أخطر من برنامجها “النووي”.. طائرات إيران المسيّرة قد تقلب المنطقة

القاهرة | جو-برس

فرضت الولايات المتحدة الأميركية مؤخرًا عقوبات على برنامج طهران للطائرات المسيّرة، فيما يقول مسؤولون غربيون إن هذه الطائرات قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط.

وفي التاسع والعشرين من أكتوبر تشرين الأول الماضي، أعلنت واشنطن فرض عقوبات على شخصيات وكيانات تابعة لإيران.

وطالت العقوبات شركتي “كيميا بارت سيفا” و”أوجي برفاز مادو نفار” ومديريهما التنفيذيين.

وربطت الولايات المتحدة الشركتين بجهود إيران لتطوير طائرات مسيّرة “فتاكة” يمكنها شن هجمات على القوات الأمريكية وحلفائها.

وجاءت العقوبات في وقت تشهد فيه مفاوضات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي بين إيران والغرب تعثّرًا دخل شهره الرابع.

ويقول مسؤولون غربيون إن التطور الذي حققته إيران في مجال الطائرات المسيّرة قد يعيد تشكيل المنطقة ويهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.

وذهب الحديث إلى وصف برنامج الطائرات المسيّرة الإيرانية بأنه يفوق برنامجها النووي من حيث الخطورة.

وتمثل العقوبات الأخيرة بحسب صحيفة وول ستريت جورنال خطوة أولى في حملة ضد برنامجي إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة بدقة.

وقالت الخارجية الأميركية إن الطائرات الإيرانية شاركت في الهجوم الذي طال محطات تابعة لشركة أرامكو السعودية عام 2019.

واتهمت واشنطن الشركتين الإيرانيتين المشمولتين بالعقوبات الأخيرة بشراء محركات طائرات مسيّرة ومكونات أخرى لصالح الحرس الثوري، المصنّف إرهابيًا.

وأدرجت وزارة الخزانة الأميركية عميدًا بالحرس الثوري الإيراني ورجلين آخرين ضمن قائمة العقوبات.

وقالت إنهم تورطوا في برنامج الطائرات المسيّرة مع الشركتين، بأمور من بينها شراء قطع غيار من الخارج.

وقال والي أدييمو، نائب وزير الخزانة الأميركي، في بيان إن انتشار المسيّرات الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة “يهدد السلام والاستقرار الدوليين”.

وزارة الخزانة الأميركية: انتشار المسيّرات يهدد أمن واستقرار المنطقة

ليست كافية

ونقلت وول ستريت جورنال عن بهنام بن طالبلو، الزميل البارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ومقرها واشنطن، أن العقوبات “خطوة ضرورية”.

لكن هذه العقوبات “ليست كافية للرد على هجمات الطائرات المسيّرة في العراق وسوريا”، بحسب بن طاليلو.

وقالت كيرستن فونتينيروس، المديرة السابقة للخليج العربي في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، إن “العقوبات قد لا تؤثر على برنامج إيران”.

موضحةً أنه على عكس الصناعة الثقيلة للبرنامج النووي، تعتمد الطائرات بدون طيار غالباً على مكونات تجارية جاهزة يمكن شراؤها عبر الإنترنت ومن الصعب وقف مثل هذه المبيعات بشكل فعال.

ووجد تقرير سري أعدته مؤسسة “C4ADS”، ومقرها واشنطن، لصالح الحكومة البريطانية، أن ثغرات أنظمة الرقابة على الصادرات العالمية تمكّن إيران من شراء مكونات الطائرات.

وقال التقرير إن الشبكات المرتبطة بالحوثيين أيضًا تمكنهم من شراء مكونات رئيسية دون الحاجة إلى المرور عبر إيران.

وندد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده، بالعقوبات الأميركية الأخيرة.

وقال زادة في بيان إنها “استمرار لسياسة الرئيس السابق دونالد ترامب الفاشلة المتمثلة في سياسة الضغط الأقصى”.

وأضاف: “الحكومة التي تتحدث عن العودة إلى الاتفاق النووي ولكنها تتبع خطى ترامب ترسل رسالة مفادها أنها ليست جديرة بالثقة”.

إيران دخلت مجال الطائرات المسيّرة في ثمانينيات القرن الماضي

أخطر من النووي والباليستي

وحذّر مسؤولون عسكريون أميركيون وأوروبيون وإسرائيليون مؤخرًا من أن قدرة إيران على صناعة ونشر الطائرات المسيّرة قد تقلب المعادلة الأمنية بالمنطقة.

