على وقع اضطراب سياسي.. احتجاج محدود في الكويت للمطالبة بالعفو عن معارضين

الكويت | جو-برس

تجمع عشرات الكويتيين يوم السبت في الساحة المواجهة لمجلس الأمة (البرلمان) للمطالبة بالعفو الشامل والسماح بعودة النشطاء والنواب السابقين الذين يعيشون خارج البلاد، هربًا من الملاحقة.

وقانون “العفو الشامل” هو واحد من الخلافات السياسية القائمة في الكويت منذ عهد الأمير الراحل صباح الأحمد، الذي رفض مرارًا إصدار القانون.

ويعتبر الاحتجاج أمرًا نادرًا في البلد الخليجي الغني الذي يعيش أزمة اقتصادية غير مسبوقة بسبب تداعيات الجائحة، وأخرى سياسية بسبب الصدام بين الحكومة والبرلمان.

وطالب المحتجون، وبينهم نواب حاليين، في الوقفة التي حملت عنوان “العفو أولوية”، بإعادة النواب المفصولين للبرلمان والناشطين السياسيين والنواب السابقين من الخارج.

ويواجه نواب سابقون ونشطاء سياسيون يقيمون في الخارج أحكامًا نهائية بالسجن بتهم تتعلق بـ”الإساءة للأمير”، في حين جرى فصل النائب بدر الداهوم منتصف مارس آذر الماضي، للسبب نفسه.

وتعيش الكويت على وقع أزمة متفاقمة بين البرلمان والحكومة، إلى جانب أزمة بين غالبية نواب مجلس الأمة من جهة ورئيس المجلس مرزوق الغانم من جهة أخرى.

ويتهم عدد من النواب الحكومة بالتستر على الفساد والفاسدين، وقد فشل المجلس في عقد استجواب الوزراء ثلاث مرات خلال شهر واحد بسبب اللوائح والثغرات الإجرائية.

وثيقة الكويت

وعندما كان أمير البلاد الحالي نواف الأحمد وليًا للعهد وقائمًا ببعض مهام الأمير السابق، التقى شخصيات سياسية بارزة وتسلم ما عرفت بـ”وثيقة الكويت”.

وتعتبر الوثيقة التي قدمها النائبان السابقان في مجلس الأمة، عبد الله النفيسي، وعبيد الوسمي (دخل المجلس مؤخرًا)، مبادرة إصلاح سياسي واقتصادي.

وتضمنت الوثيقة خمسة محاور مهمة، تدور حول “المصالحة الوطنية، والعفو الشامل، وبداية عهد سياسي جديد، مع وضع حلول اقتصادية وسياسية”.

وتطرقت الوثيقة إلى تجارب سابقة لما وصفتها بـ”المحاولات المستترة للانقضاض على الدستور وتفريغه من محتواه”.

وقالت إن هذه المحاولات “أدت إلى إضعاف الرقابة الشعبية وتعطيل فاعلية المؤسسات”، وفق ما نقلته وسائل إعلام كويتية.

ودعت الوثيقة لمحاربة الفساد والقضاء على رموزه، وإجراء إصلاحات حقيقية، وضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني ذات صلاحيات واسعة، تعمل وفق جدول زمني محدد على إيجاد بدائل لهيكلة مؤسسات الدولة.

وشهد العام الماضي كشف عدد من قضايا الفساد الكبيرة التي تورط بها مسؤولون كبار.

ومؤخرًا تم حبس رئيس الوزراء السابق جابر المبارك الصباح، احتياطيًا على خلفية قضية “صندوق الجيش”، لكنه وضع في أحد المشافي.

دعم الحرية ومحاربة الفساد

وقبيل توليه السلطة رسميًا، أكد أمير الكويت عزمه على محاربة الفاسدين و”أشباح الفتنة”، ودعا للتمسك بالحرية التي كفلها الدستور، دون إخلال بالقانون.

وقد شددت الوثيقة التي قدّمت للأمير على ضرورة التوافق الوطني على نظام انتخابي انتقالي يعكس التمثيل الشعبي الحقيقي وسلامة العملية.

