بحثًا عن حلم قديم بالزعامة.. “آبي أحمد” يواصل السير في طريق وعرة

القاهرة | جو-برس
من المحتمل جدًا ان يصبح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أهم زعيم إفريقي مستقبلًا لو تمكن من حسم ملفي إقيلم تيغراي وسد النهضة؛ لأنه بذلك سيكون قد حقق ما لم يحققه زعيم إثيوبي على مدار التاريخ.

لكن الضابط السابق، وهو في طريقه نحو الزعامة، التي تنبأت له بها أمه عندما كان طفلًا، يسلك طرقًا شديدة الوعورة قد تفضي به إلى تدمير نفسه وتدمير ما حققته بلاده من إنجازات خلال العقود الماضية.

في يونيو حزيران 2021، نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن محللين وسياسيين غربيين أن آبي أحمد، وهو يحاول سحق خصومه، إنما يقود بلاده نحو الهاوية.

لا يكترث آبي أحمد، الذي أثار تفاؤلًا غربيًا كبيرًا لدى وصوله للسلطة عام 2018، كثيرًا بالانتقادات، كما إنه لا يحب الصحفيين، ومن ثم فهو يواصل محاولاته حسم معركتين مصيريتين في وقت واحد، رغم محدودية إمكانياته.

لم يجر آبي (45 عامًا) مقابلات صحفية كثيرة، لكن نيويورك تايمز نقلت عن أشخاص تعاملوا معه أنه “رجل مسيحي مفعم بالثقة بالنفس”.

في 2019، حصل رئيس الوزراء الإثيوبي وهو ضابط استخبارات سابق، على جائزة نوبل للسلام، وقد رفض الإجابة على أسئلة الصحفيين خلال تسلّمه الجائزة.

ومنذ أواخر 2020، أصبح آبي يواجه تهمًا بارتكاب جرائم حرب وتطهير عرقي ممنهج فضلًا عن عمليات التعذيب والاغتصاب الجماعي.

عشرات الآلاف من التيغراي فروا من جرائم قوات آبي أحمد.

دأب آبي على اتهام خصومه بالسعي لهدم البلاد أو تفكيكها، وهو في ذلك ليس استثناءً من غالبية حكام القارة، التي تعيش أزمة ديمقراطية مزمنة.

كما اعتاد الرجل إنكار كل ما رصدته التقارير المحلية والدولية من انتهاكات وجرائم قالت واشنطن بوست الأمريكية مؤخرًا إنها تحمل التعريف الحرفي لجرائم الحرب المنصوص عليها ميثاق الأمم المتحدة.

الأزمة بدأت من الانتخابات

في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني 2020، شنَّت السلطات الفيدرالية في أديس أبابا بأمر من آبي أحمد،  حملة عسكرية لإسقاط جبهة تحرير شعب تيغراي، بعد الانتخابات التي أجراها الإقليم في سبتمبر أيلول 2020.

وكان آبي أحمد قد أعلن في يونيو حزيران 2020 تأجيل الانتخابات في عموم بحجَّة تفشي فيروس كورونا. وهو ما اعترضت عليه حكومة الإقليم.

ويفرض الدستور الإثيوبي إجراء الانتخابات قبل شهر من انتهاء ولاية رئيس الحكومة، وفي حال تعذر الانتخابات يجري تشكيل حكومة انتقالية لإدارة البلاد، وهو ما رفضه آبي أحمد.

كان مقررًا أن تنتهي ولاية آبي أحمد في أكتوبر تشرين الأول 2020، وقد مثَّل قرار تأجيل الانتخابات وعدم تشكيل حكومة انتقالية خرقًا دستوريًا يحرمه من الترشح مجددًا.

وعندما تمسكت جبهة تحرير تيغراي التي حكمت البلاد 3 عقود كاملة بهذا النص الدستوري، شن آبي أحمد حربًا على الإقليم، وتمكن من السيطرة عليه في غضون أسابيع.

قبيل هذه العملية، خرجت تظاهرات رافضة لتأجيل الانتخابات ما لبثت أن تحولت إلى أحداث عنف بسبب مقتل المغني الشهير هاشالو هونديسا، قتل فيها أكثر من 80 شخصًا واعتقل مئات آخرون.

وكانت عرقية الأورمو التي ينتمي لها رئيس الوزراء في قلب التظاهرات غير أن ذلك لم يمنعه من سحقها.