وتأتي التحذيرات فيما تعيش المنطقة أجواء حرب بسبب التهديدات الأميركية الإسرائيلية التي لا تتوقف بشأن برنامج إيران النووي وسلوكها في مياه البحر الأحمر.

ويقول العسكريون إن “الدرونز” الإيرانية استخدمت في هجمات قاتلة على ناقلات نفط، وقواعد تستضيف قوات أميركية في العراق.

كما استخدمت هذه الطائرات ضد منشآت نفطية استراتيجية في السعودية، وضد أحياء إسرائيلية. ويُعتقد أيضًا أنها تستخدم في الحرب السورية.

وقد يكون برنامج إيران للطائرات المسيّرة أكثر خطرًا من برنامجها النووي وصورايخها الباليستية الدقيقة، بحسب هؤلاء.

وقالت وول ستريت جورنال إن القيادة الإيرانية أمرت القادة العسكريين بتعزيز ترسانة الطائرات المسيّرة.

ونقلت الصحيفة عن محللين أن إنتاج إيران المحلي من هذه الطائرات نما بشكل ملحوظ بعد هذه الأوامر.

وعادت الصحيفة بالذاكرة إلى ورقة بحثية نشرتها الجامعة الإيرانية للدفاع الوطني في 2018، وكانت تتحدث عن ضرورة تحويل الطائرات المسيّرة إلى أولوية استراتيجية.

واعتبرت الورقة بحسب وول ستريت جورنال، الطائرات المسيّرة وسيلة ناجزة وفعّالة لتعزيز القدرات القتالية للجيش الإيراني.

وقال محللون إن قدرات الضربات الإيرانية الدقيقة ظهرت عام 2019 عندنا هاجمت طائراتها أرامكو السعودية ما أدى لتوقف نصف إنتاج المملكة من الخام.

وتعرضت السعودية مؤخرًا لأكثر من مئة هجوم بصواريخ باليستية وكروز ومسيّرات أطلقها الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن، بحسب المسؤولين الغربيين.

وتتخوف إسرائيل من احتمالية أن يستخدم حزب الله اللبناني، القدرات الإيرانية في ضرب أهداف داخل الأراضي المحتلة.

وقال مسؤولون غربيون إن الطائرات المسيّرة التي استخدمتها حركة حماس خلال حرب مايو أيار الماضي كانت بتقنيات إيرانية.

ولا تخفي طهران حرصها على تطوير برنامجها للطائرات المسيرة.

وقال مسؤول إيراني لموقع “Businesshala” الأميركي إن تطوير سلاح نووي قد يستغرق سنوات بينما الطائرات المسيّرة لا تحتاج سوى بضعة أشهر.

وأعرب المسؤول عن اعتقاده بأن هذه الطائرات “غيّرت ميزان القوى في الشرق”.

مسؤولون غربيون يقولون إن المسيّرات الإيرانية ستغير موازين القوى في المنطقة

كيف تطورت ترسانة “الدرونز” الإيرانية؟

كانت الطائرات المسيرة لسنوات طويلة حكرًا على الجيوش المتقدمة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن في الآونة الأخيرة تمكنت دول بينها تركيا من تحقيق نجاحات كبيرة في تطويرها.

تمكن الأتراك من تصنيع مسيّرات عالية الكفاءة بتكلفة أقل وهو ما شجّع آخرين على المضي قدمًا في هذا الطريق.

وتنتج إيران مسيّراتها بمكونات جاهزة متاحة على نطاق واسع في سوق المسيّرات التجارية المتنامية على الإنترنت، وأحيانًا تنسخ تصميمات طائرات إسرائيلية وأميركية.

دخلت إيران هذا المجال بطائرة “أبابيل” التي التحقت بالخدمة في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت بمثابة سلاح انتحاري ضد القوات العراقية في حرب الخليج الأولى (1980 – 1988).

لاحقًا، طورت إيران طرازين آخرين من نفس الطائرة هما “أبابيل-2” و”أبابيل-3″، وهما يستخدمان في المراقبة والاستطلاع.

مؤخرًا، جرى تعديل “أبابيل-3” لتعمل كطائرة مسلحة بقنابل “قائم-1” دقيقة التوجيه.

و”أبابيل-2T” ذات الذيل المزدوج هي النسخة الأكثر شهرة في المنطقة. وقد ظهرت في اليمن والعراق مؤخرًا.

طوّر الإيرانيون أيضًا طائرات من طراز “مرصاد-1” وزودتها بنحو 110 أرطال من المتفجرات.

