلط القتال الضوء على الصعوبة التي يواجهها آبي أحمد في تطبيق رؤيته التي تعتمد على تعزيز الشعور بالوحدة الوطنية مع احترام الاختلافات العرقية أيضًا.

كما اندلعت أعمال العنف في أجزاء أخرى من البلاد، وبعضها نشب بسبب الصراعات العرقية التي لها علاقة بالأراضي والحدود بين الولايات.

وفي أبريل نيسان فرضت الحكومة حالة الطوارئ في جزء من ولاية أمهرة، في محاولة للتعامل مع الاشتباكات العرقية بين الأمهرة والأورومو.

وفي وقت سابق من هذا الشهر أفادت الأنباء بأن مئة شخص لقوا مصرعهم في نزاع على الحدود بين إقليمي عفار والصومال.

كما اندلع قتال في منطقة بينيشانقول- قوموز حيث قال ناجون من هجوم في ديسمبر كانون الأول الماضي إن أفرادًا من عرقية القوموز اعتدوا على أشخاص من عرقيات أخرى.

وكثيرًا ما نشرت الحكومة الفيدرالية قوات فيدرالية للتعامل مع العنف، ولكن إذا فاز آبي أحمد في الانتخابات المقبلة فسيحتاج إلى بذل المزيد من الجهد لمواجهة العنف الذي يهدد الاستقرار في البلاد.

غير أن الاتهامات المتصاعدة لرئيس الوزراء، الحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2019، بارتكاب جرائم تطهير عرقي ضد سكان التيغراي، فضلًا عن تعقبه للصحفيين ورفضه أي انتقاد دولي، يمثل أزمة أخرى أمامه.

ومن خلال تحالف مع ديكتاتور إريتريا أسياس أفورقي، عدو الأمس، يسعى آبي أحمد لبسط نفوذه في القارة السمراء، غير أن هذا الحلم قد يصطدم بحقيقة أن الداخل الإثيوبي ليس موحدًا.

اعتقالات واسعة

وخلال السنة الأولى من تولي آبي أحمد منصب رئيس الوزراء، أشيد بعملية أطلاقه سراح السجناء السياسيين.

وقال الباحث في منظمة العفو الدولية فيسيها تكل، لا يتوفر إحصاء دقيق لعدد الذين تم إطلاق سراحهم، لكنه ربما يكون نحو 45 ألف سجين.

ولكن، خلال فترة ولاية آبي، اُعتقل العديد من الأشخاص الآخرين، ووثقت منظمات حقوق الإنسان أدلة على آلاف الاعتقالات.

وقالت منظمة العفو الدولية: “تُظهر الأدلة التي جمعتها منظمة العفو الدولية في معسكر الجيش “تولاي”، أنه تم اعتقال ما لا يقل عن 10 آلاف شخص هناك أثناء جولات دهم واعتقالات جماعية بدأت في يناير كانون الثاني 2019، واستمرت حتى سبتمبر أيلول من العام نفسه”.

وتضيف:”وبالمثل، قدّر محتجزون سابقون في مركز تدريب الشرطة (سنقلي) عدد المحتجزين هناك بما لا يقل عن ألفي شخص”.

وفي عام 2020 ، أفادت لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية التي تديرها الدولة باحتجاز 9000 شخص بعد اندلاع أعمال عنف في أعقاب مقتل مغنٍ معروف من قومية الأورومو يدعى هاشالو هونديسا.

وتقول ليتيشيا بادر، من منظمة مراقبة حقوق إنسان غير حكومية: “كان إطلاق سراح آلاف المعتقلين السياسيين في الأشهر الأخيرة من حكم الإدارة السابقة والأشهر الأولى من فترة تولي آبي لمنصبه، بمثابة فتحًا وخطوة رائدة، لكن فترة الهدوء تلك لم تدم طويلًا”.

وتضيف “بدأت الحكومة باعتقال المعارضين السياسيين، بدءا من منتصف عام 2019 ، وفي أعقاب محاولة انقلاب مزعومة في منطقة الأمهرة.

وزاد هذا الاتجاه بشكل ملحوظ منذ عام 2020 ، مع انتشار عمليات اعتقال لشخصيات سياسية معارضة وأنصارهم وأفراد من أسرهم، فضلًا عن صحفيين وفنانين، بحسب بادر.