ودعت أيضًا إلى منع التأثير أو التدخل في خيارات الشعب، وإعادة تشكيل السلطة القضائية ومؤسساتها العاملة وأجهزتها، والسعي إلى المحافظة على استقرار المجتمع والدولة.

وتمتلك الكويت برلمانًا هو الأقوى في المنطقة، كما إنها تمتلك واحدًا من أفضل الدساتير، ومع ذلك قدمت الوثيقة مطالبات حول القوانين المرئية، والمسموعة، والخاصة بالإعلام الإلكتروني.

نواب الخارج

وسبق أن تقدم عدد من النواب للأمير الراحل بطلب للعفو الشامل عن نواب يعيشون في الخارج بعد إدانتهم بتهمة الإساءة للأمير، وناشدوه فتح صفحة جديدة معهم، لكنه لم يستجب.

وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، تعهد عدد كبير من النواب بـ”رفع الظلم” عن هؤلاء المعارضين، الذين أدينوا في القضية المعروفة بدخول أو اقتحام مجلس الأمة أو في قضايا تتعلق بتغريدات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وسافر معظم هؤلاء المعارضين إلى تركيا أو بلدان أخرى، لكن عددًا منهم رجعوا إلى الكويت ونفذوا “شروطًا” شملت تسليم أنفسهم للسطات وقضاء جزء من عقوبة السجن وتقديم اعتذار مكتوب لأمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد.

وأصدر الأمير الراحل عفوًا خاصًا عمن استجاب لهذه الشروط ومن هؤلاء النائبان السابقان وليد الطبطبائي وفهد الخنة.

وتعود وقائع قضية دخول أو اقتحام مجلس الأمة إلى نوفمبر تشرين الثاني 2011 حين اقتحم نواب وعدد من المتظاهرين القاعة الرئيسية في المجلس احتجاجًا على أدائه في ظل سيطرة النواب الموالين للحكومة عليه.

وطالب النواب آنذاك باستقالة رئيس الوزراء آنذاك، الشيخ ناصر المحمد الصباح الذي اتهموه بالفساد، وهو ما ينفيه الشيخ ناصر.

ورغم استقالة الشيخ ناصر بعد أيام من هذه الواقعة وتعيين الشيخ جابر المبارك الصباح خلفًا له وإجراء انتخابات نيابية عدة مرات، ظلت القضية متداولة في أروقة المحاكم إلى أن صدر بشأنها حكم محكمة التمييز، وهي أعلى محكمة، في نوفمبر تشرين الثاني 2017 .

وقضت المحكمة بحبس عدد من المتهمين بينهم النائبان جمعان الحربش ووليد الطبطبائي والمعارض البارز مسلم البراك.

وأبدى النائب الصيفي مبارك الصيفي أمله أن يعفو أمير الكويت الجديد عن المحكومين الموجودين في تركيا.

وفي تصريح سابق لوكالة رويترز قال الصيفي “إذا وقفت الحكومة ضد العفو الشامل ولم يصدر العفو سيكون الأمر محل خلاف بين الجانبين وقد يفسد العلاقة بين الحكومة ومجلس الأمة”.

كما نقلت رويترز عن مصادر أن الغالبية العظمى من هؤلاء المدانين ليس لديهم مانع من الرجوع إلى البلاد وتسليم أنفسهم للسلطات وقضاء فترة من العقوبة، وتقديم اعتذار شفهي أو مكتوب.

لكن هذه المصادر قالت إن “صيغة الاعتذار” المطروحة عليهم غير مرضية لهم حتى الآن.

وقال مصدران منهم إن محاولات سابقة جرت من أجل “تخفيف” صيغة الاعتذار لكنها لم تكلل بالنجاح.

وقال مصدر ثالث إن حالة من التفاؤل سادت أوساط المعارضة بعد تولية أمير الكويت الجديد بإمكانية تخفيف صيغة الاعتذار وطي الملف، لكن الوضع بقي على ما هو عليه حتى الآن.

وفي التاسع من ديسمبر كانون الأول الماضي وبعد ساعات من إعلان نتيجة الانتخابات التي جرت في السادس من الشهر ذاته وفاز فيها نواب معارضون وتغير نحو ثلثي نواب البرلمان، اتفق 37 نائبًا على عدد من الأولويات جاء في مقدمتها إقرار قانون العفو الشامل.

