تايمز: الغرب يعيش أزمة أخلاقية وبحاجة لاستعادة إرثه في هذا المضمار

ترجمة | جو-برس

قالت صحيفة تايمز البريطانية، يوم الأحد، إن مشكلة الغرب الحقيقية ليست اقتصادية أو سياسية، بل أخلاقية، مشيرة إلى أن التآكل المستمر للثقة، و”سرطان التواصل الاجتماعي” والمعلومات المزيفة، يحتم استعادة الإرث الأخلاقي.

وفي مقال للكاتب البريطاني ماثيو سيد، أوضحت الصحيفة أن سوء الظن المستفحل، أو انعدام الثقة، لدى عامة الناس بمثابة “سمّ يحط من قدرة الغرب على التعاون والازدهار”.

وتعليقًا على نتيجة الانتخابات الفرعية التي جرت قبل يومين في دائرة تشيشام وأميرشام، التي أسفرت عن هزيمة مفاجئة تعرض لها حزب المحافظين الحاكم، اعتبر الكاتب أن النتيجة قد تكون “أول مؤشر ينم عن تحول ستكون له تداعيات قوية بعيدة المدى”.

كما أنها تدل على شعور متعاظم بالقلق لدى الناخبين، وهي آفة تكتنف في طياتها دلالات على انحطاط الغرب وعجزه عن احتواء الصين، حسب قوله.

وقال المقال إن الورقة التي كتبها عالم سياسي أمربكي “مغمور” يدعى إدوارد بانفيلد عام 1958 هي نقطة انطلاق جيدة لفهم فكرته التي يطرحها في مقاله بالصحيفة.

أقضت مضاجع المؤرخين

ولفت المقال إلى أن بانفيلد كان قد سافر إلى بلدة تشيارومونتي (جنوبي إيطاليا) للتحقق من معضلة أقضت مضاجع المؤرخين لقرون؛ فقد لاحظ عالم السياسة الأمريكي أن شمالي إيطاليا يمور بالحركة والنشاط والازدهار، وكان “حاضنة” لعصر النهضة.

فلماذا بدا الجنوب الإيطالي متقهقرًا خلف الشمال إذن؟ سؤال انكب بانفيلد على العثور على إجابة عنه. ولم ينشغل بالبحث، كدأب الاقتصاديين الأكاديميين، في الاختراعات أو التكنولوجيا أو الموارد الطبيعية، لكنه نظر إلى ما سماه “النسيج الأخلاقي” للجنوب الإيطالي.

ولاحظ بانفيلد انعدام شيء هناك كان يُعد بديهيا في وطنه الولايات المتحدة، ألا وهو “الثقة الاجتماعية”، وكان يعني بذلك استعداد الناس لوضع ثقتهم في معارفهم الجدد، بحسب المقال

عقلية سامة

أما انعدام الثقة، برأي بانفيلد، فقد ظل واقع الحال في الجنوب طوال قرون، وتوارثته الأجيال من جيل إلى جيل. وحكى قصة تناقلتها الروايات في الجنوب الإيطالي عن أب وضع ابنه فوق حافة صخرة عالية، وقال له “اقفز ولا تخف، وأنا سأمسك بك عندما تسقط”، وعندما قفز الابن تركه أبوه ليسقط على الأرض ويصاب بجروح، عندئذ قال له “لا تثق في أي شخص في هذه الدنيا”.

باختصار، فإن غياب الثقة الاجتماعية ينقض عرى كل ما يهم المجتمع تقريبًا، حسب الكاتب.

أرقام ذات دلالة

ولعل هذه نظرة بعيدة لن يجدها المرء في مقررات علم الاقتصاد، فهي تبدو صحيحة عبر المكان والزمان؛ ففي دولة غنية -مثل النرويج- يعتقد مواطنوها أن “معظم الناس يمكن الثقة فيهم” بنسبة تصل إلى 70%.

وفي دولة فقيرة مثل كولومبيا تبلغ النسبة 4% فقط. أما في ولاية نيوهامبشير بالولايات المتحدة فإن 60% من سكانها يثقون في الآخرين، مقارنة بنحو 20% من سكان ألاباما ومسيسيبي.

وفي إيطاليا، تصل ثقة سكان مدينة ترينتو المزدهرة في الشمال بالآخرين ضعف نسبتهم في جزيرة صقلية بالجنوب؛ فالمناطق التي ترتفع فيها معدلات الثقة في الآخرين تتمتع بنمو أسرع وارتفاع في إجمالي الناتج المحلي، وبمظاهر فساد أقل وحكم أكثر فعالية.

وعندما أدخل المهندس الأسكتلندي جيمس وات تحسينات على المحرك البخاري كان ذلك بالاشتراك مع رجل الأعمال الإنجليزي ماثيو بولتون وآخرين.

ويدل ذلك على شبكة معقدة من روح التعاون انبثقت منها الثورة الصناعية، وهو ما كان متعذرًا حدوثه في ذلك الوقت في مناطق مثل قارتي آسيا وأفريقيا أو الشرق الأوسط أو جنوب إيطاليا.

تدهور الثقة الاجتماعية في أميركا

لكن ثمة “مأساة” كانت كامنة تحت طيات المجتمعات الغربية؛ فالثقة كانت في انحسار، وتراجعت ثقة الناس في الحكومة بأمريكا من 75% في منتصف خمسينيات القرن الماضي إلى 19% فقط في يومنا هذا.

أما ثقة الناس في بعضهم البعض فقد تقلصت بنسبة 20% نقطة تقريبًا منذ منتصف الثمانينيات.

وجاء انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة بمثابة حد فاصل بسبب تنصله من الأسس الأخلاقية للدولة أكثر منه بسبب سياساته.

ويمضي ماثيو سيد في مقاله إلى القول إن البيانات الدولية تشير إلى أن الثقة الاجتماعية تتآكل جراء عدم المساواة الصارخ، الذي تنتج عنه شروخ في أخلاق المجتمع.

سرطان وسائل التواصل الاجتماعي

ويرى الكاتب أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مدمرًا هي الأخرى؛ فتفاعل الناس عبرها لا تحكمه أعراف اجتماعية، بل خوارزميات تتغذى على الاستقطاب ومشاعر الشك بين المشاركين.

ولم تساعد وسائل الإعلام الرئيسية في هذا الشأن، برأي الكاتب؛ فالصحفيون يضخون معلومات مغلوطة في سعيهم لاستقطاب متابعين لهم.

وخلص المقال إلى أن ما تعانيه المجتمعات ليست مشكلة اقتصادية أو تكنولوجية أو سياسية، بقدر ما هي مشكلة أخلاقية.

ومع أنه بالإمكان التخفيف من حدتها عبر تسوية اقتصادية عادلة ومعالجة “سرطان” مواقع التواصل الاجتماعي مجهولة المصدر التي تبث السموم، فإنها تتطلب في نهاية المطاف إصلاحًا أخلاقيًا.

وختم الكاتب بقوله إن الحقيقة الأكثر جلاءً هي أن الغرب بحاجة لاستعادة ثقته في الإرث الأخلاقي الذي تركه له أسلافه وتخلى عنه بلا وعي منه.

المصدر: تايمز