بعد تراجع شعبية “النهضة”.. الرئيس التونسي في مواجهة المجتمع المدني

تونس | جو-برس

لا يبدو الرئيس التونسي قيس سعيد حاليًا في مواجهة حركة النهضة الإسلامية بقدر ما هو في مواجهة منظمات المجتمع المدني المحلية والأحزاب السياسية الأخرى التي أيدت قراراه الإطاحة بالحكومة والبرلمان، ولو ضمنيًا.

وتسعى منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية التونسية على ما يبدو للتخلص من الحكومة والبرلمان، الخاضعين لحركة النهضة، دون العودة إلى حكم فردي سلطوي كما كان الحال قبل انتفاضة 2011.

فقد أمسكت غالبية المنظمات المدنية التونسية وفي مقدمتها الاتحاد العام للشغل، أحد أقوى المنظمات المدنية في البلاد، العصا من المنتصف؛ إذا لم تعلن رفضها القاطع لإجراءات الرئيس لكنها طالبته بجدول زمني يضمن عدم تمديد الفترة الاستثنائية المحددة بشهر واحد ينتهي في 24 أغسطس آب.

ومع تراجع احتمالات دخول حركة النهضة في معركة كسر عظم في الشارع، بالنظر إلى حالة الانقسام الداخلي المسيطرة عليها، فإن منظمات المجتمع المدني تبدو أكثر قدرة على مواجهة الرئيس.

ونشرت الجريدة الرسمية في تونس قرارات سعيد الاستثنائية وقالت إنها ستستمر لمدة شهر قابل للتمديد؛ وهو ما عزز مخاوف بشأن إطالة أمد الفترة الاستثنائية.

وكانت منظمات وأحزاب سياسية تونسية طالبت الرئيس بتقديم ضمانات لعدم انزلاق البلاد إلى حكم استبدادي عبر تمديد الفترة الاستثنائية، وهو ما وعد به الرئيس في لقاء مع ممثلي عدد من المنظمات.

لكن سعيد أعطى تعهدات شفوية ولم يلزم نفسه بشيء قانوني ملزم، مكتفيًا بالإشارة إلى أنه لن يتحول إلى ديكتاتور.

وشدد الرئيس التونسي مرارًا على أنه لم ينتهك الدستور ولا يسعى لترسيخ نظام فردي استبدادي وأن الحريات العامة مصانة ولن تُمس.

لكن الملاحقات المحدودة التي بدأت بحق منتقدي قرارات سعيد وإغلاق وسائل إعلام قريبة من النهضة يعطي مؤشرًا على أن الأمور قد تتجه نحو مزيد من تكميم الأفواه.

وبغض النظر عن الخلاف الدائر بشأن تعريف ما قام به الرئيس من الناحية القانونية، فإن البلاد حاليًا تقف على حافة هاوية سياسية قد تسقط فيها ما لم يتحد المجتمع المدني في وجه الرئيس، على ما يبدو.

تشير غالبية الآراء القانونية في تونس إلى أن ما قام سعيد هو مخالفة صريحة لنص الدستور، في حين تتجه آراء أخرى إلى أن عدم وجود محكمة دستورية للفصل في هذه الأمور هو الذي أعطى الرئيس حق تفسير الدستور.

يسعى الرئيس لتعديل نظام الحكم المختلط إلى رئاسي، لكنه في الوقت نفسه مطالب بوضع حد لأزمات صحية واقتصادية اتهم الحكومة بالمسؤولية عنها.

وفي ضوء التقارير المتواترة بشأن وجود دعم إقليمي لخطوات سعيد التي وضعت البلاد في وضع خطر كما قالت صحيفة واشنطن بوست، فإن احتمالية مضيه قدمًا نحو تكريس حكمه بطرق مخالفة للدستور، تبدو ممكنة.

حركة النهضة حاليًا منقسمة على نفسها، بعضها يدعو للاعتراف بالخطأ والاعتذار وبعضها يقول إن مستقبل راشد الغنوشي السياسي قد انتهى.

الاتحاد التونسي للشغل

تتجه الأنظار حاليًا نحو الاتحاد للشغل، وهو منظمة مدنية قوية ساهمت في حل كثير من النزاعات السياسية الداخلية ونال جائزة نوبل للسلام عام 201 عن هذا الدور، لكن الاتحاد يقف موقف المراقب حتى اللحظة.

ويوم الثلاثاء، قال الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين الطبوبي، في لقاء متلفز، إن الاتحاد يريد حكومة مصغرة يقودها رئيس حكومة له خبرة، ويمكنه إرسال إشارات إيجابية للتونسيين وللمانحين الدوليين.

وكانت النقابة العمالية التونسية القوية حثّت الرئيس على الإسراع بإعلان تشكيل الحكومة الجديدة بعد نحو تسعة أيام من توليه السلطة التنفيذية.

ودافع سعيد عن خطواته بأنها دستورية وتعهد بحكم البلاد بالتعاون مع رئيس جديد للوزراء خلال فترة طوارئ، لكنه لم يكلف أي شخصية بتشكيل الحكومة حتى الآن.

وقال سامي الطاهري المتحدث باسم اتحاد الشغل “لا يمكننا الانتظار 30 يومًا لإعلان الحكومة.. علينا الإسراع في تشكيل الحكومة لتكون قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والصحية”.

وبدا أن خطوة سعيد المفاجئة في 25 يوليو تموز تحظى بتأييد شعبي واسع، لكنها أثارت مخاوف بشأن مستقبل النظام الديمقراطي الذي تبنته تونس بعد ثورة 2011.

إقالات جديدة

وأقال سعيد يوم الثلاثاء سفير تونس لدى واشنطن، في أحدث قرارات الإقالة لمسؤولين كبار ومتوسطي المستوى على مدى الأسبوع المنصرم، ومن بينهم وزراء عدة. ولم يعلن الرئيس سفيرًا جديدًا.

وحتى الآن، لم يطرح سعيد خارطة طريق لإنهاء فترة الطوارئ التي حددها في البداية بشهر واحد لكنه أوضح لاحقًا في أمر رئاسي أنه يمكن تمديدها لشهرين.

ونقلت وكالة رويترز عن مصادر في قصر قرطاج أن محافظ البنك المركزي مروان العباسي ووزيري المالية السابقين حكيم حمودة ونزار يعيش من بين المرشحين البارزين لتشكيل الحكومة.

وجاءت التطورات الأخيرة في تونس تتويجًا لصراع سياسي لعبت المصالح الشخصية للطبقة السياسية دور البطولة فيه، فيما انحدر البلد إلى هوة من الأزمات.

وخلال الشهرين الماضيين انتشر وباء كورونا بشكل سريع مع تباطؤ جهود التطعيم الحكومية، مما أدى في وقت ما إلى أسوأ معدلات الإصابة والوفيات في أفريقيا.