في أول انتخابات تشريعية منذ الإطاحة به.. حزب “بوتفليقة” يحصد أغلبية البرلمان الجزائري

الجزائر | جو-برس

فاز حزب “جبهة التحرير الوطني”، الحاكم في الجزائر، بالانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت هذا الشهر، والتي شهدت مقاطعة غير مسبوقة لعملية التصويت، في حين حل المستقلون ثانيًا، وجاءت حركة مجتمع السلام (التابعة للإخوان المسلمين) في المرتبة الثالثة.

وشهدت الانتخابات الأخيرة، وهي الأولى منذ الإطاحة بالرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مشاركة هي الأدنى في تاريخ البلاد، حيث صوت 23.3 بالمئة فقط من الناخبين، بحسب ما أعلنته لجنة الانتخابات.

وكان العزوف عن المشاركة هو السمة الغالبة لهذه الانتخابات، التي منحت الحزب الحاكم أغلبية جديدة لتشكيل الحكومة.

وقاطع “الحراك” الاحتجاجي وقسم من المعارضة هذه الانتخابات. وقال الحراك إن أي تصويت في ظل بقاء المؤسسة الحالية في مكانها، وبينما يتدخل الجيش في السياسة، لا يمكن أن يكون عادلًا.

وشكّل فوز جبهة التحرير الوطني (حزب بوتفليقة) مفاجأة بالنظر إلى تراجع شعبيته بشكل كبير بسبب ارتباطاته بالرئيس السابق بوتفليقة.

ويتمتع الحزب بقاعدة شعبية قديمة بين الناخبين. وقال رئيس السلطة الوطنية المستقلّة للانتخابات محمد شرفي خلال مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء 15 يونيو حزيران إن حزب “الجبهة” حصل على 105 مقاعد من أصل 407.

وحل المرشّحون المستقلّون في المرتبة الثانية بـ78 مقعدًا، وجاءت حركة مجتمع السلم (حمس) ثالثة بـ64 مقعدًا.

ورغم تصدره، فقد خسر الحزب الحاكم 50 مقعدًا وبات لديه أقل من ربع أعضاء المجلس الجديد. بالمقابل حاز حليفه التقليدي حزب “التجمّع الوطني الديموقراطي” على 57 مقعدًا (14%) وحلّ رابعًا.

وقبل إعلان النتائج، قالت حركة حمس إنها حصدت العدد الأكبر من الأصوات. وحذرت من التلاعب بالنتائج. لكن النتيجة النهائية جاءت على نحو مغاير، فيما أكدت لجنة الانتخابات أن ملامح البرلمان الجديد رسمت بكل حرية وشفافية من قبل الشعب..

وكانت الجبهة الحزب الأوحد في البلاد بعد استقلالها في 1962 وكانت لديها أكبر كتلة نيابية في البرلمان المنتهية ولايته.

انتخابات مغلقة

وقال سعيد صالحي نائب رئيس الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الانسان في تصريح لوكالة فرانس برس إنها “نتائج غير مفاجئة لانتخابات مغلقة جرت في مناخ من القمع”، معربًا عن أسفه “لتفويت موعد آخر من أجل التغيير والديموقراطية”.

وفي مؤشّر على عدم مبالاة قسم كبير من المجتمع بهذا الاستحقاق فقد بلغ عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 5.6 ملايين من أصل أكثر من 24 مليون ناخب.

وهذه المشاركة هي الأدنى في تاريخ البلاد، ليس فقط على صعيد الانتخابات التشريعية بل على صعيد الانتخابات بأسرها، بحسب السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. وألغت لجنة الانتخابات أكثر من مليون من هذه الأصوات. 

وعلى الرّغم من العدد الكبير من المرشحين المستقلّين، فانّ نسبة الامتناع عن التصويت كانت أكبر من تلك التي سجّلت في الانتخابات الرئاسية في 2019 وفي الاستفتاء الدستوري في 2020.

وبلغت نسبة الامتناع في الاستحقاق الأول 60% وفي الثاني 76%. وبالمقارنة مع الانتخابات التشريعية السابقة فقد وصلت نسبة الإقبال على التصويت في استحقاق 2017 إلى 35.7% وفي 2012 إلى 42.9%.

وقالت لويزا دريس آيت حمدوش، أستاذة العلوم السياسية في جامعة الجزائر، لفرانس برس إن نسبة الإقبال على التصويت في انتخابات السبت كانت “منخفضة للغاية”.

وأضافت حمدوش “هذا الرقم يوضح إلى أيّ مدى لا تشكّل هذه الانتخابات، مثل تلك التي سبقتها، حلًا للأزمة”.

وهذه أول انتخابات تشريعية تشهدها الجزائر منذ اندلعت احتجاجات الحراك في 22 فبراير شباط 2019.

عزم على تجاهل مطالب الحراك

ومنذ سنوات يقول المحلّلون إنّ الامتناع عن التصويت هو “أكبر حزب في الجزائر”. لكنّ الرئيس عبد المجيد تبّون قلّل من أهمية نسبة الإقبال على التصويت.

