السودان.. قد لا يكسب “البرهان” كل شيء لكنه لن يخسر كل شيء أيضًا

الخرطوم | جو-برس

يبدو أن الانقلاب الذي نفّذه قائد الجيش السوادني الفريق أول عبد الفتاح البرهان لن ينجح على النحو الذي خُطط له، لكنه لن يفشل أيضًا في تحقيق بعض أهدافه.

لقد أطاح الجنرال البرهان بالحكومة المدنية في توقيت حساس حيث كان من المفترض أن تنتقل السلطة للمدنيين في بشكل كامل خلال الشهر الجاري، لكن السودانيين تصدوا له بقوة.

صحيح أن العسكريين ما زالوا ممسكين بزمام الأمور حتى اللحظة ويمكنهم القيام بمزيد من المغامرات، لكن الموقف الأميركي جعل الأمور أكثر صعوبة.

حاليًا، تقول التسريبات إن الأمور تتجه نحو اتفاق جديد لتقاسم السلطة بين العسكر والمدنيين، وهو ما يعني إطالة أمد الفترة الانتقالية.

وفي حال تم هذا الاتفاق، وهو الأرجح، فإن المدنيين لن يتسلموا السلطة بشكل كامل، ما يعني تأجيل مسألة محاسبة العسكريين المتورطين في قتل المتظاهرين حتى إشعار آخر.

كان البرهان، وما يزال، عازمًا على الوصول للحكم عبر انتخابات تجري تحت إشرافه وبالطريقة التي يريدها، لكن صمود المدنيين وموقف واشنطن عطّلا هذه الخطط ولو مؤقتًا.

لقد حظي البرهان بدعم إقليمي معروف شأنه في هذا شأن قيس سعيد في السودان وخليفة حفتر في ليبيا، لكنه لم يجد الدعم الغربي اللازم للمضي قدمًا.

بدا تأثير الموقف الغربي واضحًا ليس فقط في تجميد بعض المساعدات والانتقاد العلني لإجراءات البرهان، لكن أيضًا في دفع السعودية والإمارات للمطالبة بعودة المدنيين للسلطة.

ورغم الدعم الروسي والصيني لتحركات البرهان، والذي تجلّى في فشل مجلس الأمن الدولي بإدانة ما جرى أو وصفه بأنه انقلاب عسكري، إلا أن واشنطن وبريطانيا أفشلتا خططه (البرهان) جزئيًا.

تعتقد إدارة جو بايدن على ما يبدو أن دعم انقلاب عسكري بعد عام من واحد من وصولها للبيت الأبيض سيقضي على ما تبقّى لها من مصداقية في مسألة دعم حقوق الإنسان.

فمنذ وصولها للحكم مطلع العام الجاري، لم تتخذ إدارة بايدن خطوات جادة لتحسين الملف الحقوقي في المنطقة على النحو الذي توقعه البعض.

لقد أطاح العسكريون في ميانمار بالزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي، وهي حليفة قوية لواشنطن، بعد 10 أيام من وصول بايدن للبيت الأبيض، ولم يحدث لهم شيء.

صحيح أن إدارة بايدن ساعدت في إطلاق سراح بعض معتقلي الرأي في السعودية ومصر لكنها لم تتمكن من حماية حقوق الإنسان بالطريقة التي كانت تتحدث بها خلال الحملة الانتخابية.

كما إن من أُطلق سراحهم ما زالوا ممنوعين من السفر خارج دولهم حتى الآن، وفي مقدمتهم لجين الهذلول في السعودية التي لاقت دعمًا مباشرًا وصريحًا من بايدن.

جو بايدن رئيس أميركي في النهاية ولن يفعل شيئًا إلا إذا كان هذا الشيء يخدم المصلحة الأميركية. ولا يبدو انقلاب البرهان في صالح واشنطن.

بعد سقوط البشير، شعرت الولايات المتحدة، على ما يبدو/ أن بإمكان السودان القيام بدور في المنطقة، كما إن تفعيل تطبيع العلاقات مع إسرائيل يتطلب استقرارًا.

وقد نقلت وكالة بلومبيرغ عن نائب وزير خارجية إسرائيل قوله إن تل أبيب لم تعد متأكدة من مستقبل علاقتها مع السودان؛ لأنها لا تعرف الطرف الذي سيمسك بزمام الأمور.

ورغم أن البرهان هو الضامن الوحيد تقريبًا لهذا التطبيع؛ فإن غياب الاستقرار الأمني والسياسي سيجعل السودان عبئًا على إسرائيل التي ستكون مضطرة للدفاع عن حليف غير مضمون.

وقد زار وفد من الموساد الخرطوم سرًّا بعد أيام من الانقلاب للوقوف على حقيقة ما يجري، بحسب ما نقله موقع “والا” العبري، وأكدة موقع أكسيوس الأميركي.

