معهد واشنطن: مصر قد تعرض نفسها للعقوبات من أجل تقوية سلاحها الجوي

واشنطن | جو-برس

قال معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إن مصر قد تخاطر بفرض عقوبات عليها للحصول على قدرات “جو-جو” أكبر، في حال رفضت الولايات المتحدة تزويدها بتلك القدرات.

جاء ذلك في تحليل كتبه علي دزبوني، وهو رئيس قسم الدراسات العسكرية والاستراتيجية في الكلية العسكرية الملكية في كندا، وكريم الباز، كريم الباز، وهو باحث في الكلية العسكرية الملكية الكندية.

ولفت التحليل، الذي نشر منتصف يوليو تموز الجاري، إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية أعلنت في أكتوبر تشرين الأول 2013، وقف عمليات نقل الأسلحة المعلقة إلى مصر.

وشملت عملية التعليق 10 مروحيات من نوع “إيه إتش-64 أباتشي”، وأربع طائرات مقاتلة من نوع “إف-16 سي بلوك 52″، ومكونات دبابة “أم 1 آي 1″، وصواريخ “هاربون” المضادة للسفن.

وكان الهدف من القرار التعبير عن استياء الولايات المتحدة من الحملة التي شنتها مصر ضد جماعة “الإخوان المسلمين”.

وعلى الرغم من تسليم بعض مروحيات “إيه إتش-64 أباتشي” في عام 2014، إلا أن الولايات المتحدة لم تستأنف النقل العادي للمعدات العسكرية إلى مصر حتى عام 2015.

ومع ذلك، وكرد فعل على هذا التوقف، اتخذ الجيش المصري تدابير جذرية لموازنة اعتماد بلاده على المعدات العسكرية الأمريكية.

وقرب نهاية ٢٠١٤ بدأت مصر التفاوض على شراء طائرات مقاتلة روسية من طراز “ميج-29 إم 2″ ومروحيات من طراز ” كا-52″ وأنظمة مضادة للصواريخ الباليستية “أنتى-2500”.

وبحلول عام 2015، أبرمت مصر صفقة مع فرنسا لشراء طائرات مقاتلة من طراز “رافال” وفرقاطة فرنسية متعدّدة المهام (“فريم”).

وكانت القشة الأخيرة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة إلى المسؤولين الأمريكيين الصفقة التي أبرمتها مصر بشأن مقاتلات “سو-35″مع روسيا في أكتوبر تشرين الأول 2018، والتي تبلغ قيمتها ملياري دولار.

وبعد شهر من انتشار أنباء حول الصفقة في مارس آذار 2019، قام وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايكل بومبيو بالتعليق على الصفقة.

ولوح بومبيو في جلسة استماع في الكونجرس بإمكانية فرض عقوبات على مصر بموجب “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات” في حال استمرار صفقة السوخوي مع القاهرة. 

وردًا على ذلك، قام العديد من أعضاء البرلمان المصري، بمن فيهم قادة عسكريون سابقون، بتحذير الولايات المتحدة الامريكية من أن هذه العقوبات ستُعتبر تدخلًا غير مقبول في قرار مصر السيادي بشراء الأسلحة.

وجرى تبرير الصفقة على أنها جزء من جهود الدولة لتنويع مصادر التسلح. بالنسبة إلى الجيش المصري.

وتمثل صفقة مقاتلات “سو-35″، بحسب التحليل، أكثر من مجرد محاولة للتنويع، فالقوات المسلحة المصرية ترى في الصفقة فرصة لإبطال آثار الرفض الأمريكي المتكرر لمحاولاتها شراء معدات عسكرية أمريكية متطورة.

ويضيف التحليل أن عملية الحصول على أي عتاد عسكري تسترشد أساسًا بمنطق يربط تصور الدولة لاحتياجاتها العسكرية بالوسائل التي يمكنها تلبية هذه الاحتياجات بفعالية وكفاءة.

وعلى سبيل المثال، قد يكون أسطول القوات الجوية المصرية من طائرات الـ “إف-16″، الأقل فاعلية من نوعه على مستوى العالم.

وعلى الرغم من ترقية الأسطول إلى معايير “بلوك 40 و52″، فقد حرمت الولايات المتحدة مصر منذ فترة طويلة من صواريخ جوّ-جوّ التي يزيد مداها عن 85 كيلومترًا.

