واشنطن بوست: هكذا يتم التلاعب بالاقتصاد خدمةً السياسة

ترجمة | جو-برس

ركّزت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية في مقال نشرته يوم الجمعة على التجاوزت الأخلاقية للبنك الدولي، الذي علّق إصدار تقرير “ممارسة أنشطة الأعمال” الخاص بمناخ الاستثمار بسبب شبهات تلاعب بالبيانات.

وسلّط المقال الذي كتبه لوكاس لينسي، وهو أستاذ مساعد في الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة جرونينجن بهولندا، الضوء على بعض التجاوزات الأخلاقية التي هزت عرش أكبر مؤسسة مالية في العالم.

وأشار الكاتب إلى أن المدير العام لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، تمكنت في الدفاع عن نفسها أمام المجلس التنفيذي للصندوق الأسبوع.

لكن لينسي يقول إن البيانات التي بدأت في الظهور، والتي تشير إلى محاولات تنقيح بيانات تقارير “ممارسة أنشطة الأعمال” خلال تولي جورجيفا منصب الرئيس التنفيذي للبنك.

لقد نفت جورجيفا عن نفسها تهمة التورط في التلاعب باستخدام البيانات الواردة في تقارير ممارسة أنشطة الأعمال، لكن البيانات التي بدأت في الظهور تشي بشيء آخر.

فالكاتب يقول إن البيانات الواردة في التقارير التي تعرضت لمحاولات تنقح تبدو أكثر دقة من تلك التي وردت في عناوين التقارير العالمية.

في الأخير، يقول لينسي إن البيانات المالية قد تصبح ذات طابع سياسي.

الإحصاءات الاقتصادية نتاج سجال سياسي

وبحسب لينسي، فإن اتهامات التلاعب بالبيانات عادةً ما تحدد المواقف التي يوجد فيها رقم ثابت وصحيح يعكس حقيقة موضوعية، بشكل دقيق، حتى يقرر شخص أو مجموعة من “معدومي الضمير” إدخال تعديلات عليها.

مع ذلك، يضيف الكاتب، فإن فرضية أن الأرقام المحددة تصور الواقع تصويرًا موضوعيًّا تتسبب في إشكاليَّات عند تطبيقها على العالم الحقيقي.

ويؤكد لينسي أن الإحصاءات الاقتصادية “ليست طبيعية”، كما إن التعريفات وإجراءات القياس التي تؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم، وغيرها من الامور التي تساعد في تحديد واقع الوضع الاقتصادي في أي بلد، تعتبر نتاجًا للمباحثات والخلافات السياسية.

هذا الأمر، بقول لينسي، يجعل هذه القياسات غامضة بطبيعتها. وفي كل حالة تقريبًا، توجد طرق متعددة لتحديد هذه المفاهيم الاقتصادية النظرية.

ويضيف “الأمور التي تخضع للقياسات في نهاية المطاف (والتي لا تخضع لتلك القياسات) غالبًا ما تعتمد على خيارات تعسفية، يمكن أن تُدخِل مجموعة من التحيزات في الأرقام الناتجة”.

ويتابع الكاتب أن بحثًا مع روبرتو أراجاو توصَّل إلى أن هذه “المرونة” المتجذرة في الأرقام تكمن في صميم عديد من العمليات المسؤولة عن إدارة التلاعب بالبيانات.

وعادةً لا تتضمن الاختلافات تعديلًا قطعيًّا مع الأرقام الرئيسة نفسها، ولكنها تنشأ من إستراتيجيات دقيقة أكثر لتعديل الأرقام من خلال تشكيل المنهجية والتعريفات الأساسية التي تؤثر في عمليات جمع البيانات.

كما إن هذه الاختلافات تتأثر بمواءمة إدارة التدفقات المالية للتأثير مباشرةً في قياسات النتائج. ويبدو أن هذا هو الحال أيضًا في فضيحة “ممارسة أنشطة الأعمال” المستمرة في البنك الدولي.

قياس سهولة ممارسة أنشطة الأعمال

وكانت تقارير “ممارسة أنشطة الأعمال” الصادرة عن البنك الدولي، والتي توقفت الآن، تصنِّف الدول على أساس الجودة المتصوَّرة للبيئة التنظيمية في تسهيل أنشطة المؤسسات الخاصة.

واستنادًا إلى الاستطلاعات التي تُجرى سنويًّا لآلاف الخبراء القانونيين المحليين، جمع المؤشر العام معلومات مفصَّلة عن أكثر من 40 مؤشرًا فرعيًّا.

وتضمن المؤشر أبعادًا مثل التكلفة وعدد الإجراءات المطلوبة لبدء أي نشاط تجاري، إلى جانب غيرها من الإجراءات المماثلة لتوفير الكهرباء للنشاط التجاري وتسجيل الملكية أو تأمين القروض أو دفع الضرائب.

المؤشرات التي تساعد على قياس معدلات التضخم في أي بلد تخضع لسجالات وخالافات سياسية

لوكاس لينسي

في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، دشَّن هذا التصنيف عددٌ من الاقتصاديين الأكاديميين الذين درسوا البيروقراطية بوصفها عائقًا أمام تحقيق التنمية الاقتصادية.

وعلى مدار السنوات الماضية، أصبح التقرير يحظى بشعبية كبيرة بين المستثمرين الماليين، بالإضافة إلى الحكومات الحريصة على جذب رأس المال الدولي.

وانتقد المتشككون الأسس الأيديولوجية للسوق الحرة لغرض المشروع إجمالًا، لكنهم أشاروا أيضًا إلى التحيزات في المنهجية الأساسية المتغيرة باستمرار وراء مثل هذه التصنيفات.

