إثيوبيا.. الأمم المتحدة قلقة من تجدد الحرب في “تيغراي” والحكومة تحاول عزل الإقليم

أديس أبابا | جو-برس

أعربت الولايات المتحدة يوم الخميس عن قلها من التقارير التي تشير إلى توسع القتال في إقليم تيغراي الإثيوبي، في حين أكدت أديس أبابا استعدادها لمواجهة هجمات مقاتلي الإقليم.

وتأتي هذه الأنباء بعد أيام من تمكن مقاتلي تيغراي من طرد قوات حكومة آبي أحمد من الإقليم بعد شهور من القتال تقول تقارير دولية إنها شهدت أعمال عنف وحشية واغتصاب وتطهير عرقي ضد سكان الإقليم.

وقالت المندوبة الأمريكية في الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد في تغريدة على تويتر إن “القتال المستمر لن يؤدي إلا إلى معاناة وموت بلا داع”.

وطالبت توماس جميع أطراف النزاع بالموافقة على الفور على وقف إطلاق النار عن طريق التفاوض والحوار السياسي.

في المقابل، ألمح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى إنهاء وقف إطلاق النار الذي أعلنته الحكومة من جانب واحد في إقليم تيغراي.

وتعهد آبي أحمد بصد ما وصفها بـ”هجمات الأعداء”، وقال في بيان على تويتر “سندافع عن أنفسنا ونصد هذه الهجمات من أعدائنا الداخليين والخارجيين، بينما نعمل على تسريع الجهود الإنسانية”.

وبعد الهزيمة الكبيرة التي لحقت بقواته أواخر يونيو حزيران، قال آبي أحمد إن ما جرى كان انسحابًا بدوافع إنسانية.

أكثر من 400 ألف شخص تجاوزوا عتبة المجاعة حسب الأمم المتحدة (رويترز)

لكن مقاتلي تيغراي عرضوا نحو 7 آلاف أسير من قوات آبي أحمد في شوارع ميكللي، عاصمة الإقليم، للتأكيد على أن ما جرى كان هزيمة عسكرية وليس وقفًا للقتال من جانب واحد كما زعم رئيس الحكومة.

وتزامنت هزيمة قوات آبي أحمد في تيغراي مع فوز حزبه في انتخابات تشريعية شهدت مقاطعة عدة أقاليم، ووصفت بأنها فُصلت على مقاس حزب “الرخاء” الحاكم.

من جهته، قال المنسق الرئيسي لأعمال بناء قدرات الجيش الإثيوبي، الجنرال باشا ديبيلي، إن قوات الجيش سترد على جبهة تيغراي في المكان والوقت الذي تحدده.

وأكد ديبيلي، في أول تعليق على القتال الدائر بالإقليم، أن القوات المركزية “مستعدة لاستئناف الهجوم وللدخول مجددا إلى المناطق التي احتلتها” قوات جبهة تحرير شعب تيغراي.

وأشار ديبيلي إلى أن جبهة تيغراي تستخدم الصراع باعتباره أداة لإطالة أمد وجودها.

نيويورك تايمز: بإيمان مسيحي وثقة زائدة بالنفس.. آبي أحمد يضع بلاده على حافة الهاوية

حرب مرتقبة

في غضون ذلك، أكد إقليم أمهرة المجاور أنه سيشن هجومًا على تيغراي، وذلك بعد أن تعهدت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي باستعادة غرب الإقليم، وهو مساحة من الأراضي الخصبة تسيطر عليها قوات أمهرة منذ أن استولت عليها أثناء الصراع.

وقال المتحدث باسم حكومة إقليم أمهرة، جيزاشيو مولونه، إن سلطات الإقليم تحشد قواتها لشن هجوم مضاد على قوات تيغراي، مؤكدًا أن “الحكومة الإقليمية تحولت الآن من الدفاع إلى الهجوم”.

واستعادت جبهة تحرير تيغراي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية معظم أراضي الإقليم بعد تحول مفاجئ لدفة القتال المستمر منذ نوفمبر تشرين الثاني 2020.

وبعد تعرض قواته لانتكاسة عسكرية مباغتة، أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد وقفًا للقتال من جانب واحد.

سكان تيغراي يحيون قوات الإقليم بعد دحرهم لقوات الحكومة في 29 يونيو حزيران

وشن آبي أحمد حملة عسكرية وحشية ضد الإقليم الذي رفض قرار تأجيل الانتخابات التشريعية، وقد حصل أحمد على دعم من الجيش الإريتري وميليشيا الأمهرة.

