ضحايا الغارات الجوية.. جرائم أميركية يصعب إثباتها

يوسف حسني - القاهرة

قال مسؤولون أميركيون هذا الشهر إن الجيش الأميركي قتل مدنيين في سوريا، مشيرين إلى أنه فرض تعتيمًا على الواقعة طوال العامين الماضيين.

وقُتل هؤلاء المدنيين في غارات جوية نفذها الجيش الأميركي خلال الأيام الأخيرة من الحرب ضد تنظيم الدولة، لكنه لم يكشف عن أفعاله طوال عامين.

وسقط هؤلاء في غارات نُفذت في الباغوز على طول الحدود السورية العراقية في 18 مارس آذار 2019.

وفرض الجيش الأميركي حالة تعتيم كبيرة على الواقعة حتى فجّرتها نيويورك تايمز يوم السبت 13 نوفمبر تشرين الثاني 2021.

وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، يوم الاثنين 15 نوفمبر تشرين الثاني 2021 إن الوزير لويد أوستن، طلب تفاصيل الهجوم من القيادة المركزية.

لكن الوزارة أشارت إلى أوستن لم يطلب من الجنرال كينيث ماكينزي قائد القيادة المركز تدقيقًا في التحقيقات الخاصة بالعملية.

الضربة استهدفت الباغوز على الحدود السورية العراقية في 18 مارس آذار 2019

ضربة غير شرعية

بعض المسؤولين الأميركيين قالوا لنيويورك تايمز إن شكوكًا تدور حول شرعية الضربة وما إذا كانت تشكل “جريمة حرب” أم لا.

وتحدث المسؤولون، وبعضهم من العسكريين، أيضًا عما إذا كان هناك تعمد للتعتيم على هذه الضربة. وقالوا إن التقارير بشأنها كانت “متأخرة وعقيمة وسرية”.

أحد المسؤولين قال إن الوحدات المشاركة في العملية، أبلغت بسرعة عن احتمال وقوع خسائر في صفوف المدنيين.

ولأسباب لا تزال غير واضحة فإن القيادة المركزية المشرفة على العملية لم تكشف أي تفاصيل عن الحادث، كما يقول المتحدث.

المتحدث باسم البنتاغون جون كيربي، قال يوم الأحد 14 نوفمبر تشرين الثاني 2021 إن الوزارة والوزير أوستن يأخذان على محمل الجد “الالتزام بتجنب إلحاق الأذى بالمدنيين” خلال العمليات العسكرية.

لكن صحيفة واشنطن بوست التي تلقت رد كيربي، قالت إنه لم يشر إلى إجراء أو قرار مستقبلي بشأن العملية.

ما ركّز عليه كيربي هو أن أوستن “يركز على التأكد من أننا نفعل كل ما في وسعنا لمنع هذه النتائج المأساوية وأن نكون قريبين قدر المستطاع بشأنها”.

في المقابل، دافعت القيادة المركزية الأميركية يوم الأحد عن العملية، وقالت إنها كانت “دفاعًا مشروعًا عن النفس”.

وقالت الوزارة أيضًا إنها اتخذت “خطوات ملائمة” لاستبعاد فرضية وجود مدنيين (في مرمى الضربة).

وقال النقيب البحري الأميركي بيل أوربان، الذي شارك في التحقيقات، إن الولايات المتحدة أقرّت مقتل ما لا يقل عن أربعة مدنيين في الغارة.

ولم يتمكن الجيش الأميركي من تحديد مصير أكثر من 60 ضحية بشكل قاطع، بحسب أروبان.

ويعتقد الأميركيون أن غالبية القتلى كانوا من المقاتلين، بما فيهم نساء وأطفال، لكنهم يرجحون أيضًا وجود مزيد من الضحايا غير المسلحين.

في الأخير، قال أروبان إن الأدلة المتوفرة تؤكد أنه لا يوجد ما يستوجب معاقبة أحد على هذه الواقعة.

الولايات المتحدة وحلفاؤها زادوا اعتمادهم على الضربات الجوية هربًا من المحاسبة

منهجية أميركية

بغض النظر عن موقف الجيش الأميركي من هذه الجريمة المتكررة، إلا أنها تؤكد منهجية أميركية ممتدة في إنكار قتل المدنيين خلال عمليات عسكرية.

موقع “إنترسبت” الأميركي نشر تقريرًا أواخر سبتمبر أيلول 2021 قال فيه الجيش الأميركي قتل العديد من المدنيين في عمليات مماثلة ولم يعترف.

وحتى عندما يعترف الأميركيون بشيء من هذه الجرائم، فإنهم نادرًا ما يعتذرون، وإن فعلوا، فإنهم لا يعوضون ذوي الضحايا.

عندما شن الجيش الأميركي حملته التي اشتهدفت تنظيم الدولة في العراق، طالت ضرباته العديد من المدنيين في مدينة الموصل العراقية، كما يقول إنترسبت”.

نقل الموقع الأميركي عن عدد من سكان الموصل أنهم لا يعرفون المسؤول عن تدمير منازلهم وقتل ذويهم، وأنهم حتى لو عرفوا فليس بوسعهم فعل شيء.

في أغسطس آب 2021، وعندما كانت واشنطن تنهي وجودها العسكري الذي دام عشرين عامًا في أفغانستان، قتلت طائرة أميركية بدون طيار 10 مدنيين في العاصمة كابل، عن طريق الخطأ.

وتحت ضغط الإعلام، أقرّ البنتاغون بالذنب، في حدث نادر، قد يؤدي إلى دفع تعويضات مالية لذوي الضحايا، الذين كان من بينهم سبعة أطفال.

