مع اقتراب أزمة السد الإثيوبي من مرحلة اللاعودة.. مصر والسودان توقعان اتفاقًا عسكريًا جديدًا

أعلن الجيش السوداني يوم الخميس توقيع مذكرة تعاون مشترك مع الجيش المصري، وذلك في ختام مباحثات عسكرية بينهما بالعاصمة الخرطوم، وذلك مع اقتراب أزمة السد الإثيوبي من مرحلة اللاعودة.

ووقّع المذكرة عن الجانب السوداني رئيس هيئة الأركان محمد عثمان الحسين، فيما وقعها عن الجانب المصري رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية محمد فريد حجازي.

ولم يدلِ البيان بأي تفاصيل حول المذكرة، لكن رئيس الأركان السوداني محمد عثمان الحسين أشاد بالتطور الملحوظ في العلاقات بين الجيشين.

من جانبه، أكد رئيس الأركان المصري محمد فريد حجازي على عمق العلاقات بين البلدين، مشيرا إلى أن زيارته للخرطوم تأتي في إطار المتابعة والمراجعة لما تم الاتفاق عليه.

وخلال الآونة الأخيرة شهدت العلاقات العسكرية بين السودان ومصر تقاربا؛ حيث نفذا أكثر من تمرين تدريبي مشترك.

وكان آخر هذه التدريبات مناورة “حماة النيل” التي جرت في مايو أيار الماضي، وسط خلافات سودانية مصرية مع أثيوبيا بشأن السد الذي تقيمه أديس أبابا على منابع النيل.

ويأتي توقيع الاتفاقية بعد أيام من إعلان أديس أبابا أنها قد لا تتمكن من تخزين الـ13.5 مليار متر مكعب التي أعلنتها سابقًا.

وقالت الحكومة الإثيوبية إن تقليص الكمية سببه عدم اكتمال الحاجز الأوسط للسد، فيما بدا تراجعًا ضمنيًا عن التعبئة التي حذرت مصر من تبعاتها.

وتواصل القاهرة تعزيز حضورها في القارة السمراء بعد سنوات من الغياب الذي ساعد أديس أبابا على إنشاء نفوذ لها في دول المنطقة.

السد الإثيوبي.. مصر تبلغ مجلس الأمن رسميًا رفضها كل ما تتخذه أديس أبابا من إجراءات

صراع متصاعد

وتعيش المنطقة حاليًا على وقع خلاف متصاعد بين القاهرة والخرطوم من جهة وأديس أبابا من جهة أخرى، بسبب الخلاف على طريقة تعبئة وتشغيل السد.

وتصر إثيوبيا على عدم التوقيع على اتفاق ملزم يضمن حصتي مصر والسودان السنوية من مياه نهر النيل، الذي يمثل عنصر وجود للمصريين.

وخاطبت مصر مؤخرًا مجلس الأمن الدولي بشأن التعنت الإثيوبي الذي أوصل المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الإفريقي إلى طريق مسدود، ووضع المنطقة على حافة الخطر.

وأبلغ وزير الخارجية المصري سامح شكري في رئيس مجلس الأمن، والدول الأعضاء، بأن القاهرة لن تلتزم بأي إجراءات أحادية تتخذها أديس أبابا بشأن مياه النيل.

كما طالب السودان يوم الثلاثاء مجلس الأمن بعقد اجتماع طارئ لأطراف الأزمة وإلزام الجانب الإثيوبي بعدم اتخاذ خطوات أحادية بشأن مياه النيل، والالتزام بالقوانين الدولية.

وفشلت عشر سنوات من التفاوض في إقناع أديس أبابا بضمان حصتي مصر والسودان من المياه، فيما وجهت اتهامات لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد بالسعي للسيطرة على القارة عبر سلاح المياه.

لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تبنى خطابًا جديدًا خلال الشهور الأخيرة؛ وهدد علنًا نهاية مارس آذار باللجوء لكل السيناريوهات في حال تم المساس بحصة بلاده المائية.

وحاليًا، تسود حالة من عدم اليقين بشأن ما يمكن أن تصل إليه الأزمة؛ ففي حين تذهب آراء إلى أن مصر قد تلجأ لعمل عسكري ضد السد، يرى آخرون أن هذه الفرضية غير قابلة للتحقق لأسباب فنية وسياسية.

وفي خضم الأزمة، سيطر الجيش السوداني في نوفمبر تشرين الثاني الماضي على مساحة واسعة على الحدود مع إثيوبيا كانت محل نزاع طوال عشرين عامًا.

في الوقت نفسه، تعيش إثيوبيا خلافات داخلية طاحنة تحولت إلى نزاعات مسلحة، فيما يواجه رئيس الوزراء اتهامات بارتكاب عمليات تطهير عرقي في إقليم تيغراي شمالي البلاد.

السد الإثيوبي.. صور تظهر عمليات بناء حديثة و”جبهة شعبية” مصرية لحماية المياه

مواقف الأطراف

ويروج آبي أحمد لمشروع السد، الذي تصل كلفته لنحو 5 مليارات دولار، على أنه أمل البلاد في التنمية وتوليد الكهرباء.

وما يزال نحو 25 مليونًا من سكان البلد الإفريقي الذي يتجاوز سكانه حاجز الـ100 مليون، بلا كهرباء فعلًا.

لكن الحرب التي بدأها آبي أحمد نهاية العام الماضي في تيغراي أدت لنزوح نحو مليوني شخص من الإقليم، ووضعت 350 ألف آخرين في مواجهة خطر الموت جوعًا، بحسب الأمم المتحدة.