برر آبي أحمد هجومه بزعم استيلاء قوات الإقليم على قاعدة عسكرية في ميكيلي، عاصمة الإقليم، وهي تهمة نفتها قوات تيغراي.

لاحقًا، أجرى آبي أحمد انتخابات في أغسطس آب 2021، قالت تقارير دولية إنها تفتقر لأدنى مقومات المنافسة، ليبدأ ولاية ثانية تمتد خمس سنوات.

قبيل الانتخابات، سرّبت الصحافة المصرية مقطعًا صوتيًا لرئيس الوزراء الإثيوبي قال فيه إنه سيمكث في الحكم عشر سنوات على الأقل وإنه يفضل الموت على الرحيل.

كما اعتبرت وكالة بلومبيرغ الأميركية أن حسم الانتخابات سيكون التحدي الأقل صعوبة بالنسبة لآبي أحمد، قياسًا بتحدي توحيد البلاد مجددًا.

كل هذه المقدمات تجعل احتمالات تراجع آبي أحمد عن معاركه أمرًا مستبعدًا، ما يعني أنه سيمضي في الطريق إلى نهايته.

إبادة التيغراي

في فبراير شباط من العام الجاري، زار ليبكا هافيستو، مبعوث الاتحاد الأوروبي، العاصمة الإثيوبية وبحث مع قادتها الحرب الدائرة ضد إقليم تيغراي، شمالي البلاد.

وبحسب نيويورك تايمز الأمريكية، فقد أبلغ هافيستو البرلمان الأوروبي، منتصف يونيو حزيران، أن قادة أديس أبابا قالوا له إنهم “سوف يدمرون التيغراي، وسيبيدونهم لـ100 عام قادمة”.

وفي أكتوبر تشرين الأول الجاري، أدّى آبي أحمد اليمين القانونية لولاية جديدة بعد أن فاز حزبه بالأغلبية.

ولاية آبي أحمد الجديدة بدأت يوم الاثنين 4 أكتوبر تشرين الأول

وعقب أدائه اليمين القانوينة، شن آبي أحمد هجومًا موسعًا على مقاتلي تيغراي الذين سيطروا على مناطق بإقليمي عفر وأمهرة، الموالين للعاصمة.

فقد سيطرت مقاتلو تيغراي على عدة مدن في أمهرة وعفر بعدما ألحقوا هزيمة قاسية بقوات الحكومة والميليشيات الداعمة نهاية يونيو حزيران.

هذا الزحف المتواصل من التيغراي داخل عفر وأمهرة يأتي في سياق محاولاتهم عزل العاصمة بشكل كامل، كما نقلت صحيفة “لاكروا” الفرنسية عن محللين في يوليو تموز الماضي.

وخلال يوليو تموز 2021، زحفت قوات تيغراي على عفر وأمهرة المتاخمتين للأقليم والمواليتين لآبي أحمد، وقال قادة الجبهة إن العملية تستهدف ملاحقة مرتزقة موالين لأديس أبابا.

وواصل مقاتلو تيغراي التقدم رغم خسائرهم الكبيرة، وقد امتد القتال إلى الحدود مع إريتريا وجيبوتي، فيما تعهّد آبي أحمد باجتثاثهم من جذورهم ودعا كل قادر على حمل السلاح للانضمام للجيش.

ومطلع نوفمبر تشرين الثاني 2021، قال آبي أحمد إن مقاتلين أجانب يقاتلون جنبًا إلى جنب مع التيغراي، فيما أعلن خصومه أنهم يخططون للزحف نحو العاصمة.

وقال غيتاشو رضا المتحدث باسم التيغراي لرويترز إن مقاتلي الأورمو انضموا للقتال ضد آبي أحمد، وإنهم يخططون للزحف نحو أديس أبابا.

جاء ذلك بعد سيطرة التيغراي على بلدتي ديسي وكومبولتشا الاستراتيجيتين في إقليم أمهرة وطرد قوات الحكومة منهما.

إنشاء دولة أورميا

أواخر يوليو تموز 2021، قالت موقع “ميرجا” المحلي إن آبي أحمد، وعبر هذه الحرب القائمة على تأجيج النزعات العرقية، يسعى لتفكيك البلاد وإنشاء “دولة أوروميا”.

ولفت الموقع إلى أنه قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تكتسب زخمًا من خلال سيطرتها شبه الكاملة على أمهرة وعفار الشمالية، في حرب عرقية لا معنى لها.