كما قيّدت واشنطن ترسانة الصواريخ الجوية المصرية الطويلة/المتوسطة المدى بحيث تكون مقتصرة على صواريخ من طراز “إيه آي إم-7 سبارو” وصواريخ “إيه آي إم-9 سايدويندر” التي تتمتع بمدى أقل بمسافة 35 كيلومترًا.

بالنسبة إلى الجيش المصري، يضيف التحليل، يمثل هذا الأمر حجر عثرة رئيسي؛ فصاروخ “سبارو” هو صاروخ متهالك يعود لفترة الحرب الباردة ويتطلب من المشغل أن يظل مقيدًا بالهدف لتسجيل ضربة، ما يحرم الطيار من حرية التحرك أو المناورة بعد الإطلاق.

من ناحية أخرى، فان العديد مشتري السلاح الأمريكي في المنطقة، مثل قطر والبحرين والمملكة العربية السعودية وإسرائيل والأردن وعمان وتركيا، يحصلون على أنظمة أكثر فاعلية مما يتم تخصيصه لمصر مثل صاروخ الـ ” إيه آي إم-120 أمرام”.

وتسمح هذه القدرة المبنية على نظام “أطلِق وانسَ” للمشغل بالمناورة بحرية بعد الإطلاق، وتمتلك نطاقًا مُعلنًا يتجاوز نطاق صاروخ “إيه آي إم-7 سبارو” بمقدار 20 كيلومترًا إضافيًّا.

وتضع القيود المفروضة على صواريخ جوّ-جوّ للقوات الجوية المصرية من طراز “إف-16” في وضع غير مؤاتٍ كليًّا في حال مشاركته في قتال جوّي مع أي قوّة جوية مسلحة بصواريخ خارج مدى الرؤية البصرية في المنطقة.

بالمثل، يعزّز هذا الخلل التكتيكي المهم ضعف مصر الرئيسي الذي ظهر في الحروب الماضية، أي قوتها الجوية غير الفعالة.

علاوةً على ذلك، حرمت الولايات المتحدة مصر من مقاتلات التفوق الجوي الثقيل لفترة طويلة، ما قيّد مدى القوات الجوية المصرية وقدرتها.

وسعت مصر مرارًا وتكرارًا للتعويض عن هذه العيوب منذ منتصف السبعينيات من خلال الضغط من أجل إبرام صفقة لاقتناء مقاتلات من طراز ” إف-15″.

وبينما وافقت الولايات المتحدة على بيع هذه الأنظمة إلى المملكة العربية السعودية وقطر، رُفضت كل طلبات مصر.

وبالنسبة إلى مصر، هذه نقطة حساسة، خاصة بالنظر إلى أن أيًّا من البلدَين لم يعترف رسميًا بحق إسرائيل في الوجود.

وفي عام 2018، تعهّد دونالد ترامب شفهيًّا ببيع 20 طائرة مقاتلة من طراز “إف-35” للدولة المصرية، ولكن مرّة أخرى، لم تتبلور أي صفقة بسبب معارضة وزارة الدفاع والضغوط التي مارستها إسرائيل بحسب الإشاعات.

وشجّعت هذه المخاوف المستمرّة مصر على البحث عن مقاتلات متقدمة من مورّدين آخرين، حتى لو كانت معرّضة للعقوبات بموجب “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات”.

ولم تقتصر هذه القيود على الأجهزة الأمريكية. فعندما طلبت مصر طائرة “رافال” الفرنسية، مارست الولايات المتحدة وإسرائيل ضغطًا على فرنسا لخفض مستوى صاروخ جوّ-جوّ المتاح لمصر إلى صاروخ “ميكا” الذي يبلغ مداه 80 كيلومترًا بدلًا من صاروخ “ميتيور” الذي يبلغ مداه 100 كيلومتر.

وفي حين أن تركيا سعت مؤخرًا إلى إبرام صفقة أسلحة مع روسيا، ما أدى إلى فرض عقوبات بموجب “قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات”، فإن الحالة المصرية تختلف اختلافًا كبيرًا عنها.

ففي حالة تركيا وصاروخ “إس-400″، كان بإمكان تركيا الحصول على المعدات العسكرية الحديثة، بما في ذلك مقاتلات من طراز “إف-35″، ونظام الدفاع ضد الأهداف التي تطير على ارتفاعات عالية (THAAD)، ومنظومة “إم آي إم-104 باتريوت”.