لكن القوانين الأميركية القديمة والمعقدة جدًا، كما يقول “إنترسبت” قد تجعل من المستحيل على الأجانب التقدم بطلب للحصول على تعويض في حال قُتل ذووهم في معركة.

هذه القوانين تعني أن قانون التعويضات الأميركي لا يشمل كافة الوفيات غير المشروعة التي وقعت على يد الأميركيين في الخارج.

في معركة الموصل التي استمرت 4 سنوات، لم تدفع واشنطن دولارًا واحدًا لأي من ذوي الضحايا الذين سقطوا بسبب الضربات الأميركية.

أقصى ما يحصل عليه ضحايا الجيش الأميركي في أي بلد (ضعيف) بالعالم، هو التعويض المعنوي، المتمثل في “تعاطف” الجيش الأميركي دون الاعتراف بالقتل.

وحتى هذا التعويض “المعنوي” نادرًا ما يقبل الأميركيون تقديمه؛ فخلال 2020 لم يسجّل أي نوع من هذا التعويض، بحسب الموقع الأميركي.

حلفاء الولايات المتحدة المنخرطون في عمليات القصف، أيضًا، يتخفون خلف ستار العمليات المشتركة لكي يتنصلوا من جرائمهم.

بل إن المملكة المتحدة ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ مرَّرت قانونًا يحدُّ من المدة الزمنية التي يستطيع فيها المدني المطالبة بحقه.

وكل هذه الأنظمة تجعل من الصعب على المدنيين أن يأملوا في الحصول على أي نوع من العدالة نتيجة فقدهم ذويهم في هذه الغارات.

الطائرات بدلًا من القوات البرية

لقد خفّضت الولايات المتحدة وحلفاؤها قواتهم البرية في مناطق “الحرب على الإرهاب” خلال الفترة الماضية، لصالح تعزيز الضربات الجوية.

هذا الاعتماد على ضربات يصعب تحديد هوية منفذوها يجعل حصول ذوي الضحايا على تعويضات من القَتلة أمرًا صعبًا.

يقول موقع إنترسبت إن هذه التعويضات لا يمكنها تعويض الناس عن أحبائهم الذين فقدوهم، لكنها على الأقل تحمل قدرًا من الاعتراف بالذنب.

على سبيل المثال، نفَّذ التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن 34,781 غارة جوية على العراق وسوريا منذ 2014، وحتى أكتوبر تشرين الثاني الماضي.

وتقدِّر مجموعة مراقبة الهجمات الجوية “إير وورز” (Air wars) أن هذه العمليات قتلت ما بين 8,317 إلى 13,190 مدنيًا بينهم 3,715 حالةً جرى التحقق منها.

اعترف التحالف بمقتل 1,417 مدنيًّا فقط، وأثبت تحقيق أجرته نيويورك تايمز أن شخصًا واحدًا فقط في العراق حصل على تعويض عن مقتل أفراد عائلته.

في المرحلة الأولى من حروب 11 سبتمبر أيلول، دفعت الولايات المتحدة وحلفاؤها تعويضاتٍ وصلت إلى 32 مليون دولار على الأقل للمدنيين الذين تضرروا في العراق وأفغانستان حتى عام 2007.

بينما دفعت المملكة المتحدة أكثر من 20 مليون جنيه إسترليني في صورة تعويضات عن الانتهاكات التي حدثت أثناء الوجود البري البريطاني في العراق من 2003 إلى 2009. 

ولكن مع انخفاض أعداد القوات البرية في هذه المناطق، توقف حتى هذا التدفق المتواضع للتعويضات.

غالبية ذوي الضحايا لا يعرفون من الذي قتل ذويهم من الأساس

قتلى بلا حقوق.. تقريبًأ

يقول موقع إنترسبت إن الطريقة الوحيدة التي يمكن بها المطالبة بالتعويض في الولايات المتحدة تتم بموجب قانون المطالبات الأجنبية.

وضع هذا القانون إبان الحرب العالمية الثانية لتعويض المتضررين من المدنيين لكنه حظر لاحقًا التعويض عن الإصابة أو الوفاة خلال القتال.

ففي العام 2006، قتل جنود أميركيون 3 أطفال (5-16-18 عامًا)، بعدما اطلقوا عليهم قذائف الهاون. لكن واشنطن دفعت 35 ألف دولار لذوي طفل واحد منهم.

عدم وجود قوات على الأرض يعني أن ذوي الضحايا لن يكونوا قادرين على تحديد الطرف الذي سيطالبونه بالتعويض.

البنتاغون الأميركي لديه موقع إلكتروني للإبلاغ عن هذه العمليات لكنه لا يتحدث عن تعويض. وحتى تعويض “التعزية” فهو مجرد “هبة” لا يحق للمتضررين المطالبة بها.

تعويضات التعزية كما يقول موقع إنترسبت ليس تعويضًا بالمعنى القانوني ولا تنطوي على أي اعتراف بالجرم أو الأسف.

وقد أقر الكونغرس عام 2020 مبلغ 3 ملايين دولا لتعويضات التعزية إلا أن البنتاغون لم يقدم منها دولارًا واحدًا حتى أكتوبر تشرين الأول 2021.

كما إن إرشادات البنتاغون الصادرة في 2020 تحصر استخدام هذه “الهبة” في تحسين علاقة القوات بالسكان المدنيين، جون الحديث عن تعويض ذوي الضحايا.

في الأخير، هذا ليس تعويضًا ولكنه رشوة تقدمها القوات الأميركية لمن يتعامل معها ويساعدها على الأرض.