وعمَّق آبي أحمد التوترات الداخلية، عندما قرر في 2019 دمج الأحزاب القائمة على أسس عرقية التي شكَّلت تحالف الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الحاكم لتأسيس حزب “الازدهار”.

وعارضت جبهة تحرير شعب تيغراي القرار الذي قالت إنه سيقسم البلاد، ورفضت الانضمام إلى حزب الازدهار.

ولوّحت الجبهة ضمنًا بالانفصال، مستشهدة بمادة في الدستور الفيدرالي تسمح “بالحق غير المشروط في تقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال”.

زعيم جبهة تحرير تيغراي دبرصيون جبرميكائيل.

أهمية تيغراي

منذ الإطاحة بالزعيم الماركسي منغستو هيلا مريام، في عام 1991 وحتى عام 2018 ، كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي هي الشريك الرئيسي في الائتلاف الحاكم، فضلًا عن إدارة إقليم تيغراي نفسه.

ولعبت الجبهة، بوصفها قوة مدربة على حرب العصابات، دورًا محوريًا في الإطاحة بمنغستو، وواصلت هيمنتها، ليس على سياسة البلاد فحسب، بل وعلى اقتصادها أيضًا.

ويمثل خلاف الجبهة مع آبي أحمد تصدُّعًا عميقًا في قلب السلطة في البلاد. فقد خدم معظم زعماء تيغراي الإقليميين، بمن فيهم دبرصيون، في الحكومة المركزية لفترات طويلة.

ودبرصيون، مقاتل مخضرم، كان في وقت من الأوقات نائبًا لرئيس الوزراء. كما شغل رفاقه ومستشاروه مناصب رئيسية في البلاد حتى وصول آبي أحمد إلى السلطة.

وقد أثبت دبرصيون صحّة ما يقال عنه، عندما باغتت قواته القوات الحكومية بعد 8 شهور من الهزيمة وألحقت بها هزيمة ساحقة في غضون ساعات، كما قالت نيويورك تايمز في يوليو تموز 2021.

في السابع والعشرين من فبراير شباط الماضي، قالت صحيفة نيويورك تايمز إنها اطلعت على تقرير سري للحكومة الأميركية يقول إن مسؤولين في الحكومة الإثيوبية ومقاتلين من مليشيات متحالفة معهم يقودون حملة تطهير عرقي ممنهجة في الإقليم.

وفي الشهر نفسه، وثَّقت منظمة العفو الدولية قيام قوات إريترية تدعم آبي أحمد جريمة حرب راح ضحيتها مئات المدنيين في مدينة كيسمايو بإقليم يتغراي.

واتهم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين، في مارس آذار 2021، الحكومة الإثيوبية بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وطالبها بالسماح بفتح تحقيق دولي.

رفضت أديس أبابا طلب بلينكن واعتبرته تدخلًا في شأن سيادي، نافية ما يوجه من اتهامات.

لاحقًا، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين في أديس أبابا وأسمرا، قالت إنهم متورطين في عمليات وحشية ضد المدنيين، لكن الموقف الأمريكي ظل ممسكًا بالعصا من المنتصف.

وقد طالب الصحفي الإثيوبي ماوي أسيدوم عبر مقال نشره في واشنطن هذا الشهر الإدارة الأمريكية بإدانة آبي أحمد رسميًا بارتكاب جرائم حرب، قائلًا إنه ارتكب ما نصت عليه الأمم المتحدة حرفيًا في تعريفها لهذه الجرائم.

لكن واشنطن، ما تزال تبقي على من تعتبره حليفًا قويًا لها في القارة السمراء، وتكتفي بالإدانة وفرض عقوبات واتخاذ مواقف لا تدفع آبي نحو مراجعة حساباته جديًا.

دعم صيني روسي

في 5 مارس آذار 2021، حال الفيتو الروسي والصيني، دون إصدار مجلس الأمن الدولي قرارًا بشأن عمليات التطهير العرقي التي تقوم بها قوات آبي أحمد ضد المدنيين في تيغراي.

هذه الخطوة، كشفت أن آبي أحمد الذي رفض الوساطة الأميركية العام الماضي إنما يستند على على شي جين بينغ وفلاديمير بوتين، كما فعل بشار الأسد في سوريا.

ثمة من يقول إن آبي أحمد يسعى لتحقيق حلم مشروع “إثيوبيا الكبيرة”، وهو مشروع طائفي يحظى بمباركة دول غربية، ويهدف لإضعاف دول القارة والسيطرة على مصيرها، عبر المياه.