وأكدت تقارير دولية ارتكاب قوات آبي أحمد والقوات الداعمة له عمليات تطهير عرقي وتعذيب واغتصاب.

وارتكبت قوات آبي أحمد والقوات الإريرتية الداعمة له مذابح في تيغراي وخلفت مجاعة هي الأسوأ منذ موت 250 ألف شخص في مجاعة بالصومال قبل عشر سنوات.

ومنذ انسحاب آبي المفاجئ في 28 يونيو حزيران، استعادت قوات تيغراي السيطرة على معظم مناطق الإقليم.

وسيطر مقاتلو تيغراي على مدينة ألاماتا، البلدة الرئيسية في الجنوب، وتوغلت لانتزاع السيطرة على بلدة ماي تسبري من أمهرة الثلاثاء الماضي.

لكن معركة أكثر شراسة قد تلوح في الأفق في منطقة غرب تيغراي، التي يعتبرها الأمهريون جزءًا مستردًا من وطنهم التاريخي وتعهدوا بإبقائها تحت سيطرتهم.

نيويورك تايمز: هكذا تمكن مقاتلو تيغراي من إلحاق الهزيمة بقوات آبي أحمد

اعتقالات

ورغم حديث آبي أحمد عن الدوافع الإنسانية لوقف القتال وسحب القوات، فقد احتجزت الشرطة الإثيوبية المئات من المنتمين لعرق التيغراي في أديس أبابا.

وجاءت الاعتقالات بعد أن فقدت قوات الحكومة الاتحادية السيطرة على عاصمة تيغراي أواخر يونيو حزيران.

ونقلت وكالة رويترز عن تيسفاليم برهي، وهو محام ينتمي لحزب معارض في تيغراي، أنه علم باعتقال ما لا يقل عن 104 من أبناء الإقليم خلال الأسبوعين الماضيين في أديس أبابا.

سكان ميكللي يحملون أحد مقاتلي التيغراي بعد الانتصار على قوات آبي أحمد في 29 يونيو حزيران

وهذه ثالث موجة اعتقالات في العاصمة الإثيوبية، ووصفتها جماعات حقوقية ومحامون بأنها حملة قمع على مستوى البلاد ضد أتباع عرق التيغراي منذ نوفمبر تشرين الثاني 2020.

في المقابل، قالت السلطات في أديس أبابا إنها أغلقت في الآونة الأخيرة عددًا من الشركات المملوكة لأشخاص من تيغراي، بسبب صلات مزعومة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

وفي مايو أيار، صنفت أديس أبابا جبهة تحرير التيغراي، الذي حكمت البلاد طوال 3 عقود انتهت في 2018، منظمة إرهابية.

غارديان: آبي أحمد يتعهد بتوحيد إثيوبيا ويتمنى الآن إحكام قبضته عليها بعد أن مزقتها الحرب

عزل الإقليم

وقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية الأسبوع الماضي إن حكومة آبي أحمد تسعى لعزل إقليم تيغراي؛ بعدما ألحق مقاتلوا الإقليم هزيمة منكرة بقواته وعرضت موكبًا كبيرًا من الأسرى في شوارع العاصمة ميكللي.

وأكدت الصحيفة أن تقارير واردة من الأمم المتحدة وجماعات إغاثية أخرى تشير إلى أن الحكومة الفدرالية تعمل على عزل الإقليم ومعاقبته، عبر تدمير البنى التحتية التي تصل من خلالها المساعدات إلى مئات الآلاف ممن يعانون المجاعة.

وقال جوزيف بوريل منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة إن وقف إطلاق النار يعني توفير كافة السبل الممكنة لنقل المساعدات إلى ملايين الأطفال والنساء والرجال الذي هم في أمس الحاجة لها.

وأفادت مجموعات الإغاثة أنه لم يكن هناك إنترنت أو خدمة هاتف أو كهرباء في تيغراي منذ انسحاب القوات الإثيوبية، وقالت إنه لا يُسمح بدخول أي طعام أو وقود.

الأمم المتحدة قالت إن 400 ألف في الإقليم يواجهون المجاعة

ولفتت المجموعات إلى أن كلا الأمرين ضروري حيث الملايين يعتمدون على المساعدات الغذائية للبقاء على قيد الحياة، والمستشفيات باستخدام مولدات تعتمد على الوقود للحفاظ على الطاقة.

وأكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي تدمير جسر رئيسي يمتد على وادي نهر عميق كان الطريق الرئيسي لنقل المساعدات.

وذكر التقرير أنه تم نسف الجسر من قبل القوات الخاصة بمنطقة أمهرة، وهي مجموعة شبه عسكرية تعمل تحت منطقة أمهرة المجاورة لتيغراي وكانت عنصرًا رئيسيًا في الهجوم الإثيوبي على تيغراي. 

وألقت الحكومة الإثيوبية باللائمة في تدمير الجسر على عاتق المتمردين.

وتم إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى المنطقة فعليًا من قبل القوات الحكومية أو أصبحت غير مفتوحة، ولم تسمح الحكومة بأي رحلات جوية منذ 22 يونيو حزيران.

وقال تومي طومسون، منسق الطوارئ في برنامج الغذاء العالمي في مدينة ميكيلي الرئيسية في تيغراي، للصحفيين يوم الجمعة: “نحن بحاجة ماسة إلى جسر جوي”. 

وأضاف “مع ذلك، فإن نقل جميع المساعدات إلى الداخل هو أكثر تكلفة بكثير وأقل كفاءة من شحنها عن طريق البر”.

وأكد طومسون أن البنوك لا تزال مغلقة، مضيفًا “على أي حال، هي خالية من الأموال”.

كما اتهمت وكالات الأمم المتحدة وجماعات الإغاثة الجيش الإثيوبي بسرقة معدات حيوية من مكاتبهم.

قوات الحكومة تواصل عزل الإقليم عبر إغلاق طرق الإمداد أو تدميرها (AFP)

وسبق أن اتُهمت القوات المتحالفة مع الحكومة باختطاف قوافل المساعدات واستخدام المساعدات والمركبات لأغراضهم الخاصة. فيما قتل ما لا يقل عن 12 من عمال الإغاثة خلال الصراع حتى الآن.

وقال تقرير للأمم المتحدة يوم الخميس الماضي “في 28 يونيو حزيران، أبلغ الشركاء، بما في ذلك وكالات الأمم المتحدة، عن عدة حوادث تتعلق بدخول عناصر قوة الدفاع الوطنية الإثيوبية إلى مكاتبهم وصادروا معدات الاتصالات والإنترنت في ميكيلي ودانشا وعبدورافي”. 

وأضاف التقرير “تم أخذ محطة البث ومعدات اتصالات أخرى أيضًا من مجمع إنغو في المنطقة الجنوبية الشرقية”، في إشارة إلى منظمة غير حكومية دولية.

ورحبت الحكومة الأمريكية، التي فرضت عقوبات على كبار المسؤولين الإثيوبيين بالتأشيرات وعلقت المساعدة الأمنية للبلاد، مؤقتًا بوقف إطلاق النار باعتباره “خطوة إيجابية” محتملة نحو السلام.

لكن سامانثا باور، التي تقود الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وصفت المنع الحالي للوصول إلى المنطقة بأنه “كارثي”. 

وتشير تقديرات الولايات المتحدة إلى أن عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في تيغراي يبلغ حوالي 900 ألف شخص.

وهاجمت الحكومة الإثيوبية علنًا ​​وسرًا ضد مزاعم بأنها تستخدم الجوع لمعاقبة التيغراي الذين دعموا المتمردين إلى حد كبير.

وقالت الحكومة “إن التلميح إلى أننا نحاول خنق شعب تيغراي من خلال منع وصول المساعدات الإنسانية واستخدام الجوع كسلاح حرب هو أمر بعيد المنال”.  وأضافت “لا يوجد أي سبب على الإطلاق للقيام بذلك”.

 وقال نائب رئيس الوزراء ديميكي ميكونين للصحفيين في أديس أبابا “هؤلاء هم شعبنا.. لقد بذلنا كل جهد ممكن لإعادة بناء البنية التحتية المتضررة واستعادة الكهرباء والاتصالات والإنترنت والخدمات المصرفية”.

وفي كلمة ألقاها أمام حشد مؤيد في قاعة احتفالات بفندق في العاصمة أديس أبابا، يوم الثلاثاء 6 يوليو تموز، قال آبي أحمد إن حكومته أنفقت 20 بالمئة من ميزانيتها السنوية (حوالي 2.3 مليار دولار) على الغذاء والبنية التحتية للمنطقة.