السودان.. أميركا وبريطانيا والسعودية والإمارات يدعون لإعادة المدنيين للسلطة
أميركا وبريطانيا والسعودية والإمارات يدعون لإعادة المدنيين للسلطة

لماذا وكيف تصدت واشنطن للبرهان؟

تشير كثير من المعطيات إلى أن البرهان تحرك بناء على تطمين روسي صيني ما يعني أنه سيكون رهينة هذا التطمين وهو ما يفتح أبواب السودان أمام خصمي الولايات المتحدة.

كما إن محاولة البرهان اتخاذ خطوة بهذه الخطورة من دون علم وموافقة واشنطن، لا بد وأن يتم التصدي لها بقوة، حتى لا تصبح سنّة في المنطقة.

لقد نفى المبعوث الأميركي جيفري فيلتمان تمامًا المعلومات التي نقلها موقع أكسيوس بشأن إخبار البرهان له قبل يوم من الانقلاب بأن الجيش قد تخذ خطوات ضد المدنيين.

لاحقًا، أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس حديث فيلتمان، وقال إن واشنطن لو كانت تعلم لما وافقت على ذلك.

وقد صعّدت الولايات المتحدة من هجومها عندما وصف فيلتمان ما قام به البرهان بأنه “خيانة للثورة وللسودانيين”.

ضف إلى ذلك أن المواقف الغربية المتشددة جدًا ضد البرهان، ليست إلا صدى صوت للموقف الأميركي.

حتى صندوق النقد الدولي أعلن تجميد التعامل مع السودان، وهي خطوة لا يمكن اتخاذها دون ضوء أخضر من واشنطن.

لقد بدأت الولايات المتحدة بالتحذير، لحين استجلاء موقف الشارع السوداني، وعندما أدركت أن السودانيين متمسكون بالحكم المدني بدأت تصعيد ضغوطها.

جمّدت واشنطن 700 مليون دولار كانت جزءًا من خطة لدعم الانتقال المدني في السودان، ولوّح مبعوثها جيفري فليتما بمزيد من الإجراءات.

في معرض تعليقه على إجراءات البرهان، أرسل فيلتمان رسائل واضحة للبرهان ولداعميه.

قال فيلتمان إن الدول التي تدعم البرهان في المنطقة لن تتمكن من توفير المساعدات المالية التي يحتاجها السودان سواءً من الدول الكبرى أو من المؤسسات العالمية.

كما أشار المبعوث الأميركي إلى أن الدول التي دعمت الانقلاب سيتم الإعلان عنها قريبًا.

فيلتمان اتهم البرهان بخيانة روح الثورة

وقبل هذا وذلك، فإن إعادة السودان إلى قائمة الدول “المارقة”، التي أزيل منها قبل نحو عام، يمكنه إعادة عقارب الساعة كثيرًا للوراء.

في الكواليس، كانت الولايات المتحدة تعمل مع الإمارات سرًّا من أجل إقناع البرهان بإعادة المدنيين للسلطة بناء على اتفاق جديد يضمن له تحقيق بعض أهدافه.

ضغطت واشنطن على الإمارات على ما يبدو بجملة من الأمور بينها صفقة مقاتلات “إف-35” وبالمثل فعلت مع الرياض التي تريد إذابة الجليد مع بايدن.

وكالة بلومبيرغ الأميركية نقلت عن مسؤولين أن بريت ماكغورك، منسق شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يعمل عن كثب مع طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن القومي الإماراتي، لإتمام صفقة.

وتقوم الصفقة على إقناع قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بإعادة حمدوك للسطلة مع استبعاد بعض الوزراء القدامى.

لقد اتصل بلينكن ينظيريه في السعودية والإمارات والتقى معهما على هامش قمتي العشرين والمناخ، بعد ذلك صدر بيان رباعي يضم البلدان الثلاثة إلى جانب بريطانيا.

كان البيان واضحًا: “على البرهان إعادة عبد الله حمدوك للسلطة والإفراج عن المعتقلين فورًا”.

إدارة بايدن لا يمكنها تحمل فاتورة انقلاب تدعمه الصين وروسيا في السودان بينما حليفها آبي أحمد في إثيوبيا يجابه السقوط

لماذا تغير موقف السعودية والإمارات

هذا التغير في الموقف السعودي الإماراتي يعكس ضغطًا أميركيًا كبيرًا؛ إذ دعم البلدان البرهان بقوة منذ عزل عمر البشير عام 2019، كما إنهما لم تدينا الانقلاب علنًا.

لقد دان البلدان محاولة مزعومة لانقلاب عسكري جرى على البرهان في سبتمبر أيلول الماضي.

لكنهما في انقلاب البرهان أعربتا عن القلق وطالبتا بالحفاظ على ما تحقق مكتسبات سياسية واقتصادية.