في الوقت الراهن لا يجد آبي أحمد، من يوقفه عن محاولة اجتثاث التيغراي التي تعهد بها، سوى مقاومة التيغراي أنفسهم، بعدما تم طرد حتى مسؤولي الإغاثة الأمميين على مرأى العالم.

لقد كرر آبي أحمد ما فعلته زعيمة ميانمار المعزولة أونغ سان سو تشي، الحاصلة على نوبل للسلام سنة 1991، عندما دافعت عن جرائم جيشها ضد أقلية الروهينغا المسلمة عام 2017، قبل أن يطيح بها الجيش في 2021.

أكثر من 80 مدنيًا قتلوا في احتجاجات العام الماضي.

أهداف جبهة تحرير تيغراي

كانت إدارة تيغراي ترى أن إصلاحات آبي أحمد السياسية محاولة لبناء نظام حكومي موحد يدمر النسق الفيدرالي الحالي.

كما كان التيغراي مستائين من “الصداقة غير المبدئية” بين آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، العدو القديم لإثيوبيا.

وقبل اندلاع الحرب، اعتبرت جبهة تحرير تيغراي أن الحكومة الفيدرالية تتغاضى عن مصالح الإقليم، وحاولت أن يكون لها رأي أكبر في العلاقات المستقبلية مع إريتريا، دون جدوى.

في المقابل، كان آبي أحمد يعتقد أن مسؤولي جبهة تيغراي يقوِّضون سلطته.

وثمَّة خلاف قديم بين جبهة تحرير تيغراي وحكومة إريتريا، التي لها حدود طويلة مشتركة مع الإقليم.

وقد بدأت الحرب بين إثيوبيا وإريتريا بين عامي 1998-2000 بسبب نزاع حول الأراضي الواقعة على طول تلك الحدود، ولا سيما المنطقة المحيطة ببلدة بادمي.

ولا يزال وضع هذه البلدة معلقًا بدون حل، إذ تريد إريتريا من إثيوبيا الالتزام بقرار لجنة الحدود، المدعومة من الأمم المتحدة، بتسليم المدينة إليها.

لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق من دون تعاون حكومة الإقليم، التي تدير هذه المنطقة.

وبعد الحرب، اتهم زعيم تيغراي، دبرصيون، القوات الإريترية بالقتال إلى جانب القوات الإثيوبية ضد تيغراي.

وقد نفت كل من إثيوبيا وإريتريا ذلك. لكن آبي أحمد اعترف في فبراير شباط 2021 بوجود قوات إريترية وتعهد بإخراجها من البلاد وهو لم يتحقق بعد.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي (على اليسار) مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في عام 2018

احتمال الحرب الشاملة

سبق أن قال زعيم إقليم تيغراي إن قواته مستعدة للقتال للدفاع عن المنطقة التي ستكون “مكانًا لدفن الرجعيين”، داعيًا أهالي الإقليم إلى تفهم الوضع واتخاذ جميع الاستعدادات اللازمة.

وقال دبرصيون قبل المواجهة العسكرية: “لقد قمنا بإعداد جيشنا وميليشياتنا وقواتنا الخاصة. وتهدف استعداداتنا إلى تجنب الحرب، لكن إذا أردنا القتال، فنحن جاهزون للفوز”.

وأصدرت حكومة آبي أحمد مذكرات توقيف بحق قادة جبهة التحرير الشعبية لتحرير تيغراي، وعيّنت قائدًا جديدًا للمنطقة، متوقعة أن الحرب ستنتهي سريعًا.

وثمَّة قلق من أن الصراع في إقليم تيغراي، الذي يمثل حوالي 6 بالمئة من سكان إثيوبيا البالغ عددهم نحو 110 ملايين نسمة، قد يؤدي إلى تفاقم التوتر في بقية أجزاء هذا البلد المنقسم عرقيًّا.

اليوم، يخوض آبي أحمد نفس الحرب القديمة  لأسباب سياسية وعرقية بحتة، وهي نفسها الأسباب التي تدفعه للمضي قدمًا في محاولة السيطرة على مياه النيل.

رئيس جنوب أفريقيا لم يحدث أي اختراق للأزمة خلال رئاسته للاتحاد الأفريقي.