وتشير بعض الأبحاث، على سبيل المثال، إلى أن ترميز التغييرات القانونية فضَّل بلدان القانون العام بصورة منهجية.

ويشير التقرير إلى أن بول رومر، كبير الاقتصاديين السابق بالبنك الدولي، اقترح في عام 2018 أن التصنيفات قد تعاني أيضًا من التحيز الحزبي.

فقد كان وضع تشيلي مثلًا أسوأ خلال المدة الرئاسية لميشيل باتشيليت (حكومة يسارية)، لكنه تحسن مع تولي حكومة سيباستيان بينيرا الليبرالي اليميني للسلطة.

ويتضح من هذه الأنماط أنها لم تنتُج بسبب إجراء أي تغييرات ذات مغزى في السياسة العامة، ولكنها نتجت بدلًا من ذلك بسبب التعديلات التي أُجريت على كيفية قياس البنك سهولة تقديم الضرائب.

كيف أثَّر موظفو البنك الدولي في التصنيف

لقد أجرت شركة ويلمر هيل للمحاماة تحقيقًا في الجدل الدائر بشأن تصنيف البنك للصين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية وأذربيجان.

وطرحت الشركة معلومات عن الطريقة التي يُزعم أن موظفي البنك الدولي لجأوا إليها لإعادة ترتيب التصنيفات مقابل الحصول على خدمات سياسية ودعم مالي مؤسسي.

ولم يوجد، في أي حالة من الحالات، أي مؤشر على أن أي شخص أجرى تعديلًا بسيطًا على النتيجة النهائية لدولة ما أو ترتيبها. وبدلًا من ذلك، تمحورت الادعاءات حول إجراء تغييرات منهجية دقيقة.

ويوضح تقرير ويلمر هيل، على سبيل المثال، مجموعة من التعديلات المنهجية التي ناقشها الموظفون لتحسين مكانة الصين في تقرير “ممارسة أنشطة الأعمال” لعام 2018، ومنها: تضمين نقاط هونج كونج أو تايوان أو ماكاو ذات الأداء العالي في مؤشر الصين.

كما استخدم موظفوا البنك البيانات الأعلى من حيث النقاط للمدينتين اللتين شملتهما الدراسة في الصين (بكين وشنجهاي) بدلًا من استخدام المتوسط لهما.

وتم تعزيز النقاط الفرعية الفردية الصينية، باعتباره ملاذًا أخيرًا، من خلال تجاهل التقييمات الأقل ملائمة في الحالات التي اختلفت فيها آراء الخبراء.

بيد أن البحث الذي أجري وجد أن دقة هذه الجهود المزعومة ليست استثنائية. لكنها واكبت أحداث البيانات الحديثة الأخرى التي تنطوي على إحصاءات مالية في دول أخرى.

ففي البرازيل، سعَت الحكومة إلى تكييف المنهجية الخاصة بحساب الدَين العام لصندوق النقد الدولي مع الظروف المحلية.

وفي الأرجنتين، تم تبني منهجية أكثر قومية لتتبع الارتفاع في الأسعار أثناء المدة من عام 2007 إلى 2015، لقياس التضخم.

وتوفر كل هذه الأحداث توضيحًا مفيدًا لكيفية تلاعب المؤسسات بالإحصائيات في الممارسة العملية، حتى في البيئات ذات القدرة الإحصائية العالية نسبيًّا والاستقلالية بحكم القانون.

لا توجد أرقام “صحيحة” ولا أخرى “خاطئة”

يقول لينسي إن الإحصاءات الاقتصادية عبارة عن تركيبات أكثر غموضًا مما يتصوره معظم الناس، مؤكدًا أن الإجراءات التي يُزعم أن موظفي البنك الدولي اتخذوها بشأن البيانات مرفوضة.

ويضيف الكاتب أن هذه التحركات “كانت تهدف إلى تغيير ترتيب بلدان معينة في التصنيف، وليس لأن هذه الإجراءات حوَّلت بصورة موضوعية أرقامًا “صحيحة” إلى أرقام “خاطئة”.

وخلص الكاتب إلى الدرس المستفاد الأكثر شمولًا، الذي تسلط الواقعة الحالية الضوء عليه هو أنه قد يكون من الصعب اكتشاف التلاعب بالبيانات طالما أننا نحدق في الأرقام الموجودة في العناوين الرئيسة فحسب.

وللمضي قدمًا، يبدو أن ضمان وجود مزيد من الشفافية بشأن التغييرات المنهجية أصبح أمرًا مهمًّا جدًّا لتقليل احتمالية لَيِّ عُنُق الإحصائيات بطرق ملائمة للأغراض السياسية.

بيد أن هذه الواقعة قد تدفعنا أيضًا إلى إعادة تقييم طريقة تفكيرنا في الإحصائيات. وتُعلِّم دورات الإحصاء النموذجية الطلابَ قدرًا كبيرًا بشأن ما يجب فعله باستخدام جدول البيانات.

لكن هذه الدورات، بحسب لينسي، لا تعلمهم شيئًا تقريبًا بشأن كيفية وصول البيانات إلى جدول البيانات هذا في المقام الأول.

وختم الكاتب بالقول: يبدو أن الإدراك الأفضل لسياسات إعداد الإحصائيات لا يقل أهمية عن اكتساب المهارات التقنية، في السعي من أجل تفاعل أكثر أمانة وواقعية مع الأرقام التي نرى العالم من خلالها.

المصدر: واشنطن بوست