الكويت تمضي نحو الهدنة.. أمير البلاد يأمر بوضع ضوابط العفو المرتقب

الكويت | جو-برس

كلّف أمير الكويت الشيخ نواف الأحمد الصباح يوم الأربعاء بوضع ضوابط العفو المرتقب عن بعض المعارضين السياسيين المتواجدين في الخارج.

وتأتي الخطوة في إطار محاولات تهدئة الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد والتي أثرت سلبًا على عمل الحكومة والبرلمان.

وكان إصدار العفو عن نواب كويتيين يعيشون في تركيا حاليًا، بعد صدور أحكام بسجنهم في قضية “اقتحام مجلس الأمة”، طلبًا أساسيًا لنواب المعارضة.

وخلال الشهور الماضية، دخل البرلمان الجديد الذي انتخب نهاية العام الماضي سجالًا كبيرًا مع حكومة صباح الخالد التي تقدمت باستقالتها، قبل أن يعيد أمير البلاد تكليف صباح الخالد بتشكيلها مجددًا.

وأدى الخلاف إلى شلل تشريعي وحال دون تمرير قوانين تقول الحكومة إنها مصيرية لإنقاذ الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلد الغني.

وأعلن وزير شؤون الديوان الأميري أن أمير البلاد كلّف رئيس مجلس الأمة (البرلمان) ورئيس الوزراء ورئيس المجلس الأعلى للقضاء باقتراح ضوابط وشروط العفو المرتقب.

ولم يذكر البيان أي تفاصيل عن أولئك الذين سيشملهم العفو. لكنه قال إن القرار جاء تلبية لمناشدة وجهها نحو 40 نائبًا لأمير البلاد.

وأكد النواب حرصهم على التعاون مع الحكومة وتحقيق الاستقرار، بحسب بيان الديوان الأميري.

وقرر الشيخ نواف الأحمد استخدام حقه الذي نصّت عليه المادة الـ75 من الدستور، التي تسمح بالعفو عن العقوبة أو تخفيضها، وذلك تلبية لمناشدة النواب.

مواجهة محتدمة

تسببت المواجهة بين الحكومة والبرلمان الذي تم انتخابه في ديسمبر كانون الأول الماضي في شل العمل التشريعي، وأعاقت جهود تعزيز الحالة المالية للدولة.

كما عطل سن قانون الدين العام الذي تعتبره الحكومة أولوية والذي من شأنه أن يسمح لها بالاستدانة من الأسواق العالمية.

ولا تسمح الكويت بتكوين أحزاب سياسية، لكنها الدولة الخليجية الوحيدة التي تمنح سلطات كبيرة للبرلمان المنتخب.

ويمكن للنواب تعطيل القوانين واستجواب الوزراء ورئيس الوزراء، رغم أن الأمير له الكلمة الأخيرة في شؤون الدولة.

وأدى الجمود السياسي الذي نتج عن الصراع المحتدم بين الحكومة والبرلمان إلى تعطيل جهود الإصلاح الاقتصادي.

وزادت المواجهة بعد سيطرة المعارضة على أكثر من ثلثي البرلمان الجديد، رغم أن الكويت لا تستخدم مصطلح المعارضة السياسية.

واتهمت كتلة كبيرة من النواب الحكومة بعدم الجدية في مكافحة الفساد والتستر على الفاسدين، وطالبوها باسترداد الأموال المنهوبة بدلًا من السعي للاستدانة.

وحاول النواب عزل رئيس المجلس مرزوق الغانم، المحسوب على الحكومة، والذي شكك نواب كثيرون في طريقة انتخابه رئيسًا.

وقال نواب إن ما وصفوه بـ”الثلاثاء الأسود“، شهد تدخلًا حكوميًا فاضحًا في وصول الغانم لرئاسة البرلمان.

ووصل الأمر إلى وقوع اشتباكات بالأيدي بين معارضي الحكومة ومؤيديها من النواب خلال جلسة إقرار الموازنة التي جرت في يونيو حزيران الماضي.

لكن أمير البلاد دعا مؤخرًا كافة الأطراف لحوار وطني بغية إنهاء الأزمة وتسيير مصالح الدولة والحفاظ على استقرارها.

ويوم الثلاثاء، تلا النائب المعارض عبيد الوسمي يوم الثلاثاء نيابة عن زملائه في البرلمان.