لكن أنقرة قررت الحصول على تسليح روسي، فهذا يعني أن قرارها بشراء أنظمة روسية بديلة لم ينشأ بسبب حاجة عسكرية تكتيكية ملحّة، ولكن بالأحرى من دافع سياسي واضح.

في المقابل، ترى مصر أن شراء مقاتلات “سو-35” أمر ضروري بعد عقود من رفعها طلبات لاقتناء أجهزة أمريكية متقدمة، رُفضت جميعها.

وسيتساءل الكثيرون عن رغبة مصر لأنظمة التفوّق الجوي المتقدمة وصواريخ خارج مدى الرؤية البصرية بالنظر إلى أنها في حالة سلام مع إسرائيل، والتهديد الرئيسي لها يأتي من قبل المتمرّدين الإسلاميين في سيناء وعبر الحدود الليبية الممتدة.

إن الإجابة عن هذا التساؤل تكمن في تهديدَين استراتيجيَين لمصر يمثلا الحاجة لتعزيز القدرات الجوية المصرية.

ويتمثّل التهديد الأول باكتشاف حقول غاز عملاق في المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر في شرق البحر المتوسط.

وستكون مصر، بغية حفظ المنطقة الاقتصادية الخالصة بشكل فعال، بحاجة إلى أسطول جوي فعّال بسعة وقود أكبر من مقاتلاتها قصيرة المدى من طراز “إف-16” من أجل دعم وحداتها البحرية العاملة في المنطقة.

ويتمثل التهديد الثاني في سد النهضة الإثيوبي، حيث لم تسفر المفاوضات المتعلقة بتشغيل السد وتنظيمه عن أي اتفاق ملزم قانونًا بين مصر والسودان وإثيوبيا.

وفي حال لجأت مصر إلى الخيار العسكري، فإن القوات الجوية ستشعر بالضغط لتشغيل أسطول جوي بقدرة خارج مدى الرؤية البصرية لمواجهة أسطول التفوق الجوي الإثيوبي الذي يتسلح بـ”سو-27 فلانكر”، المسلّح بصواريخ جوّ-جوّ من طراز “آر-27” التي تفوق مداها تلك الخاصة بصواريخ “إيه آي إم-7 سبارو” المصرية و”إيه آي إم-9 سايدويندر” وصواريخ “ميكا” الفرنسية.

ولهذه الأسباب، تنظر مصر إلى صفقة مقاتلات “سو-35” على أنها محنة اختارت خوضها للتصدّي إلى مسألة دونيّتها من حيث قدراتها الجوية.

ومع ذلك، تدرك القاهرة أنها ستواجه عدّة تحديات في ما يتعلق بدمج مقاتلات “سو-35” في أسطول سلاحها الجوي.

ففي النهاية، لا يمكن للطائرات الأمريكية الصنع التي تشكّل العمود الفقري للقوات الجوية المصرية وأنظمة الإنذار المبكر الأمريكية الصنع من طراز “إي – 2 هوك آي و”سي-130 هيركوليز” المجهزة بمعدّات تدابير الدعم الإلكتروني لنظام الدحرجة، أن تتبادل البيانات والتواصل مع الأنظمة الروسية الصنع.

وستجعل هذه التحديات الأسطول المصري المؤلّف من مقاتلات من طرازَي “سو-35” و “ميج-29 إم 2” كقوّة جوية داخل قوّة جوية تعمل بشكل شبه مستقل وتطير بشكل أعمى.

وحاولت مصر مواجهة هذا التحدي من خلال إطلاق مركز وطني لقيادة التكامل والمراقبة الرادارية (RISC2)، يسمح للطائرات ذات الأصول المختلطة بتبادل البيانات عبر منصة موحدة.

ومع ذلك، فلا يزال الوضع التشغيلي لهذا النظام موضع شك، ولم يجرِ اختبار فعاليته القتالية بعد.

ويشير المضي قدمًا في صفقة مقاتلات “سو-35” على الرغم من هذه التحديات إلى أن القلق بشأن عجز الأسطول الجوي المصري قد وصل لدرجة أن مصر على استعداد ليس فحسب للمخاطرة بتحمّل العقوبات، ولكن أيضًا المخاطرة بتشغيل أسطول هجين من أجل الحصول على طائرة تمكنها من توسيع نطاق قطرها القتالي الجوي وإيصال حمولة كبيرة عبر نطاقات أطول.

