جنوب أفريقيا.. فوضى وقتلى في اضطرابات هي الأخطر منذ سقوط “الفصل العنصري”

جوهانسبرغ | جو-برس

تواصلت أعمال نهب المتاجر والشركات في جنوب أفريقيا يوم الأربعاء، وذلك في تصعيد للأزمة التي اندلعت منذ تنفيذ حكم السجن ضد الرئيس السابق جاكوب زوما، قبل أسبوع.

واستدعت الحكومة يوم الاثنين قوات الجيش للسيطرة على أعمال العنف التي قال رئيس البلاد سيريل رامافوزا إنها نادرة في ديمقراطية البلاد.

وأدت اعمال العنف إلى مقتل أكثر من 70 شخصًا حتى يوم الثلاثاء فضلًا عن خسائر تقدر بعشرات ملايين الدولارات بسبب أعمال النهب والسرقة.

ودعت مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى استعادة النظام والاستقرار، محذرة من تداعيات العنف على المنطقة.

واندلعت الاحتجاجات عقب سجن الرئيس السابق جاكوب زوما (79 عامًا) لتقاعسه عن التعاون مع تحقيق في فساد.

والخميس الماضي، سلم زوما نفسه إلى سلطات السجون، تنفيذًا لحكم بالسجن لمدة 15 شهرًا صدر بحقه بتهمة ازدراء القضاء.

واتسع نطاق الاحتجاجات وتحولت إلى أعمال عنف وغضب شعبي متصاعد بسبب صعوبات المعيشة وعدم المساواة بعد 27 عامًا على إلغاء سياسة الفصل العنصري.

ونهب مثيرو الشغب مراكز تسوق ومخازن أو أضرموا فيها النار بعدة مدن، معظمها في إقليم كوازولو ناتال مسقط رأس زوما ومدينة جوهانسبرغ كبرى مدن البلاد وإقليم غوتينغ المحيط بها.

لكن الشرطة قالت في بيان إن أعمال الشغب امتدت خلال الليل إلى إقليمي مبومالانجا، الواقع إلى الشرق من غوتينغ، وكيب الشمالي.

رجل يحمل ثلاجة من متجر في بلدة كاتلهونج بالقرب من جوهانسبرج يوم الاثنين (رويترز)

نهب وتعطل وإدانات

وقالت وكالة رويترز إن عدة متاجر نهبت في بلدة هامرسديل في مبومالانجا، يوم الأربعاء. كما عرضت قنوات التلفزيون المحلية صورًا لمتاجر أخرى تعرضت للنهب في بلدية سويتو وفي ميناء دربان.

وذكر مسؤول في قطاع النفط أن العمل توقف مؤقتا في مصفاة سابريف كبرى مصافي النفط في البلاد والموجودة في دربان.

وقال مسؤولو أمني جنوب أفريقي يوم الثلاثاء إن الحكومة تعمل على وقف انتشار العنف والنهب، في حين انتشر الجنود في الشوارع لمساعدة الشرطة في السيطرة على الوضع واستعادة الأمن والنظام.

وعبرت بعثة الأمم المتحدة في جنوب أفريقيا عن قلقها لاضطراب نقل الموظفين والأطقم الطبية ونقص الغذاء والدواء وغيرهما من السلع الأساسية بسبب العنف.

وقالت في بيان مساء الثلاثاء “سيؤدي هذا إلى تفاقم الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة بالفعل بسبب البطالة والفقر وعدم المساواة في البلاد”.

كما أدان رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد، حوادث العنف والسلب والنهب التي اندلعت في جنوب أفريقيا عقب اعتقال زوما

وعبر محمد، في بيان، عن إدانته الشديدة لتصعيد العنف، ودعا السلطات في البلاد إلى الاستعادة العاجلة للنظام والسلام والاستقرار مع الاحترام الكامل لسيادة القانون.

وشدد البيان على أن الفشل في القيام بذلك قد يكون له تداعيات خطيرة ليس فقط على البلاد ولكن على المنطقة بأسرها.

جانب من أعمال النهب التي شهدتها البلاد

أزمة عميقة

وتمثل الاضطرابات الأخيرة أزمة عميقة للرئيس الحالي ، سيريل رامافوزا ، ومؤتمره الوطني الأفريقي الحاكم.

ويواجه الرئيس انقسامات حادة في حزبه إلى جانب اضطرابات اجتماعية تعود لارتفاع معدلات البطالة واجتياح فيروس كورونا للبلاد.

وواجه رامافوزا انتقادات بسبب صمته في الأيام الأولى للاضطرابات، قبل أن يبدأ في اتخاذ موقف حازم يوم الاثنين، عندما قال إن اللصوص ومثيري الشغب سيواجهون ثقل القانون بالكامل.

وأضاف رامافوزا في خطاب متلفز على المستوى الوطني مساء الاثنين “ما نشهده الآن هو أعمال إجرامية انتهازية ، حيث تحرض مجموعات من الناس على الفوضى لمجرد غطاء للنهب والسرقة”.

وأعلن أنه أذن بنشر قوات الدفاع الوطني لجنوب إفريقيا، “لدعم عمليات جهاز شرطة جنوب إفريقيا”.

وقال رئيس البلاد إن العديد من مواقع التطعيم ضد كوفيد-19 اضطرت للإغلاق بسبب العنف، مما أعاق جهدًا متصلبًا بالفعل في وقت تكافح فيه البلاد موجة من الإصابات التي أرهقت المستشفيات إلى أقصى حد. 

وقال رامافوزا إن الاضطرابات عطلت أيضًا سلاسل التوريد، مما يهدد وصول العديد من مواطني جنوب إفريقيا إلى الغذاء والأدوية.