وقال الوسمي إن خطوة العفو “ستؤدي إلى استقرار سياسي دائم وقواعد سياسية جديدة وتعاون بناء بين الأطراف كافة في البرلمان وخارجه لفتح صفحة بيضاء لكويت جديدة”.

ومن بين المعارضين الموجودين حاليًا في منفى اختياري، نواب سابقون شاركوا في اقتحام البرلمان عام 2011.

وجاء الاقتحام بسبب مزاعم بالكسب غير المشروع وسوء الإدارة الحكومية بالإضافة إلى كويتيين آخرين انتقدوا بشكل علني أمير الكويت أو حكامُا خليجيين آخرين وهي تهم يعاقب عليها بالسجن.

ويوم الاثنين أصدر وزير الداخلية الكويتي ثامر العلي يوم الاثنين قرارًا بتشكيل لجنة لوضع قواعد عفو أميري مرتقب برئاسة المحام العام للبلاد المستشار محمد الدعيج.

وكانت صحيفة “الراي” المحلية قالت يوم الجمعة الماضية إن المرحلة الأولى من “اجتماع الحوار الوطني”، أفضت إلى توافق حول العفو والمصالحة الوطنية.

ومن المتوقع أن يشمل العفو أيضًا بعض المغردين وأصحاب الرأي، وذلك قبل أن يفتتح مجلس الأمة دور الانعقاد الثاني، يوم 26 أكتوبر تشرين الأول الجاري.

واتسم دور الانعقاد الأول بتصاعد التوتر بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

احتجاج رمزي ونصائح

وفي مشهد نادر، تجمع عشرات الكويتيين في 19 يونيو حزيران 2021 في الساحة المواجهة لمجلس الأمة (البرلمان).

وطالب المحتجون بالعفو الشامل والسماح بعودة النشطاء والنواب السابقين الذين يعيشون خارج البلاد، هربًا من الملاحقة.

وقانون “العفو الشامل” هو واحد من الخلافات السياسية القائمة في الكويت منذ عهد الأمير الراحل صباح الأحمد، الذي رفض مرارًا إصدار القانون.

وثيقة الكويت

وعندما كان أمير البلاد الحالي نواف الأحمد وليًا للعهد وقائمًا ببعض مهام الأمير الراحل، التقى شخصيات سياسية بارزة وتسلم ما عرفت بـ”وثيقة الكويت”.

وتعتبر الوثيقة التي قدمها النائبان السابقان في مجلس الأمة، عبد الله النفيسي، وعبيد الوسمي (دخل المجلس مؤخرًا)، مبادرة إصلاح سياسي واقتصادي.

وتضمنت الوثيقة خمسة محاور مهمة، تدور حول “المصالحة الوطنية، والعفو الشامل، وبداية عهد سياسي جديد، مع وضع حلول اقتصادية وسياسية”.

وتطرقت الوثيقة إلى تجارب سابقة لما وصفتها بـ”المحاولات المستترة للانقضاض على الدستور وتفريغه من محتواه”.

وقالت إن هذه المحاولات “أدت إلى إضعاف الرقابة الشعبية وتعطيل فاعلية المؤسسات”، وفق ما نقلته وسائل إعلام كويتية.

ودعت الوثيقة لمحاربة الفساد والقضاء على رموزه، وإجراء إصلاحات حقيقية، وضرورة تشكيل حكومة إنقاذ وطني ذات صلاحيات واسعة، تعمل وفق جدول زمني محدد على إيجاد بدائل لهيكلة مؤسسات الدولة.

وشهد العام الماضي كشف عدد من قضايا الفساد الكبيرة التي تورط بها مسؤولون كبار.

وتم حبس رئيس الوزراء السابق جابر المبارك الصباح، احتياطيًا على خلفية قضية “صندوق الجيش”، لكنه وضع في أحد المشافي.

دعم الحرية ومحاربة الفساد

وقبيل توليه السلطة رسميًا، أكد أمير الكويت عزمه على محاربة الفاسدين و”أشباح الفتنة”، ودعا للتمسك بالحرية التي كفلها الدستور، دون إخلال بالقانون.

وقد شددت الوثيقة التي قدّمت للأمير على ضرورة التوافق الوطني على نظام انتخابي انتقالي يعكس التمثيل الشعبي الحقيقي وسلامة العملية.

