البلاد على حافة الهاوية.. ما الذي جرى في تونس وإلى أين تتجه الأمور؟

تونس | جو-برس

لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي يريد الرئيس التونسي قيس سعيد الوصول إليه بعد قراراته الأخيرة التي يقول مراقبون إنها وضعت البلاد على حافة الهاوية، لكن ما يمكن تأكيده أن حركة النهضة (الإسلامية) خسرت نقطة مهمة في مباراة النفوذ المستمرة منذ عام تقريبًا.

فقد أعلن سعيّد، وهو أستاذ قانون دستوري جاء إلى الحكم عام 2019 من دون ظهير سياسي، يوم الأحد 25 يوليو تموز الجاري، تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن أعضائه تمهيدًا لمحاكمتهم.

كما أقال الرئيس الحكومة وقال إنه سيتولى السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس وزراء جديد سيقوم بتعيينه، وفرض حالة الطوارئ لمدة شهر.

هذه القرارات جاءت تتويجًا لصراع على الصلاحيات بدأ نهاية العام الماضي بين الرئيس من جهة وبين رئيس الحكومة المقال هشام المشيشي، المدعوم من حركة النهضة الإسلامية، التي تقود أغلبية برلمانية من جهة أخرى.

وفيما يقول سعيد إنه تحرك واشنطن بوست: أزمة تونس خطيرة لكن “سعيّد” ما يزال الأكثر شعبية

تصحيح مسار أم انقلاب؟

حاليًا، يدور جدل كبير بشأن توصيف ما حدث في تونس وبشأن ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في ظل حالة عدم التوافق المسيطرة على الشارع السياسي أكثر منها على الشارع العادي.

يستند سعيد على المادة 80 من الدستور، وهي مادة خاصة بالإجراءات الاستثنائية تعطي رئيس الجمهورية الحق في اتخاذ تدابير تفرضها الظروف في حالة وجود خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة.

لكن المادة الدستورية محل الحديث تلزم رئيس البلاد باستثشارة رئيسي الحكومة والبرلمان والمحكمة الدستورية، وتوجب إعلان هذه القرارات الاستثنائية من داخل البرلمان.

يقول الرئيس سعيد إنه أبلغ رئيسي الحكومة والبرلمان بعزمه فرض الإجراءات التي فرضها فيما نفى رئيس البرلمان راشد الغنوشي.

فيما ينفي الغنوشي، وهو زعيم حركة النهضة والعدو اللدود لسعيد، هذا الأمر، ويقول إن الرئيس لم يستشره في اتخاذ قرارات مخالفة للدستور كالتي اتخذها.

ثمة من يقول إن تفسير المادة 80 من الدستور يحمل قدرًا كبيرًا من اللبس؛ لأن الدستور نفسه نص على أن يكون البرلمان والحكومة في حالة انعقاد دائم خلال فرض إجراءات استثنائية، وهو ما لم يحدث.

فقد طوق الجيش والشرطة مبنى البرلمان ومنعا رئيسه ومجموعة من النواب من دخوله فيما وقعت مناوشات بين مؤيدي الرئيس ومؤيدي النهضة في محيط البرلمان.

تراجع عن الاعتصام

في الساعات الأولى، أعلنت النهضة اعتصامًا أمام باب البرلمان لحين انتهاء الثلاثين يومًا الاستثنائية، ودعت أنصارها للنزول للشارع “دفاعًا عن الثورة والدستور”.

بعد ساعات، أعلنت النهضة تعليق الاعتصام، وهو ما فسره البعض بوجود اتصالات لنزع فتيل الأزمة، فيما عزاه آخرون لغياب الظهير الشعبي، إذا لم تندفع الجماهير للشوارع كما كان البعض يعتقد.

بدوره، أعلن رئيس الحكومة، الذي ظل واجهة الصراع بين الرئاسة والبرلمان لنحو عام، أنه ملتزم بتسليم مهامه لمن يختاره الرئيس.

هذا المسار الذي وصفته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية بالخطير، يضع البلاد في حالة من اللايقين، سيما وأن كتلًا سياسية كبيرة أعلنت رفضها قرارات الرئيس ما لم يتم تحديد جدول زمني لإنهاء هذه الإجراءات.

تقول صحيفة واشنطن بوست إن سعيد ما يزال يحظى بشعبية كبيرة في الشارع التونسي، على عكس الحكومة والبرلمان اللذين كانا في مرمى احتجاجات واسعة وعنيفة خرجت صباح يوم الأحد، وهو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس قراراته الاستثنائية.

