حتى الكتب لم تسلم من الحرب.. دمشق تودّع مكتباتها كما تودّع أبناءها

دمشق | جو-برس

على وقع أزمة اقتصادية متفاقمة، تودّع العاصمة السورية دمشق مكتباتها واحدة بعد الأخرى، فيما تكافح دور نشر عريقة من أجل البقاء على قيد الحياة.

ولطالما كانت دمشق ساحة للثقافة وملقتى للمثقفين لكنها خسرت هذه المكانة في جملة ما خسرته خلال سنوات الحرب العشر الماضية.

موقع “إندبندنت” بالعربية نقل عن عائلة النوري التي تدير حاليًا مكتبتين في دمشق قولها إن مكتبة “النوري” مهددة بالإغلاق.

يقول محمد سالم النوري (71 عامًا)، الذي يدير المكتبة أن ما يسري على مكتبته يسري على بقية مكتبات العاصمة السورية.

ويضيف النوري أن الناس لم تعد تحتمل تفقات القراءة فيما المكتبات عاجزة عن الوفاء بنفقاتها.

نوري: المكتبات عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها (AFB)

تقول العائلة إنها اضطرت قبل ثلاثة أعوام لإغلاق مكتبة “عالم المعرفة” التي أسستها في دمشق قبل عشرين عامًا، مشيرة إلى أن الكتب ما تزال على رفوف المكتبة.

قرار إغلاق “عالم المعرفة” كما تقول العائلة جاء سنوات من متاعب الحرب المستمرة منذ عشر سنوات التي جعلتهم غير قادرين على تحمل إبقاء المكتبة على الحياة.

في سبتمبر أيلول الماضي، خرجت مكتبة “نوبل” العريقة من المشهد الثقافي، لتلحق بمكتبة “اليقظة العربية” التي أسست عام 1939، وأصبحت حاليًا متجرًا لبيع الأحذية.

هناك أيضًا مكتبة ميسلون التي باتت مركز صرافة، إضافة لمكتبات أخرى تهاوت واحدة بعد الأخرى تحت وقع الحرب.

مكتبة دار نوبل أُغبقت في سبتمبر أيلول 2021

أسباب أخرى

وكالة الصحافة الفرنسية نقلت عن سامي حمدان (40 سنة)، وهو من الجيل الثالث الذي تعاقب على إدارة دار ومكتبة اليقظة العربية إن هناك أسبابًا أخرى لاختفاء المكتبات تباعًا.

يقول حمدان إن الكتب الإلكترونية جذبت أجيالًا بأكملها وأبعدتها عن الكتب الورقية.

عندما أغلقت دار اليقظة أبوابها عام 2014، كانت قد طبعت أكثر من 300 كتاب واضطرت إلى تصفية عشرات آلاف النسخ.

لقد أجهزت الحرب، إلى جانب ما سبق، على ما تبقى من مشهد ثقافي كان قد بدأ بالتراجع أساسًا، كما يقول حمدان.

لم تكن سوريا، برأي حمدان، بمنأى عن التحول العالمي نحو الرقمنة، لكن الحرب جعلت الناس غير راغبين في استثمار أموالهم في المكتبات.

ووضع عقد من الحرب نحو 90% من السوريين تحت خط الفقر، بحسب أحدق بيانات الأمم المتحدة.

وبكافح هؤلاء من أجل تأمين قوتهم اليومي واحتياجاتهم الأساسية وسط أزمة خانقة وشح في المواد الأولية وتدهور قيمة العملة المحلية.

وقد انعكست هذه الأمور سلبًا على العديد من القطاعات الإنتاجية ومنها الطباعة.

الحرب وضعت 90 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر

الأمم المتحدة

القراءة باتت ترفًا

يقول خليل حداد، الذي يعمل في مكتبة تأسست سنة 1967، إن دعوة الناس لاقتناء الكتب في مثل هذه الظروف أصبحت نوعًا من الترف.

فالناس تبحث عن الغذاء والدواء والمسكن، كما يقول حداد.

ويواظب حداد (70 عامًا) على الحضور إلى مكان عمله يوميًا، رغم أنه لا يبيع كتابًا في عديد من الأيام.

لكنه يقول إن غلاء الأسعار وارتفاع تكاليف الورق والطباعة، وصعوبات أخرى مثل انقطاع الكهرباء، أدت إلى ارتفاع سعر الكتاب وإحجام الناس عن الشراء.

قبل 6 سنوات، تحولت مكتبة “دار دمشق” الشهيرة التي تأسست عام 1954 إلى مكتبة لبيع القرطاسية، في محاولة للحفاظ عليها.

لكن عامر تنبكجي، ابن مؤسس الدار، يعلّق اليوم لافتة على بابها الخشبي مكتوب عليها”برسم التسليم”، ليعلن بذلك قرب نهاية مسيرة دامت نحو سبعين عامًا.

يقول تنبكجي (39 سنة) إنه بصدد بيع المكتبة، مضيفًا “سأشعر بالحزن إذا ما تحولت إلى أي شيء آخر”.

كغيرها من دور النشر، تراجعت قدرة الدار تدريجيًا على الطباعة، وكذلك لم تعد قدرة على استيراد الكتب من الخارج بسبب انهيار الليرة وعراقيل أفرزتها العقوبات الاقتصادية على سوريا.

وبعدما كان يدخل نحو 800 مطبوعة يوميًا إلى سوريا قبل بدء الحرب، لم عدد المطبوعات حاليًا يتجاوز خمس مطبوعات، بحسبزياد غصن، المدير السابق لمؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة، الرسمية في سوريا.

وزادت تكلفة الورق والطباعة في سوريا خلال العامين الماضيين بنحو 500% في الأقل، فضلًا عن زيادة أجور النقل واليد العاملة التي زادت بأكثر من 100%.

وحرمت جائحة “كوفيد-19” السوريين من متعة قراءة الصحف الورقية اليومية، بموجب قرار أصدرته وزارة الإعلام في مارس آذار 2020، وما زال ساريًا حتى الآن.

من مكتبة كبيرة في شارع رئيس في دمشق إلى قبو صغير، نقلت صاحبة “دار أطلس” سمر حداد، قبل سنوات إرث والدها سمعان حداد، الذي أسس الدار عام 1955.

اعتاد حداد عرض “نفائس الكتب وآخر الإصدارات والترجمات”، أما اليوم، تحاول ابنته مع موظف وحيد بدوام جزئي، دفع عجلة طباعة الكتب وإن بصعوبة.

تحاول حداد أن تحافظ على وتيرة إصدار سبعة كتب سنويًا، مقارنة بأكثر من 25 على الأقل كانت تصدرها قبل الحرب.

تقول حداد “ما لاحظناه في سنوات الحرب هو خسارتنا جزءًا كبيرًا من قرائنا.. سافر كثير منهم”.

على الرغم من ذلك، فإن ما يدفعها إلى المواظبة على العمل هو الحفاظ على إرث والدها.

تقول سمر بنبرة حاسمة “محاولاتنا مستميتة للبقاء، لن أغلق مكتبة دار أطلس”.