وبعدها بأيام تقدم خمسة نواب بأول اقتراح بقانون في مجلس الأمة الحالي يتعلق بالعفو الشامل عن هؤلاء.

وتعيش الكويت في الوقت الحالي أجواء استقطاب بين الحكومة والنواب المعارضين الذين قدموا استجوابًا لرئيس الوزراء في يناير كانون الثاني يتهمونه فيه بعدم التعاون مع البرلمان.

وأيد نحو 37 نائبًا من أعضاء البرلمان الخمسين المنتخبين الاستجواب، وهو ما أسفر عن استقالة الحكومة وإعادة تكليف الشيخ صباح الخالد بتشكيل الحكومة الجديدة.

ومثلت تلك المواجهة بين الحكومة والبرلمان أول تحد يواجه أمير الكويت الذي تولى زمام الحكم في سبتمبر أيلول 2020.

وجاءت المواجهة في لحظة يئن فيها اقتصاد البلاد المعتمد على النفط من هبوط أسعار الخام والتداعيات الناجمة عن انتشار فيروس كورونا.

عفو متعثر

ويعطي الدستور أمير البلاد الحق في إصدار مرسوم بالعفو عن العقوبة أو تخفيفها، كما يعطي البرلمان سلطة إصدار العفو الشامل عن الجرائم المقترفة.

ويمنح العفو الشامل الصادر من البرلمان المدانين إعفاء من العقوبة والآثار المترتبة عليها بما يسمح لهم بخوض الانتخابات مرة أخرى بينما لا يسمح لهم العفو الخاص بذلك.

في فبراير شباط من هذا العام التقى رئيس الوزراء عددًا من النواب. وقالت صحف محلية آنذاك إن قضية العفو كانت حاضرة في الاجتماعات.

وقالت الصحف المحلية إن قضية “العفو” قد تجد طريقها للحل في الفترة المقبلة. وتوقعت جريدة “الجريدة” أن يصدر عفو خاص من أمير البلاد يتزامن مع الأعياد الوطنية.

وبعد تكليف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة أعلن النائب مساعد العارضي تقديم استجواب جديد له لأنه “لم يتعاون في ملف العفو”. وقال النائب إن “غير القادر على التصالح مع شعبه لا يستحق أن يدير حكومة”.

وفي المقابل يطرح نواب آخرون قضية خلية العبدلي التي أدين فيها إيراني وعدد من الكويتيين، جميعهم شيعة، بالتجسس لصالح إيران وحزب الله اللبناني.

وعثرت السلطات الكويتية بحوزة المتهمين في القضية على أسلحة ومتفجرات في مداهمة استهدفت الخلية في 2015 وهو ما تسبب في تصعيد توترات طائفية في حينها.

وقال النائب عدنان عبدالصمد في تصريح صحفي عقب لقاء رئيس الوزراء في فبراير شباط الماضي “إذا كان هناك عفو شامل أو مصالحة فيجب أن تشمل الجميع بمن فيهم أعضاء خلية العبدلي”.

وأضاف “هؤلاء قضيتهم حيازة سلاح.. وهم لم يرتكبوا أي سلوك عدائي بهذه الأسلحة”.

وتقدم الدكتور هشام الصالح عضو اللجنة التشريعية بالبرلمان باقتراح بقانون بالعفو الشامل عن جميع الجرائم الجنائية والجنح والأفعال المجرمة قبل 31 ديسمبر كانون الأول 2020.

واستثنى المقترح من ارتكب جريمة تستحق عقوبة مغلظة كالقتل والاعتداء على المال العام وغسيل الأموال وجرائم أمن الدولة وغيرها.

وقال الصالح إن اقتراحه يشمل العفو عن النواب المعارضين والناشطين الموجودين في تركيا وكذلك المدانين في قضية خلية العبدلي، والمدانين بسبب الإساءة لدول أخرى.

وفي مارس آذار، رفض المجلس من حيث المبدأ تقرير اللجنة التشريعية والقانونية البرلمانية أربعة اقتراحات بقوانين بشأن العفو الشامل.