وكانت أديس أبابا تعول كثيرًا على الموقف السوداني الذي كان أقرب إلى موقفها في عهد الرئيس المعزول عمر البشير.

لكن التغيرات السياسية التي شهدها السودان منذ 2019، انعكست على الموقف الرسمي من السد.

فقد اتجهت القيادات العسكرية داخل المجلس السيادي الحاكم لتطوير العلاقات مع القاهرة، فأصبح الموقف من السد متقاربًا.

ورفضت الخرطوم مقترحًا إثيوبيا بتوقيع اتفاق ثنائي للملء الأول للسد وتمسكت بالاتفاق الثلاثي الموقع عام 2015.

ولعب التوتر المتنامي بين السودان وإثيوبيا حول منطقة “الفشقة” الحدودية دوره في تغير الموقف السوداني من السد، كأحد أوراق الضغط على أديس أبابا.

واحتضنت الخرطوم مناورات مشتركة مع الجيش المصري تحت اسم “نسور النيل” ثم “حماة النيل”، وهو ما اعتبرته إثيوبيا رسالة ثنائية تتعلق بالسد قبل أزمة الحدود.

وتخشى مصر من أن تتأثر حصتها المائية البالغة 55.5 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، بتعبئة السد.

ومن ثم، تسعى القاهرة للحفاظ على مستوى مقبول من تدفق مياه النيل خلال سنوات ملء خزان السد وبعدها.

وتخشى القاهرة أيضًا بوار مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وتداخل مياه البحر في دلتا النيل وارتفاع نسبة الملوحة في أراضيها.

كما إنها تتخوف من زيادة التلوث وتهديد المزارع والثروة السمكية. فضلًا عن تأثر قطاعي الطاقة والصحة سلبًا بهذه الأزمة المائية.

ولتجاوز هذه المشكلات، تريد مصر ملء السد في فترة تتراوح بين 10 و21 سنة، مع الأخذ في الاعتبار سنوات الجفاف.

كما إنها ترفض تقليص حصتها من المياه عن 40 مليار متر مكعب سنويًا. وتصر على أن يقتصر تخزين المياه خلف السد على موسم الأمطار فقط، دون أوقات الجفاف.

وتطالب القاهرة أيضًا بزيادة عدد فتحات تمرير المياه داخل السد من فتحتين إلى 4 فتحات، لضمان استمرار تدفق المياه خلال فترات المناسيب الضعيفة للنيل.

وخلال جولات التفاوض في الأشهر الأخيرة، أصرت مصر على أن توقع إثيوبيا “اتفاقًا متوازنًا وملزمًا وعادلًا” بشأن ملء وتشغيل السد.

وطلبت أيضًا أن تتم المفاوضات وفق جدول زمني محدد برعاية الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والاتحاد الأفريقي.

وأنجزت إثيوبيا فعليًا المرحلة الأولى من الملء وضخت نحو 5 مليارات متر مكعب من المياه بخزان السد في يوليو تموز 2020.

وخلال الشهور الماضية، أكد مسؤولو أديس أبابا تمسكهم بإنجاز المرحلة الثانية في يوليو تموز المقبل بتخزين نحو 13.5 مليار متر مكعب، مهما كانت التحديات.

 لكن التحركات المصرية السودانية الأخيرة دفعت أديس أبابا على ما يبدو لمراجعة حساباتها ولو مؤقتًا.

فقد أعلنت حكومة إثيوبيا مؤخرًا عدم اكتمال الحواجز اللازمة لتخزين الـ13.5 مليار متر مكعب، والتي سبق وأكدت أنها لن تتراجع عن تخزينها تحت أي ظرف.

وقالت إن الوضع الحالي قد لا يجعلها قادرة على تعبئة أكثر من 6.5 مليار متر مكعب، بدلًا من 13.5 مليارًا.

كما بدأت مؤخرًا حملات توعوية لمواطنيها المقيمين بالخارج وحثتهم على التبرع لاستكمال مشروع السد، وهي على ما يبدو محاولة لتبرير تراجعها عن تخزين 13.5 مليار متر مكعب.

وأعلنت إثيوبيا أوائل يونيو حزيران الماضي أنها لن تتمكن من تعلية الممر الأوسط للسد إلى ارتفاع 595 مترًا، وأنه سيتم رفعه إلى 573 مترًا فقط.

ويعني ذلك أن أديس أبابا لن تضخ 13.5 مليار متر مكعب إضافية إلى خزان السد، وبالتالي سيكون الملء الثاني جزئيًا.

وقد يؤدي سيناريو الملء القصير للسد (3 سنوات) إلى عجز مائي متوسط يقارب 31 مليار متر مكعب سنويًا (نحو 40% من الموازنة المائية الحالية لمصر).

ويعني ذلك، حال حدوثه، تقليص المساحة الزراعية الحالية بنسبة 72%، وتراجع إجمالي الناتج المحلي الزراعي من 91 مليار دولار إلى نحو 40 مليار دولار خلال فترة الملء.

كما سينتج عن ذلك انخفاض في الناتج المحلي للفرد بنسبة 8% وزيادة في معدلات البطالة بنحو 11% عن المعدلات الحالية.

وفي 23 يونيو حزيران الجاري، أكد وزير الري المصري، محمد عبد العاطي، أن بلاده تستعد منذ أكثر من 5 سنوات للتعامل مع “صدمة مائية” يمكن أن تحدث حال حدوث الملء الثاني للسد.

وتلقي المعارضة باللائمة على الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي وقع اتفاقية عام 2015، والتي يرون أنها منحت الجانب الإثيوبي شرعية التحكم في مياه النيل، التي كان يبحث عنها لأكثر من 60 عامًا.