تشير مجمل التقارير إلى أن الشارع التونسي ما يزال قريبًا من الرئيس داعمًا لقراراته التي جاءت في لحظة يعاني فيها التونسيون أزمات اقتصادية وصحية بالغة السوء.

غير أن هذا التأييد قد يجف سريعًا بعدما أصبح الرئيس وحيدًا في مواجهة كل تلك الأزمات، التي قال إنه قادر على مواجهتها.

سريعًا، كلف الرئيس القوات المسلحة بالتصدي لأزمة الجائحة التي فشلت الحكومة في التعامل معها فشلًا ذريعًا، وقال إنه سيعمل على محاسبة الفاسدين لمصلحة الشعب.

لكن النهضة، وهي حركة كبيرة في تونس حازت أكثر الأصوات في كل الانتخابات التي تلت الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي، عام 2011، ربما لن تقبل بالأمر الواقع.

بيد أن الحركة، المنبثقة عن جماعة الإخوان المسلمين، مسؤولة إلى حد كبير عن الأزمة التي وصلت لها البلاد، بعدما دعمت رئيس الحكومة المقال في مواجهة الرئيس الذي رفض تشكيلة الحكومة الأخيرة التي ضمت وزراء فاسدين، حسب قوله.

بدأت النهضة سريعًا تبني خطاب الشرعية في مواجهة الانقلاب، وشنت كتائب الإخوان المسلمين على مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام الموالية للجماعة، حربًا منشورات وصور، مفادها أن ما يحدث في تونس إنما هو مخطط أعدته الإمارات ومصر في إطار حربهما على الجماعة.

استعانت النهضة بجيش إليكتروني مهمته الترويج لراوية أن ما يحدث في تونس هو نفسه ما حدث في مصر عام 2013، وأن النهضة مستهدفة لأنها جزء من الإخوان المسلمين، وليس لأنها ارتكبت أخطاءً أفقدتها زخمها الشعبي.

في المقابل، نزل سعيد إلى شوارع العاصمة، وأقال وزيري الدفاع والعدل، ومسؤولين كبارًا آخرين، لتثبيت ما بدأه على الأرض وليس على مواقع التواصل.

الرئيس التونسي يعفي رئيس الحكومة ووزيري الدفاع والعدل

سعيّد يتقدّم وإن بحذر

هذا التناول للأزمة يعطي انطباعًا أوليًا بأن النهضة ستخسر معركتها سريعًا تمامًا كما خسرها الإخوان في مصر؛ إذ لم يعد ممكنًا أن تقنع الجماهير بأن ما لمسوه بأصابعهم العشرة ليس حقيقيًا.

قد لا تتخذ تونس مسارًا عنيفًا كغيرها من الدول؛ ليس فقط لأن الدلائل تشير إلى ضعف موقف النهضة شعبيًا، ولكن لأن ثمة كيانات مدينة قوية في البلاد لا تزال قادرة على ضبط المسار.

وبعيدًا عن توصيف ما جرى خلال اليومين الماضيين، فإن تلك الكيانات المدنية في تونس سارعت لتحديد مسارات تضمن عدم انزلاق الأمور إلى العنف أو إلى الحكم الاستبدادي من جديد.

الرئيس السابق للبلاد ورئيس ائتلاف الكرامة، منصف المرزوقي، أعلن رفضه ما جرى جملة وتفصيلًا، وقال إن ما يجري بمثابة تغذية للتمساح.

وحذر المرزوقي، وهو مناضل يساري نفاه بن علي لسنوات، وحاربته النهضة في المعركتين الرئاسيتين الأخيرتين (2014-2019)، مقطع مصور بعد بعد وقت قليل من إعلان قرارات الرئيس، من أن ما جرى ليس تصحيحًا للمسار وإنما هو توجه نحو مسار أكثر سوءًا، حسب قوله.

لاحقًا، قال المرزوقي، في مقابلة مع قناة “الجزيرة” القطرية، إن كافة القوى السياسية، بما فيها الرئيس تتحمل مسؤولية ما آلت إليه البلاد من فشل، مشيرًا إلى أن قادة حركة النهضة مسؤولون بشكل مباشر عن هذ التدهور السياسي.