يشير وزن هذه المخاوف أيضًا إلى أن الولايات المتحدة يمكن أن تشجع مصر على إعادة النظر في صفقة مقاتلات “سو-35” إذا كانت على استعداد لتقديم بدائل مناسبة تلبي متطلبات القوات الجوية المصرية، وذلك من دون المساومة على التفوق العسكري النوعي الذي تتمتع به إسرائيل.

ومن المرجح أن يجد الجيش المصري بديلًا مقبولًا بعيدًا عن طائرات “إف-35″ المتقدمة التي اشترتها إسرائيل مؤخّرًا إذا تم بيع أنظمة وذخائر فعالة مثل تلك التي جرى بيعها إلى المملكة العربية السعودية وقطر الى مصر، مثل صاروخ ” إيه آي إم-120 أمرام” خارج مدى الرؤية البصرية ومقاتلة التفوق الجوي من طراز “إف-15” الثقيلة الوزن.

إن التهديد بفرض عقوبات على مصر بسبب الصفقة يمكن أن تؤثر بشكل كبير على العلاقات الأمريكية مع الجيش المصري، بما في ذلك إعادة توجيه القيادة العسكرية المصرية إلى المؤسسات العسكرية الشرقية بعد عقود من الاستثمار في ضباط مصريين تلقوا تعليمًا في الولايات المتحدة.

إن ربط مسائل الخلافات السياسية مثل سجل حقوق الإنسان والديمقراطية والحكم الرشيد بالتعاون العسكري مع المؤسسة العسكرية المصرية لم ولن يغيّر السياسة المصرية، بل إنه أدّى فحسب إلى زيادة التوترات.

وفي ما يتعلق بإدارة العلاقات العسكرية مع مصر، فمن المرجح أن يؤدي اتباع نهج براغماتي محدود إلى تمكين الولايات المتحدة من تعزيز مصالحها في القاهرة في عصر تجدّد المنافسة بين القوى العظمى.

أثبت تحوّل ناصر إلى الاتحاد السوفيتي لبيع الأسلحة في عام 1954 من خلال صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية بعد عقود أنه كان من العوامل الأكثر مساهمة في زعزعة استقرار الشرق الأوسط، الأمر الذي لم تم معالجته إلّا في عام 1979 واستمر تدعيمه من خلال شراء مصر للمعدات العسكرية الأمريكية.

إن مصر في غاية الحرص على زيادة تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة الامريكية. ولكن قيادتها قد تسعى لتطوير إمكانات القوات المسلحة المصرية عن طريق إبرام صفقات تسليح مع روسيا أو الصين في حال عدم حصول مصر على متطلبات تسليحها من الولايات المتحدة الامريكية تمامًا مثلما حدث أثناء الحرب الباردة.

وعلى الولايات المتحدة الامريكية أن تحافظ على تمحور مصر الغربي، لان تغيير تمحور مصر قد يؤدي الى زعزعة استقرار الشرق الأوسط على المدى الطويل.

وفي الوقت الحالي، لا تزال مصر تعتبر نفسها حليفًا استراتيجيًا لا غنى عنه للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وهي تشارك الولايات المتحدة في أهداف السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويتجاوز التعاون العسكري الأمريكي المصري صفقة شراء المعدات العسكرية، حيث تمنح مصر الولايات المتحدة وصولًا لوجستيًّا تفضيليًّا عبر مجالها الجوي وعبر قناة السويس، وهو أمر ضروري للحفاظ على الوجود الأمريكي في الخليج.

وبالمثل، تُعدّ مصر من بين القوى العسكرية الفعالة القليلة جدًا في الشرق الأوسط التي لديها القدرة على مواجهة النفوذ الإقليمي الإيراني المتزايد الذي امتد إلى العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن بشكل فعال.

وعلى هذا النحو، فإن فهم المنظور العسكري المصري لا يزال مهمًّا؛ يرى الجيش المصري أن تقوية وتحديث انظمته القتالية أمر ضروري للعمل بفعالية وانسجام مع الولايات المتحدة ومع حلفاء الولايات المتحدة الآخرين في المنطقة، وللحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.

المصدر: معهد واشنطن للدراسات