ردّة الفعل السعودية الإماراتية على انقلاب البرهان كانت تأييدًا واضحًا له. أما مصر فقد بدأت مصر وساطة غير معلنة التفاصيل لحل الأزمة.

هناك الكثير من الأمور التي تدفع البلدين إلى تغيير موقفيهما على هذا النحو الجذري، الذي سيدفع البرهان نحو التراجع جزئيًا عن انقلابه.

  • الإمارات تريد إتمام صفقة “إف-35” التي تمثل لها نقلة من الناحية العسكرية.
  • السعودية تريد تخفيف الفتور الذي يفرضه بايدن على العلاقة بين البلدين.
  • السعودية تريد أيضًا دفع بايدن للتعامل مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي لم يلتق الرئيس الأميركي ولم يجر معه اتصالًا حتى الآن.
  • السعودية تريد مزيدًا من الأسلحة الدفاعية لمواجهة المتمردين الحوثيين وتريد أيضًا مزيدًا من الضغط الأميركي على إيران.

بالإضافة إلى ما سبق، سرّبت الولايات المتحدة لموقع معلومات لموقع أكسيوس الإخباري تتعلق بساعات ما قبل الانقلاب، لتؤكد أنها ستفضح داعمي البرهان.

لم يعد بمقدور الولايات المتحدة حاليًا تحمل التبعات الداخلية لانقلاب عسكري في السودان الذي يعج بالحركات المسلحة والمتمردين، بينما حليفها آبي أحمد يواجه السقوط في إثيوبيا.

متظاهر سوداني خلال مظاهرات مناهضة للانقلاب بالخرطوم
متظاهر سوداني خلال مظاهرات مناهضة للانقلاب بالخرطوم

لقد بدأ آبي أحمد، وهو حليف استراتيجي لواشنطن في عدد من المسائل المتعلقة بمكافحة الإرهاب في إفريقيا وإعادة ترسيم موازين القوى بالقارة، حربًا للقضاء على قيادة إقليم تيغراي القوي قبل عام.

لكنه اليوم يتحصن بالسكان المدنيين في مواجهة زحف قوات التيغراي التي تحالفت مع قوات أورومو، وباتوا جميعًا يقفون على تخوم العاصمة أديس أبابا.

هذه التحول الدراماتيكي للأوضاع في إثيوبيا جعل من الصعب على الولايات المتحدة تحمل حدوث وضع مماثل في السودان، بالتالي كان الأسهل هو إجبار البرهان على التراجع، ولو مؤقتًا.

الإمارات عملت سرًّا مع واشنطن لإقناع البرهان بصفقة جديدة لتقاسم السلطة

ما هو المتوقع؟

غالبًا سيتفق العسكر والمدنيون في السودان على تقاسم جديد للسلطة يضمن بقاء حضور الجيش لفترة أطول مما كان مقررًا في السلطة.

سيغيب بعض الوزراء المدنيين المنتمين لقوى الحرية والتغيير الذين يعتبرهم البرهان خصومًا له مقابل توسيع صلاحيات حمدوك.

ستتراجع وربما ستختفي المطالبات المتعلقة بمحاسبة العسكريين على قتل المتظاهرين أمام مقر القيادة العامة وفي غيرها من المناطق.

ستتراجع أيضًا مسألة سحب الاستثمارات التابعة للجيش، ولن يكون هناك مجال للحديث عن إخضاع المؤسسة العسكرية لمراقبة أو محاسبة المدنيين.

لن ينجح البرهان في إكمال ما بدأه يوم 25 أكتوبر تشرين الأول على النحو الذي خطط له، لكنه لن يغيب عن المشهد ولن يحاسب على ما اتخذه من إجراءات مخالفة للدستور.

سيتم تمديد الفترة الانتقالية بشكل أو بآخر، وسيظل العسكر حاضرون في مجلس السيادة الذي سيعاد تشكيله غالبًا، حتى يمكن لحمدوك التعامل مع البرهان.

لقد اشترط حمدوك فيما اشترط إعادة تشكيل مجلس السيادة، وغالبًا سيتم تنفذ هذا المطلب لرفع الحرج عن رئيس الوزراء المعزول الذي سيعاود العمل مع من عزلوه ووضعوه قيد الإقامة الجبرية.

في الأخير سيظل عبد الفتاح البرهان جزءًا من مجلس السيادة وسيظل محمد حمدان دقلو قائدًا لقوات الدعم السريع، التي هي ميليشيا في جوهرها.

وعلى الأرجح، سينتهي الأمر بانتخابات رئاسية قد تصل بالبرهان إلى السلطة بعد عام واحد مثلًا، هذا ما لم يتحدث تغيرات جديدة تقلب الأمور رأسًا على عقب.