وقال تبون بعد إدلائه بصوته السبت “بالنسبة لي، فإن نسبة المشاركة لا تهم. ما يهمّني أن من يصوّت عليهم الشعب لديهم الشرعيّة الكافية لأخذ زمام السلطة التشريعيّة”. 

وتبدو السلطة الحالية عازمة بالفعل على تنفيذ “خارطة الطريق” التي وضعتها، وعلى تجاهل مطالب الحراك وهي: حُكم القانون والتحوّل الديموقراطي وسيادة الشعب واستقلال القضاء.

وكان الناخبون توجّهوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار 407 نوّاب في مجلس الشعب الوطني (مجلس النواب) لولاية مدّتها خمس سنوات.

وكان عليهم الاختيار بين 2288 قائمة تضمّ أكثر من 22 ألف مرشّح، منهم أكثر من 1200 مرشّح “مستقلّ”، في سابقة من نوعها.

وحصلت هذه القوائم على تشجيع علني من السلطات الساعية إلى تجديد شرعيتها.

ويمكن للمجلس النيابي المقبل أن يشهد قيام تحالف بين الأحزاب التقليدية (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي) والمستقلّين والإسلاميين.

وتوقّع اسماعيل الدبيش، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر أن “يقوم تحالف حول برنامج الرئيس، ومن المرجّح أن يُعيد (تبون) تعيين رئيس الوزراء عبد العزيز جراد”.

والمرأة الجزائرية هي الخاسر الأكبر في هذه الانتخابات إذ إنّ المجلس المقبل لن يضمّ سوى 34 امرأة فقط (من أصل 8000 مرشّحة)، مقابل 146 نائبة في المجلس السابق، بحسب فرانس برس.

وكانت الأحزاب الإسلامية تأمل في الاستفادة من اضطرابات العامين الماضيين من الاحتجاجات التي أطاحت بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة من منصبه وأدت إلى سجن العديد من كبار المسؤولين.

لكن الفارق الأكبر عن الانتخابات السابقة كان العدد الأكبر بكثير من المستقلين الذين فازوا بمقاعد في البرلمان، مع احتفاظ الإسلاميين بحصة مماثلة لما حصلوا عليه في السابق.

ومن المتوقع أن تواجه الحكومة المقبلة أزمة اقتصادية تلوح في الأفق حيث أنفقت الجزائر أكثر من أربعة أخماس احتياطياتها من العملات الأجنبية منذ 2013.

ترحيب بالنتائج

ورحبت الأحزاب الفائزة بالانتخابات التشريعية المبكرة في الجزائر بالنتائج. وقال الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، أبو الفضل البعجي: “نحن أكبر قوة سياسية في البرلمان”.

وأضاف، في مؤتمر صحفي، أن “حزب جبهة التحرير الوطني صنع التاريخ مجددًا، ومن أرادوا إدخاله إلى المتحف خرجوا هم من التاريخ”.

والبعجي الذي رفضت السلطات ترشحه للانتخابات لتخلفه عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وفقًا لوسائل إعلام محلية، أكد في مؤتمره الصحفي أن “الشعب الجزائري لا يكره جبهة التحرير الوطني”.

بدوره، وصف الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي (57 مقعدًا)، الطيب زيتوني، نتائج الانتخابات بـ”الإيجابية جدًا” بالنسبة لحزبه الذي “يبقى في الواجهة مع الأحزاب السياسية الكبرى في الجزائر”، وفقًا لما نقلت عنه وكالة الأنباء الجزائرية.

ونقلت الوكالة أيضًا عن رئيس جبهة المستقبل (48 مقعدًا)، عبد العزيز بلعيد، قوله إن نتائج الانتخابات “منطقية وموضوعية”.

بدورها رحبت حركة مجتمع السلم، أكبر حزب إسلامي في البلاد، بالنتائج التي حققتها في الانتخابات، مشيرة إلى أنها ستدرس كل العروض في ما يخص تشكيل الحكومة.

وقال رئيسها عبد الرزاق مقري في مؤتمر صحفي: “نحن سعداء جدًا بهذا النجاح. هذه نتائج تاريخية (على الرغم من) التجاوزات الخطيرة التي سجلناها والتي أثرت على النتائج”.

لكن مقري اعتبر أن “رئيس الجمهورية (عبد المجيد تبون) بريء مما وقع كما لم يتهم رئيس السلطة (الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي) لأنه لا يملك الأدوات لمعرفة ما يحدث في كل الولايات”.

وتأسف مقري، الذي سبق أن أعلن أنه “جاهز لحكم البلاد”، لعدم حصول الحركة على الأغلبية لتنفيذ “إجراءات تهدئة أولها إطلاق سراح المعتقلين وتحرير وسائل الاعلام واستقلال القضاء وحرية تأسيس الأحزاب والجمعيات وفتح حوار وطني مع كل مكونات الساحة السياسية حتى مع من لم يشارك في الانتخابات”.

المصدر: وكالات