كما طوّرت طائرات “قاصف-1″ و”قاصف-2” المزودة برؤوس حربية تقليدية، والتي يستخدمها المتمردون الحوثيون ضد السعودية.

دخلت إيران عالم الطائرات المسيّرة بالطائرة “أبابيل” التي استخدمتها خلال حربها ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي

في عام 2018، كشف الحوثيون عن مسيّرة “صماد-1” للمراقبة، بعدها ظهرت “صماد-2” كطائرة استطلاع انتحارية تحمل رأسًا حربيًا وزنه 40 رطلًا.

كما ظهرت “صماد-3” التي يقال إن لديها نطاق هجوم يصل إلى 932 ميلًا.

وتعتمد هذه الطائرات من طراز “صماد” على العديد من مكونات الطائرات المسيّرة الإيرانية، وتعمل بمحركات ألمانية حصلت عليها إيران عبر شركة يونانية.

واستخدمت طائرات “صماد-3” في الهجوم على منشأة معالجة النفط التابعة لأرامكو السعودية عام 2019.

وتوجد طائرة إيرانية أخرى تدعى “هدهد-1” ويبلغ زمن تحليقها 90 دقيقة فقط، ومداها 30 كيلو مترًا.

ويصعب اكتشاف هذه الطائرة أو إصابتها بالصواريخ الموجهة بالأشعة تحت الحمراء بسبب بصغر مقطعها الراداري، وكمية إشعاعها الحراري.

الطائرات الإيرانية قادرة على ضرب أهداف من مسافات بعيدة وتجنب الدفاعات الجوية

من الصعب كبحها

يقول خبراء غربيون وشرق أوسطيون درسوا حطام الطائرات المسيرة المنسوبة لإيران إنها مصنوعة من مكونات مستوردة ويمكنها ضرب الأهداف بدقة من مسافات طويلة مع تجنب الدفاعات الجوية والرادارات.

وعُثر على طائرات أو حطام طائرات يُعتقد أنها إيرانية في أفغانستان والبحرين والعراق وإسرائيل والسعودية والسودان والإمارات واليمن.

في 28 أكتوبر تشرين الأول الماضي/ كشف تقرير نشره معهد “المجلس الأطلسي”، أن الطائرات المسيرة الإيرانية منخفضة الارتفاع “يصعب كبحها”.

وقال التقرير إن الدفاع الجوي السعودي “يقف عاجزًا عن مواجهة أسراب ضخمة منها والتي تحلق في وقت واحد”.

وأوضح انه لا يوجد العديد من التقنيات الجاهزة القادرة على التعامل مع هذه الطائرات.

هذا الأمر هو ما شجع طهران على زيادة استثماراتها في الطائرات المسيّرة، وفق التقرير.

ويمنح هذا التطور بعدي المدى الإيرانيين طريقة جديدة وفعالة في مواجهة جيرانها والغرب معًا؛ عبر تهديد الممرات المائية وسوق الطاقة العالمي، في أي وقت.

إلى جانب ذلك، تعوّض التكلفة المنخفضة لهذه الطائرات وسهولة تشغيلها الضعف الكبير في سلاح الجو الإيراني التقليدي.

وتعتمد إيران على طائرات من طراز F-14 مستهلكة لأنها تعود إلى سبعينيات القرن الماضي.

ورغم أن تكلفة تصنيع الطائرات المسيرة الإيرانية غير محددة إلا أن “المجلس الأطلسي” يعتقد أنها تمتلك مسيّرات أكثر من دول أخرى مثل روسيا والسعودية.

وتتراوح ميزانية إيران العسكرية ما بين 15 إلى 20 مليار دولار سنويًا، بحسب المجلس الأطلسي.

وتفتقر كافة أو معظم الطائرات الإيرانية المسيرة حتى الحديثة منها لروابط الاتصالات عبر الأقمار الصناعية.

وتسمح روابط الأقمار الصناعية بالتحكم عن بعد لمسافات تزيد عن 100 إلى 200 ميل.

مع ذلك، أعلن سفير إيران في بكين، محمد كيشافارز زاده، مطلع العام الجاري أن الصين ستمنح طهران إمكانية الوصول إلى نظام “بيدو 3”.

ونظام “بيدو-3” هو النسخة الأحدث من نظام الملاحة الصيني عبر الأقمار الصناعية.

ويقول خبراء الأمم المتحدة إن الطائرات المسيرة الإيرانية في العراق واليمن وغزة تستخدم نفس طراز المحرك، “DLE-111″، صيني الصنع.