ودعت أيضًا إلى منع التأثير أو التدخل في خيارات الشعب، وإعادة تشكيل السلطة القضائية ومؤسساتها العاملة وأجهزتها، والسعي إلى المحافظة على استقرار المجتمع والدولة.

وتمتلك الكويت برلمانًا هو الأقوى في المنطقة، كما إنها تمتلك واحدًا من أفضل الدساتير، ومع ذلك قدمت الوثيقة مطالبات حول القوانين المرئية، والمسموعة، والخاصة بالإعلام الإلكتروني.

وسبق أن تقدم عدد من النواب للأمير الراحل بطلب للعفو الشامل عن نواب يعيشون في الخارج بعد إدانتهم بتهمة الإساءة للأمير، وناشدوه فتح صفحة جديدة معهم، لكنه لم يستجب.

وخلال الحملة الانتخابية الأخيرة، تعهد عدد كبير من النواب بـ”رفع الظلم” عن هؤلاء المعارضين.

وسافر معظم هؤلاء المعارضين إلى تركيا أو بلدان أخرى، لكن عددًا منهم رجعوا إلى الكويت ونفذوا “شروطًا” وضعتها الحكومة.

وشملت الشروط تسليم أنفسهم للسطات وقضاء جزء من عقوبة السجن وتقديم اعتذار مكتوب لأمير البلاد الراحل الشيخ صباح الأحمد.

وأصدر الأمير الراحل عفوًا خاصًا عمن استجاب لهذه الشروط ومن بينهم النائبان السابقان وليد الطبطبائي وفهد الخنة.

وفي تصريح سابق لوكالة رويترز قال الصيفي مبارك “إذا وقفت الحكومة ضد العفو الشامل ولم يصدر العفو سيكون الأمر محل خلاف بين الجانبين وقد يفسد العلاقة بين الحكومة ومجلس الأمة”.

كما نقلت رويترز عن مصادر أن الغالبية العظمى من هؤلاء المدانين ليس لديهم مانع من الرجوع إلى البلاد وتسليم أنفسهم للسلطات وقضاء فترة من العقوبة، وتقديم اعتذار شفهي أو مكتوب.

لكن هذه المصادر قالت إن “صيغة الاعتذار” المطروحة عليهم غير مرضية لهم حتى الآن.

ومن بين المحكومين النائبان جمعان الحربش ومسلم البراك.

وقال مصدران منهم إن محاولات سابقة جرت من أجل “تخفيف” صيغة الاعتذار لكنها لم تكلل بالنجاح.

وقال مصدر ثالث إن حالة من التفاؤل سادت أوساط المعارضة بعد تولية أمير الكويت الجديد بإمكانية تخفيف صيغة الاعتذار وطي الملف، لكن الوضع بقي على ما هو عليه حتى الآن.

وبعد ساعات من إعلان نتيجة الانتخابات الأخيرة، اتفق 37 نائبًا على عدد من الأولويات جاء في مقدمتها إقرار قانون العفو الشامل.

وبعدها بأيام تقدم خمسة نواب بأول اقتراح بقانون في مجلس الأمة الحالي يتعلق بالعفو الشامل عن هؤلاء.

عفو متعثر

ويعطي الدستور أمير البلاد الحق في إصدار مرسوم بالعفو عن العقوبة أو تخفيفها، كما يعطي البرلمان سلطة إصدار العفو الشامل عن الجرائم المقترفة.

ويمنح العفو الشامل الصادر من البرلمان المدانين إعفاء من العقوبة والآثار المترتبة عليها بما يسمح لهم بخوض الانتخابات مرة أخرى بينما لا يسمح لهم العفو الخاص بذلك.

في فبراير شباط من هذا العام التقى رئيس الوزراء عددًا من النواب. وقالت صحف محلية آنذاك إن قضية العفو كانت حاضرة في الاجتماعات.

وقالت الصحف المحلية إن قضية “العفو” قد تجد طريقها للحل في الفترة المقبلة. وتوقعت جريدة “الجريدة” أن يصدر عفو خاص من أمير البلاد يتزامن مع الأعياد الوطنية.

وبعد تكليف رئيس الوزراء بتشكيل الحكومة أعلن النائب مساعد العارضي تقديم استجواب جديد له لأنه “لم يتعاون في ملف العفو”.

وقال النائب إن “غير القادر على التصالح مع شعبه لا يستحق أن يدير حكومة”.