وحذر السيد رامافوزا من أن البلاد تواجه خطر الانزلاق مرة أخرى إلى الاقتتال العرقي في أوائل التسعينيات عندما، في ظل نظام الفصل العنصري.

وأضاف “أشعلت العناصر الشريرة نيران العنف في مجتمعاتنا لمحاولة قلبنا ضد بعضنا البعض”.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية قال مسؤولون حكوميون إن الكثير من الدمار الآن يبدو أنه لا علاقة له بالغضب من سجن زوما.

وأضاف المسؤولون “يبدو أنها حالة من الفوضى الانتهازية”. 

وقال بعض المحللين والنشطاء إنها كانت انتفاضة ولدت من قضايا أعمق من الفقر ونقص الفرص التي ابتليت بها جنوب أفريقيا.

وأظهرت الصور في محطات الأخبار المحلية احتراق مراكز التسوق، ومئات الأشخاص يغادرون المتاجر حاملين أشياء مثل الملابس والأجهزة ، والشرطة تلاحق وتعتقل كل من تم القبض عليهم.

ونقلت “نيويورك تايمز” عن مكسوليسي نجوبيسي، وهو أحد مؤيدي زوما من مدينة بيترماريتسبورغ، وهي مدينة في كوازولو ناتال شهدت نوبات عنف في الأيام الأخيرة: “بالنسبة لشعبنا، هذا ليس خروجًا على القانون”. 

وأضاف نجوبيسي “إنه البقاء والبقاء بأي ثمن. التخريب والنهب هي أضرار جانبية. لقد وقعت المتاجر والشركات في مرمى نيران غضب الناس”.

وأغلقت أجزاء من الطرق السريعة الرئيسية بعد أن أحرق مخربون شاحنات في وسطها. وقالت الشرطة إنه حتى صباح الاثنين ، تم اعتقال 219 شخصًا على مستوى البلاد.

وأوضحت أنه لا يزال التحقيق جاريا في التفاصيل المتعلقة بهذه الوفيات.

في المقابل، رد منتقدو الرئيس، بحجة أن النزاعات العرقية لم تكن الدافع وراء العنف وأن رامافوزا كان يؤجج التوترات بقوله ذلك.

لكن جيسي دوارتي، نائبة الأمين العام للمؤتمر الوطني الأفريقي، قالت في مؤتمر صحفي يوم الإثنين، إن الاضطرابات ستضر بالفقراء والمهمشين بشكل أكبر.

وحذرت دوارتي من أن أعمال العنف ستدمر الشركات التي توفر الوظائف وتعطل الخدمات العامة والمواصلات التي يعتمد عليها العمال للوصول إلى العمل.

وقالت إن الفوضى دبرها أشخاص داخل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي على أمل نزع الشرعية  عن القيادة الحالية.

وأضافت: “لا يمكننا إنكار أن هناك ترتيبًا لهذا الأمر.. إنه أمر مؤسف، لأنه لا يوجد قدر من الغضب والإحباط يمكن أن يدفعك إلى القيام بهذا القدر من الضرر الذي تم بالفعل”.

وحكمت المحكمة الدستورية، أعلى هيئة قضائية في البلاد ، على الرئيس السابق جاكوب زوما بالسجن لمدة 15 شهرًا لرفضه المثول أمام لجنة تحقق في مزاعم فساد واسعة النطاق خلال فترة رئاسته من 2009 إلى 2018.

وانتقد هو وأنصاره بشدة القرار الذي جاء فيه أنه عومل معاملة غير عادلة وأن الحكم عليه بالسجن دون محاكمة مخالف للدستور.

مطعم كنتاكي في مركز تسوق في فوسلوروس بالقرب من جوهانسبرج وقد تم تحطيمه

ورفض زوما في البداية تحويل نفسه إلى سجن كما أمرت المحكمة، ولكن بعد مفاوضات مطولة مع الشرطة، سلم نفسه يوم الأربعاء الماضي.

ثم دعا زوما أنصاره، الذين تعهدوا بعدم السماح باعتقاله، إلى إغلاق كوازولو ناتال، مسقط رأسه. 

ونشرت إحدى بنات زوما، دودوزيل زوما-سامبودلا، صورًا للدمار على تويتر مع رسائل مدح.

ومع اندلاع الاضطراب، قالت “مؤسسة زوما” على تويتر إنها “لاحظت رد الفعل الغاضب الصالح للناس”. ولفتت المؤسسة إلى أن الناس قد استفزوا بسبب سجن زوما.

وقال مزوانيل ماني، المتحدث باسم المؤسسة، في مقابلة، إنه لا يمكن تحميلها مسؤولية الاضطرابات المنتشرة في جميع أنحاء جنوب إفريقيا.

وأضاف: “نحن لسنا في وضع يسمح لنا بإملاء كيفية استجابة الناس لأي موقف يستجيبون له”.

واستمعت المحكمة الدستورية يوم الاثنين إلى مرافعة في التماس قدمه زوما لإلغاء أمر سجنه.

وأدى سجن زوما، وهو شعبوي يجتذب أتباعه المتحمسين، إلى تفاقم التوترات بين فصيل داخل المؤتمر الوطني الأفريقي موالٍ له وفصيل موالي للرئيس رامافوزا، زعيم الحزب الحالي.

وسعى حلفاء زوما لتصوير الاضطرابات الحالية على أنها فشل القيادة من قبل رامافوزا.

وفي تصريحاته يوم الاثنين، بدا أن رامافوزا يستهدف بشكل مباشر فصيل زوما، حيث اقل إن البلاد شهدت التأثير المدمر للفساد، وهي في طريقها إلى الانتعاش، مضيفًا: “لا يمكننا أن نسمح لقلة من الناس بيننا بتهديد هذا الجهد الجماعي”.

المصدر: وكالات