وأضاف: “بعد أن بذلنا كل هذه النفقات والجهود، لم يثني علينا أحد، بما في ذلك المجتمع الدولي، ولا شجعنا على فعل المزيد.. بدلاً من ذلك، اتهمني الجميع بأن المجاعة على وشك الحدوث بسببك”.

وقال نائب وزير الخارجية رضوان حسين للصحفيين إن الحكومة تعمل على إعادة فتح المجال الجوي لكن المتمردين، وليس الحكومة، يجب أن يتحملوا المسؤولية عن أي صعوبات قد تواجهها مجموعات الإغاثة في تقديم المساعدة.

وأفاد موظفو الأمم المتحدة بفترة “هدوء” في القتال هذا الأسبوع، مشيرين إلى أن القوات من جميع الأطراف كانت في معظمها بمواقع دفاعية. 

وزعم زعماء المتمردين في تيغراي لوسائل الإعلام أنهم كانوا يتقدمون غربًا وجنوبًا إلى مناطق تيغراي التي سيطرت عليها قوات أمهرة.

ولم تعلق الحكومة الإريترية، المتاخمة لتيغراي من الشمال والتي منحت قوة نيران حاسمة للهجوم الإثيوبي، على وقف إطلاق النار، رغم أن رضوان، نائب وزير الخارجية الإثيوبي، قال إن القوات الإريترية تنسحب من المنطقة.

وتهتم القوات الإريترية بارتكاب أسوأ الفظائع في الصراع، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي والقتل من منزل إلى منزل على أساس العرق. 

لكن جميع الأطراف المتحاربة متهمة بارتكاب جرائم حرب. وتقول الحكومة الإثيوبية إنها تتعاون مع التحقيقات المستقلة ومحاكمة الجنود المتهمين بارتكاب جرائم.

على الرغم من ذلك، رفضت الحكومة النتائج التي توصلت إليها جماعات حقوق الإنسان الرئيسية والصحفيين. كما دعت الاتحاد الأفريقي إلى التخلي عن تحقيقه.

وقال وليام دافيسون، كبير محللي إثيوبيا في مجموعة الأزمات الدولية، لواشنطن بوست، إن الاتجاه الجديد للحرب قد يتوقف على نجاح متمردي تيغراي في استعادة السيطرة على غرب الإقليم، المتاخم للسودان، من قوات أمهرة.

وأضاف “أي محاولة من تيغرايان لإزالة سيطرة أمهرة ستتبعها بطبيعة الحال محاولة لإنشاء خط إمداد إلى السودان، خاصة وأن طرق الإمداد الأخرى مغلقة”. 

ولا يزال تركيز الحكومة الإثيوبية، بحسب دافيسون، هو محاصرة قيادة تيغراي، كما كانت منذ ذلك الحين حتى قبل اندلاع الحرب.

لذلك، يضيف المتحدث، هناك منطق واضح للحكومة الفيدرالية التي تحاول الحفاظ على السيطرة على حدود السودان ومنع مثل هذا الخط الإمداد.

وللتقليل من أهمية تطور الأحداث في تيغري خلال الأسبوع الماضي، أشار أبي أحمد إلى أن الأمور الأخرى كانت أكثر إلحاحًا، بما في ذلك ملء السد الذي تقيمه أديس أبابا على النيل الأزرق.

وتسبب السد في توتر غير مسبوق بين إثيوبيا من جهة وبين كل من مصر والسودان (دولتي المصب) من جهة أخرى، وثمة مخاوف من انزلاق الأمور إلى نزاع عسكري على المياه.

وتصاعدت التوترات بشأن السد وتفاقمت بسبب الحرب في تيغراي، التي أرسلت أكثر من 60 ألف لاجئ إلى السودان.

كما أتاحت الظروف فرصة للسودان لاستعادة السيطرة على منطقة حدودية متنازع عليها بينما كانت القوات الإثيوبية متورطة في أماكن أخرى.

وقال دافيسون إن “الاقتراب من الحدود الدولية، أو زيادة الاعتماد على المساعدات الإنسانية القادمة عبر السودان، من شأنه أن يخاطر بمزيد من التصعيد بين إثيوبيا والسودان”. 

وتابع المتحدث، الذي أشار إلى التصريحات الحكومية الأخيرة التي تتهم وكالات الإغاثة بتهريب الأسلحة سرًا إلى قيادة تيغراي، “هناك خطر أيضًا من أن تنظر أديس إلى هذه الجهود الإنسانية على أنها دعم لقيادة المتمردين في ميكيلي”.