خلية العبدلي

في المقابل يطرح نواب آخرون قضية خلية العبدلي التي أدين فيها إيراني وعدد من الكويتيين، جميعهم شيعة، بالتجسس لصالح إيران وحزب الله اللبناني.

وعثرت السلطات الكويتية بحوزة المتهمين في القضية على أسلحة ومتفجرات في مداهمة استهدفت الخلية في 2015 وهو ما تسبب في تصعيد توترات طائفية في حينها.

وقال النائب عدنان عبدالصمد في تصريح صحفي عقب لقاء رئيس الوزراء في فبراير شباط الماضي “إذا كان هناك عفو شامل أو مصالحة فيجب أن تشمل الجميع بمن فيهم أعضاء خلية العبدلي”.

وأضاف “هؤلاء قضيتهم حيازة سلاح.. وهم لم يرتكبوا أي سلوك عدائي بهذه الأسلحة”.

وتقدم الدكتور هشام الصالح عضو اللجنة التشريعية بالبرلمان باقتراح بقانون بالعفو الشامل عن جميع الجرائم الجنائية والجنح والأفعال المجرمة قبل 31 ديسمبر كانون الأول 2020.

واستثنى المقترح من ارتكب جريمة تستحق عقوبة مغلظة كالقتل والاعتداء على المال العام وغسيل الأموال وجرائم أمن الدولة وغيرها.

وقال الصالح إن اقتراحه يشمل العفو عن النواب المعارضين والناشطين الموجودين في تركيا وكذلك المدانين في قضية خلية العبدلي، والمدانين بسبب الإساءة لدول أخرى.

وفي مارس آذار، رفض المجلس من حيث المبدأ تقرير اللجنة التشريعية والقانونية البرلمانية أربعة اقتراحات بقوانين بشأن العفو الشامل.

وفي كثير من الأحيان يفرق النواب بين قضية المعارضين الموجودين في تركيا التي يدرجونها ضمن حرية التظاهر والرأي والتعبير وقضية خلية العبدلي التي يعتبرونها تمس الأمن الوطني للبلاد.

وقال الصالح “من الناحية النظرية هذا الكلام صحيح. لكن الحكم (على خلية العبدلي) قائم على التحريات وهناك ملاحظات لدينا على هذه التحريات. ومن هذا الباب ندعو إلى العفو (عنهم)”.

وأضاف “أنا مع العفو الشامل العام الذي يشمل الجميع.. حتى المدانين في الجرائم الجنائية.. لنشر التسامح وتخفيف الأعباء عن السجون”.

رسالة الدويلة

وفي 20 يونيو حزيران 2021، وجه ناصر الدويلة، النائب السابق بالبرلمان الكويتي، رسالة إلى الأسرة الحاكمة، داعيًا إلى عدم التفريط في شعبية الحكم بسبب من وصفهم بـ”بطانة السوء”، ومؤكدًا أن الشعب الكويتي متمسك بدستوره ونظامه البرلماني.

وقال الدويلة، الذي غادر الكويت إلى تركيا في مارس آذار الماضي هربًا من كثرة الملاحقات القضائية، إن هناك أنباء تواترت بشأن اجتماع هام لأسرة الصباح (الحاكمة).

وأضاف الدويلة، في سلسلة تغريدات عبر حسابه على تويتر: “رسالتي إلى أسرة الصباح الكريمة: اليوم لا أحد في الكويت ينازعكم الحكم. فلا تستمعوا لمن ينادي بالمساس بحقوق الشعب ودستوره ومجلسه المنتخب واتقوا الله في شعبكم”، على حد تعبيره.

وقال إن “الشعب الكويتي وفيًا لنظامه متمسكًا بصلاحيات الأمير ونظام الوراثة، راضيًا بامتيازات الأسرة المعنوية والمادية.

لكنه شدد على أن الشعب يتمسك بكل قوة وبما لا نقاش فيه بدستوره ونظامه البرلماني، ولن يقبل من أي سلطة أن تستبد بالأمر خلاف الدستور والعهد بيننا سيادة الأمة”.

ورأى الدويلة أن ما وصفها بـ”الدولة العميقة” قد “عاثت في الكويت فسادًا”، وقال إنها “جعلت الانقضاض على الدستور غاية لن تحيد عنها”.

وفي 19 يونيو حزيران 2021، قال الدويلة إن “الكويت تمر بأخطر أزمة في تاريخها تهدد مستقبل التوافق الذي هو سر قوة نظام الحكم وأصله”.