آبي أحمد يواجه السقوط.. أين مصر مما يجري في إثيوبيا؟

القاهرة | جو-برس

في الوقت الذي أعلن فيه خصوم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عزمهم دخول العاصمة وإسقاط الحكومة، لم تصدر الحكومة المصرية تعليقًا على ما يجري في البلد الذي يمثل أخطر خصومها في الوقت الراهن.

لقد هددت مصر مرارًا خلال العام الجاري بأن كل الخيارات مطروحة للتعامل مع أزمة سد النهضة الذي تقيمه أديس أبابا على النيل الأزرق، لكنها لم تحدد هذه الخيارات.

كان خيار دعم مقاتلي تيغراي وما زال أحد أهم الأمور التي يمكن لمصر من خلالها كسر آبي أحمد الذي لا يرغب في حلول سلمية لأزمة النهضة، لأن هذا الدعم سيوفر على القاهرة حربًا لا تريدها.

لو كان بإمكان المصريين هدم السد في وضح النهار لفعلوا ذللك دون تردد، لكن الدعم الغربي الكبير لآبي أحمد يجعل الأمور أصعب مما يظن البعض.

آبي أحمد حليف قوي للولايات المتحدة ويحظى بدعم كبير جدًا من الديمقراطيين في كل معاركه تقريبًا، حتى في معركته الأخيرة تلك، تحاول واشنطن إنقاذه بطرق غير مباشرة.

لقد شن آبي أحمد، وهو ضابط مخابرات سابق حاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2019، حربًا نهاية العام الماضي لإسقاط حكومة إقليم تيغراي، التي تهدد أحلامه الكبيرة في الزعامة.

لطالما اتهم آبي احمد جبهة تحرير تيغراي بمحاولة عرقلة “خططه الوطنية”، فيما كانت الجبهة وما تزال تراه خطرًا عليها وعلى إثيوبيا بصفة عامة.

لم يكن قادة تيغراي متوجسون فقط من محاولات آبي أحمد المستمرة لتهميشهم، ولكنهم كانوا أكثر توجسًا من تحالفه المثير للريبة مع عدو بلادهم التاريخي أسياس أفورقي، ديكتاتور إريتريا.

بعد عام من القتال تضمن اتهامات محلية وغربية موثقة لقوات آبي أحمد بارتكاب جرائم تطهير عرقي ضد التيغراي، أصبح خصومه يقفون على بعد 400 كلم من العاصمة.

لقد أعلن آبي أحمد حالة الطوارئ في عموم البلاد ودعا السكان لتنحية كل مشاغلهم جانبًا وحمل السلاح للدفاع عن العاصمة ضد التيغراي، الذين يقولون إن إسقاط رئيس الوزراء ليس إلا مسألة أسابيع.

كيف حدث هذا؟

عندما بدأ آبي أحمد أواخر العام الماضي هجومه على إقليم تيغراي الغني والذي يتمتع بحكم ذاتي، نجحت قواته المدعومة بجنود من إريتريا في اجتياح الإقليم بسرعة.

لقد فرّ قادة التيغراي أمام الهجوم الكاسح للحكومة، وأعلن آبي أحمد النصر على قوات تيغراي نهاية نوفمبر تشرين الثاني الماضي، أي بعد أيام من بدء العملية.

لكن زعيم التيغراي دبرصيون جبرميكائيل، وهو مقاتل مخضرم، قال إن جنوده يواصلون القتال.

بعد نحو سبعة أشهر من سيطرة قوات الحكومة على الإقليم، شن مقاتلو تيغراي هجومًا مباغتًا من أعالي الجبال وألحقوا هزيمة مروعة بقوات آبي أحمد.

لم يكتف اليتغراي بالنصر فقط، لكنهم عرضوا نحو 7 آلاف أسير من قوات آبي أحمد والميليشيات الداعمة له في شوارع ميكللي عاصمة الإقليم، قبل أن يتوغلوا في أمهرة وعفر جنوبًا باتجاه العاصمة.

خلال 3 أشهر فقط، سيطر التيغراي على المدن الاستراتيجية في أمهرة وأعلنوا هذا الأسبوع انضمام مقاتلي إقليم أورومو لهم، وقالوا إنهم سيزحفون باتجاه أديس أبابا.

في المقابل، أعلن آبي أحمد حالة الطوارئ وشكّل لجنة للتعامل مع الأمر تحت إشرافه، وتعهّد بالنصر على الأعداء ودفنهم.

اللافت أن هؤلاء الأعداء الذين يتحدث عنهم آبي أحمد، بينهم مقاتلو أورومو، التي ينحدر هو منها.