وفي كثير من الأحيان يفرق النواب بين قضية المعارضين الموجودين في تركيا التي يدرجونها ضمن حرية التظاهر والرأي والتعبير وقضية خلية العبدلي التي يعتبرونها تمس الأمن الوطني للبلاد.

وقال الصالح “من الناحية النظرية هذا الكلام صحيح. لكن الحكم (على خلية العبدلي) قائم على التحريات وهناك ملاحظات لدينا على هذه التحريات. ومن هذا الباب ندعو إلى العفو (عنهم)”.

وأضاف “أنا مع العفو الشامل العام الذي يشمل الجميع.. حتى المدانين في الجرائم الجنائية.. لنشر التسامح وتخفيف الأعباء عن السجون”.

رسالة الدويلة

ويوم الأحد، وجه ناصر الدويلة، النائب السابق بالبرلمان الكويتي، رسالة إلى الأسرة الحاكمة، داعيًا إلى عدم التفريط في شعبية الحكم بسبب من وصفهم بـ”بطانة السوء”، ومؤكدًا أن الشعب الكويتي متمسك بدستوره ونظامه البرلماني.

وقال الدويلة، الذي غادر الكويت إلى تركيا في مارس آذار الماضي هربًا من كثرة الملاحقات القضائية، إن هناك أنباء تواترت بشأن اجتماع هام لأسرة الصباح (الحاكمة).

وأضاف الدويلة، في سلسلة تغريدات عبر حسابه على تويتر: “رسالتي إلى أسرة الصباح الكريمة: اليوم لا أحد في الكويت ينازعكم الحكم. فلا تستمعوا لمن ينادي بالمساس بحقوق الشعب ودستوره ومجلسه المنتخب واتقوا الله في شعبكم”، على حد تعبيره.

وقال إن “الشعب الكويتي وفيًا لنظامه متمسكًا بصلاحيات الأمير ونظام الوراثة، راضيًا بامتيازات الأسرة المعنوية والمادية.

لكنه شدد على أن الشعب يتمسك بكل قوة وبما لا نقاش فيه بدستوره ونظامه البرلماني، ولن يقبل من أي سلطة أن تستبد بالأمر خلاف الدستور والعهد بيننا سيادة الأمة”.

ورأى الدويلة أن ما وصفها بـ”الدولة العميقة” قد “عاثت في الكويت فسادًا”، وقال إنها “جعلت الانقضاض على الدستور غاية لن تحيد عنها”.

وأضاف: “نحن ننصح لكم ونصدقكم الود والمحبة أن أعداء الديمقراطية لن يكونوا لكم عونًا وسندًا بدل شعبكم، فلا تفرطوا في تاريخ طويل من شعبية الحكم بسبب بطانة السوء”.

وتشير كلمات الدويلة على ما يبدو إلى احتمال إقدام أمير البلاد على حل البرلمان، وهي نتيجة توقعها كثيرون في ظل الصدام المستمر بينه وبين الحكومة التي تبدو عازمة على التصعيد.

ويوم السبت، قال الدويلة إن “الكويت تمر بأخطر أزمة في تاريخها تهدد مستقبل التوافق الذي هو سر قوة نظام الحكم وأصله”.

وأضاف “الأمة قد أعلنت إرادتها بكل وضوح في انتخابات ديسمبر كانون الأول الماضي، وجددت تأكيد إرادتها في الانتخابات التكميلية، ولكن النظام لم يعتبر تلك الانتخابات كافية في تحديد إرادة الأمة وتمسك بحكومة ساقطة”، على حد وصفه.

وفي 6 يونيو حزيران الجاري، قالت صحيفة “القبس” الكويتية، إن عجز الموازنة العامة للدولة سيصل إلى 80 مليار دينار (حوالي 267 مليار دولار)، خلال الفترة من 2014 وحتى 2025.

ويوم الأحد، قالت وكالة “بلومبيرغ” إن صندوق الثروة السيادي الكويتي يقع ضحية صراع سياسي يؤدي إلى تعكير صفو الاقتصاد والاستثمار في واحدة من أغنى دول العالم.

ولفتت الوكالة إلى أن مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار المكون من 9 أعضاء لم يتم تجديد ولايته منذ انتهائها قبل شهرين بسبب خلافات سياسية حول تشكيله.