وأكد المرزوقي أن قادة النهضة مارسوا لعبة الدهاء والتحالفات مع أجزاء من النظام السابق، حتى أوصلوا الأمور إلى ما وصلت إليه. لكنه أكد أيضًا أن الرئيس سعيّد “لا يملك حلًا لمشكلات البلاد”.

وتقضي الفقرة الثالثة من الفصل 80  بأنه “بعد مضيّ 30 يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو 30 من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه”.

“المشيشي”.. عصا النهضة التي يسعى سعيِّد لكسرها

تخوفات ومطالبات

الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو أكبر تجمع نقابي تونسي وسبق له حل أكثر من خلاف سياسي حتى حصل على جائزة نوبل للسلام عام 2015، أصدر بيانًا طالب فيه بضرورة أن يصدر الرئيس ضمانات دستورية تضمن عدم اتساع دائرة الإجراءات الاستثنائية، ووضع سقف زمني لها حتى لا تصبح إجراءً دائمًا.

وقال الاتحاد إن الأزمة بلغت أقصاها ووصلت إلى حدّ تعطّل دواليب الدولة وتفكّك أواصرها وأجهزتها وتردّي الوضعين الاجتماعي والاقتصادي وتفشي الفساد ونهب المال العام.

وأشار إلى أنه نبّه “لاستشراء مظاهر المروق على القانون وخرقه بالغلبة طورًا وبتطويع التشريعات والأجهزة ومنها القضاء تارة أخرى.

وقال الاتحاد إن المروق على القانون كان لمصلحة لوبيات متنفّذة وأطراف استباحت الحقوق والبلاد ورهنتها في سياسة دينية خطيرة فرّطت في السيادة الوطنية.

وشدد على أنه حان الوقت لتحميل المسؤوليات وإنهاء هذه الحقبة التي وضعت تونس على صفيح من نار، مؤكدًا رفضه أي لجوء للعنف من أي طرف ولأي سبب.

هذا الموقف من الكتلة المدنية الأكثر قوة في تونس يبدو انحيازًا مشروطًا لقرارات الرئيس، وهو يزيد من ضعف موقف النهضة، التي اعتبرت أذرعها على مواقع التواصل الاتحاد “منحازًا للانقلاب”.

في مقابلة مع قناة “الجزيرة” القطرية، مطلع يونيو حزيران الماضي، قال مصطفى بن جعفر، الذي ترأس لجنة صياغة الدستور التونسي، إنه “يتفهم مواقف الرئيس ورفضه لتأسيس محكمة دستورية في ظل الخلاف السياسي؛ لأنها لن تكون نزيهة”.

وأكد بن جعفر، أن “من قادوا البرلمان بعد 2014 (في إشارة للنهضة) لم يتلفتوا للدستور وأهدروا كثيرًا من مواده لأسباب تتعلق بمصالحهم السياسية، كما أنهم لم يؤسسوا المحكمة الدستورية رغم مضي الفترة القانونية لتأسيسها، لأن ذلك كان يخدم مصالحهم”.

ما يزيد موقف النهضة ضعفًا أن حلفاء سابقين انحازوا للرئيس، واعتبروا أن ما قام به من إجراءات “ليس انقلابًا”، وإنما هو “محاربة للفساد”، كما يقول محمد عبو، الوزير الأسبق والأمين العام السابق لـ”حزب التيار الديمقراطي” الذي كان أحد أضلع الترويكا الأولى والثانية التي قادتها حركة “النهضة” بعد ثورة يناير 2011.

وتابع عبو في تصريحات لإذاعة “شمس إف إم” المحلية، أن الرئيس يخوض معركة ضد الفساد، وأن قيادات النهضة “متورطة في الفساد حتى النخاع”، حسب تعبيره.

موقف عبو ليس موقفًا فرديًا، لكنه موقف كثير من التيارات السياسية التي تدعم قرارات الرئيس لكنها تخشى من أن يتحول الأمر إلى ديكتاتورية مجددًا.

فقد اعتبر “حزب العمال اليساري” أن “تصحيح مسار الثورة لا يكون بالانقلابات وبالحكم الفردي المطلق”، واصفًا ما قام به سعيد بأنه “خرق واضح للدستور” يوطئ الطريق لحكم فردي استبدادي.

وحزب العمال عضو في ائتلاف أحزاب يسارية كانت اتهمت “النهضة” بالتورط في اغتيال كل من السياسي اليساري والحقوقي شكري  بلعيد والنائب السابق محمد البراهمي قبل سنوات في أول اغتيالات سياسية ضربت تونس. 