بالتزامن مع ذلك، أرسلت الولايات المتحدة مبعوثها للقرن الإفريقي جيفري فيلتمان إلى أديس أبابا، ولوّحت بإجراءات عقابية ضد إثيوبيا، كبلد وليس كحكومة.

لقد أثبت آبي أحمد أنه حليف لا يمكن الاعتماد عليه بعدما أوشك على خسارة حرب قال إنها سيقضي خلالها على التيغراي لمئة عام، بحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن مبعوث أميركي.

على الرغم من ذلك، تحاول واشنطن إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الرجل الذي سبب لها إحراجًا بالغًا أمام جماعات حقوق الإنسان، بسبب الجرائم التي ارتكبها.

قوات تيغراي قالت إنها ستستولي على العاصمة خلال أسابيع

لكن، أين مصر من كل هذا؟

بعيد إعلان مقاتلي تيغراي سيطرتهم على بلدتي ديسي وكومبولتشا المهميتن في أمهرة، قال آبي أحمد إن مقاتلين ذوي بشرة بيضاء يقاتلون إلى جانب “الإرهابيين”، في إشارة للتيغراي.

كان التيغراي قد أعلنوا عقب استعادتهم السيطرة على الإقليم عزمهم نقل الحرب جنوبًا إلى إقليم أمهرة بل وإلى دولة إريتريا، ما لم يتنحّى آبي أحمد عن السلطة.

في نفس الوقت، كانت مصر والسودان تخوضان حراكًا دبلوماسيًا لم يسفر عن شيء طيلة السنوات الماضية.

وبالتزامن، كانت هناك اضطرابات عرقية تتصاعد في الغرب الإثيوبي.

خلال كل هذا، كانت مصر تواصل مساعيها الدبلوماسية معتمدة على ما سببه آبي أحمد من إحراج لواشنطن خلال حربه ضد تيغراي.

وحتى الآن، لم تعلن مصر موقفًا واضحًا مما يجري في إثيوبيا، رغم اتهامات آبي أحمد لقوات أجنبية بدعم خصومه، دون إفصاح عن هؤلاء الأجانب.

ورغم الاتهامات الإثيوبية المتكررة وشبه المباشرة بوقوف القاهرة وراء ما يجري تيغراي وغيره من الأقاليم المتمردة، فإن مصر تنفي ذلك.

ففي سبتمبر أيلول الماضي، قالت أديس أبابا إنها أحبطت محاولة دعمها السودان لتخريب سد النهضة، وهو ما نفته الخرطوم داعية الإثيوبيين لحل خلافاتهم بعيدًا عن السودان.

وسبق أن اتهمت أديس أبابا، القاهرة والخرطوم، بدعم أعمال العنف بإقليم بني شنقول غومز، الذي يحتضن السد.

كما أعلنت وكالة أمن شبكات المعلومات الإثيوبية، إحباط العديد من الهجمات السيبرانية كان مصدرها مصر في يونيو حزيران 2020.

وقالت الوكالة إن الهجمات كانت تهدف لتعطيل الأنشطة الاقتصادية والسياسية في إثيوبيا. ولم ترد القاهرة على هذه الاتهامات.

صحيح أن القاهرة نجحت في اختراق القارة مؤخرًا عبر الدبلوماسية، بيد أن سلوك آبي أحمد يؤكد يومًا بعد الآخر، ان الدبلوماسية قد لا تصلح لحل كل الخلافات.

في الأخير، لم يثبت حتى الآن أن مصر دعمت التيغراي بالسلاح، رغم منطقية هذه الفرضية. غير أن التيغراي أثبتوا للجميع كيف يمكن التعامل مع رجل من نوعية آبي أحمد.

بدعم مصري أو بدون دعم، يقترب التيغراي من إنهاء مشروع آبي السياسي الذي لم يعد قابلًا للاستمرار حتى إن وضعت الحرب أوزارها. لكن يبقى السؤال: هل سيكون هذا لمصلحة مصر؟

قد يوفر سقوط رئيس آبي أحمد للقاهرة فرصة لإعادة ترتيب الكثير من الأوراق في إثيوبيا وفي شرق أفريقيا، ويمنحها فرصة أوسع لتحصيل أكبر قدر ممكن التنازلات.

ورغم وضوح فرضية أن عدم انخراط مصر في الصراع على النحو الذي تصوره حكومة آبي أحمد أو الذي تريد تصويره على الأقل، إلا أنها لا تبدو بعيدة تمامًا عما يجري.

في الأخير، كل تغير في إثيوبيا ستكون له تداعيات جيوسياسية على الجانب المصري سواءً فيما يتعلق بملف سد النهضة أو ما يتعلق بمسألة استقرار القرن الإفريقي.