معركة سد النهضة

عندما قرر الرئيس المصري الراحل أنور السادات عقد اتفاقية سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي إبان حرب أكتوبر تشرين الأول 1973، قال إن مصر لن تخوض حربًا أخرى بعد هذه الحرب، إلا من أجل المياه.

وفي العام 2016، قال السياسي السوداني الراحل الصادق المهدي إن رئيس وزراء إثيوبيا الراحل مليس زيناوي، طلب منه سنة 1998، الجلوس مع القاهرة والخرطوم، للحديث بشأن مياه النيل.

وقال المهدي إن زيناوي أبلغه بأنه إذا واصل بلدا المصب تجاهلهما للمطلب الإثيوبي فإن الإثيوبيين سيتصرفون يومًا ما بشكل منفرد في هذا الملف.

المهدي قال أيضًا إنه أبلغ الرئيس المصري الراحل حسني مبارك بما قاله زيناوي، فرد عليه بأنه (مبارك)، سيقطع أي يد تمتد لمياه النيل.

لكن مياه كثيرة جرت تحت الجسر خلال العقد الماضي، وبدأت خارطة القوى والمصالح يعاد تشكيلها، وفق واقع جديد ووقائع مختلفة.

حاليًا، وصلت الأمور إلى أن أصبح الإثيوبيين يرفضون الالتزام بضمان حقوق مصر والسودان التاريخية في المياه، وقد أوشكوا على إنهاء بناء سدِّهم.

مشروع السد بالنسبة لآبي أحمد هو الآلية التي يحاول من خلالها حشد الجماهير في بلد أفقرته الحروب الإثنية التي استمرت عقودًا؛ وما تزال.

فقد كان الساسة الإثيوبيين وما زالوا يعتقدون أن من سيبني السد، سيحكم للأبد.

هذا السد من وجهة نظر آبي أحمد لا يمثل فقط انتصارًا اقتصاديًا لبلد ما يزال نصف سكانه دون كهرباء وحسب، لكنه أيضًا يمثل انتصارًا سياسيًا تاريخيًا لرجل يسعى للبقاء في الحكم طويلًا في مواجهة معارضة داخلية.

إثيوبيا تعتزم تعبئة السد للمرة الثانية في يوليو تموز المقبل.

تنوي إثيوبيا تعميم الربط بالكهرباء بحلول 2025، وهو حديث يراود عشرات ملايين القرويين الغارقين في الظلام هناك منذ عشرات السنين.

لذا، فقد ظل السد هو المشروع القومي الذي يجمع به كل رئيس وزراء الجماهير حوله.

في المقابل، تقول مصر إن المشروع بالطريقة التي تريدها إثيوبيا سيأتي على نسبة تتراوح ما بين 25 إلى 40 بالمئة من حصتها السنوية التي حددتها اتفاقيتا 1929 و1959 بـ55.5 مليار متر مكعب.

في الوقت الراهن، وقبل تراجع حصتها، تعيش مصر حالة فقر مائي، بحسب مسؤولين حكوميين وخبراء.

ومع هذا التناقض الشديد في المصالح، فإن عدم وجود اتفاق يعزز احتمالية وقوع حرب من أجل المياه.

بعد حديث الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن إمكانية تفجير مصر للسد، قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، إنه لا توجد قوة على وجه الأرض يمكنها منع بناء السد، بعد اليوم.

خلال الشهور القليلة الماضية، عززت مصر علاقاتها العسكرية مع السودان دول إفريقية أخرى في حين ذهب آبي أحمد إلى تقوية علاقاته مع تركيا.

آبي أحمد وأوفرقي زارا سلفاكير تزامنًا مع وجود السيسي في الخرطوم.

ومؤخرًا، قالت وكالة رويتزر إن القاهرة طلبت من الغرب التدخل لدى أنقرة لوقف تصدير طائرات مسيّرة لأديس أبابا.

وبينما تراجعت الأحاديث عن احتمال تصعيد عسكري بشأن السد مؤخرًا، فإن احتمالات التصعيد تظل قائمة في أي وقت.

بيد أن الانتصارات التي تحققها جبهة تيغراي في الداخل قد تجعل من الصعب على آبي أحمد خوض معركة ضد مصر والسودان في الوقت الراهن على الأقل.

يمكن القول إذن إن قدرة آبي أحمد على مواصلة معركة سد النهضة باتت مرهونة بنتائج الحرب الدائرة حاليًا بينه وبين التيغراي، وهي حرب لن تنتهي قريبًا على ما يبدو.