وعلى رغم معارضته لقرارات الرئيس التونسي، دعا حزب العمال إلى إسقاط منظومة الحكم برمتها: رئاسة وبرلمانًا وحكومة، وطالب بمحاسبة رؤوس هذه المنظومة وفي مقدمتها حركة “النهضة”.

الرئيس التونسي يدعو لحوار سياسي بهدف تعديل نظام الحكم

توقعات

على الرغم من ذلك، فإن الأمور لن تتطور إلى نظام حكم فردي سلطوي في تونس كما يتخوف البعض بالنظر إلى بعض المؤشرات، ومنها الصدام الخفيف الذي وقع بين مؤيدي الرئيس ومعارضة في محيط البرلمان، وهو صدام قد يتفاقم إذا لم تحسم الأمور سريعًا.

كما إن بعض الإجراءات التي تستهدف حرية الصحافة، ومنها إغلاق مكتب قناة الجزيرة القطرية بالقوة، وضعت سعيد تحت ضغوط داخلية وخارجية، وعززت المخاوف بشأن استهداف حرية التعبير.

بالإضافة إلى ذلك، فإن رفض المجلس الأعلى للقضاء في البلاد تولي الرئيس النيابة العمومية، وتأكيده على ضرورة استقلالية السلطة القضائية، سيحجم تحركات الرئيس في محاسبة خصومه.

بالتالي، سيسرّع سعيد، غالبًا، في تعيين رئيس وزراء جديد للتعامل مع أزمتي الوباء والاقتصاد، ولاحتواء التوتر السياسي من دون أن يعود عن القرارات التي أعلنها. 

قد يلجأ الرئيس أيضًا لتسويات سياسية تحقق الأهداف المعلنة من قراراته بما فيها ضبط الانهيار وهذا الأمر يتطلب توافقات وترتيبات مع قوى سياسية ومع الاتحاد العام التونسي للشغل، صاحب النفوذ الاجتماعي والسياسي القوي.

يمكن القول إن الأمور في النهاية سيحسمها في النهاية موقف القوى السياسية والمدنية القوية، سيما وأن تونس تختلف عن الدول العربية في أنها تمتلك قوى مدنية فاعلة فضلًا عن أنها لا تملك تاريخًا من الانقلابات العسكرية.

يبدو أن الرئيس التونسي قرر الدفع باتجاه تعديلات دستورية تهدف لتغيير نظام الحكم من نظام مختلط إلى رئاسي، تعقبها انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة تحسم معركة الشعبية الدائرة في البلاد منذ 2019.

فقد أكد سعيد مرارًا، حتى قبل وصوله للحكم، على رغبته في تغيير نظام الحكم إلى نظام رئاسي يمنحه الرئيس مزيدًا من الصلاحيات، فيما كانت النهضة تستهدف نظامًا برلمانيًا يجعل الرئاسة منصبًا شرفيًا، بعد أن فشلت مرتين في الوصول لقصر قرطاج.

وفي 19 يونيو حزيران، دعا الرئيس التونسي إلى حوار وطني يقود إلى الاتفاق على نظام سياسي جديد وتعديل دستور 2014 الذي قال إنه “كله أقفال”.

لكن وثيقة سربها موقع ميدل إيست آي، قبل شهرين تقريبًا، تتحدث عن نفس الإجراءات التي اتخذها سعيد مؤخرًا، تعزز فرضية أن الرئيس كان يخطط لهذا الأمر بعيدًا عن التظاهرات الكبيرة والعنيفة التي سبقت قرارته.

وكانت الرئاسة التونسية قد نفت صلة الرئيس بالوثيقة التي نشرها الموقع البريطاني، واعتبرها محاولة لتشويه الرئيس.

وشهدت تونس تظاهرات هي الأعنف منذ سنوات صبيحة اليوم الذي أصدر فيه سعيد قراراته، وقد استهدفت في مجملها الحكومة وحركة النهضة، وحاول المحتجون إحراق مقار الحركة في أكثر من مدينة.

وتتهم النهضة الإمارات بالوقوف وراء هذه التظاهرات التي تم الحشد لها عبر صفحات تصفها النهضة بأنها “مشبوهة”، في حين لمم تتبن الأحزاب السياسية الكبرى هذه الدعوات.