السنغالي محمد سار يحصد جائزة”غونكور” عن “ذاكرة البشر الأكثر سرّية”.

بارس | جو-برس

فاز الكاتب السنغالي محمد مبوغار سار يوم الأربعاء بجائزة “غونكور”، وهي أرفع جائزة أدبية فرنسية، وذلك عن روايته الثالثة “ذاكرة البشر الأكثر سرّية”.

وانتزع سار الجائزة في الدور الأول بعد حيازته ستة أصوات دون حاجة للمرور إلى دور ثانٍ من التصويت كما يحدث عادة في مداولات “غونكور”.

ويبلغ سار من العمر 31 عامًا، وقد سافر إلى فرنسا بعد استكمال دراسته الثانوية بالسنغال.

وفي فرنسا، تابع سار تعليمه في مدينة كامبيين ثم التحق بالمدرسة العليا للعلوم الاجتماعية في باريس.

لم يتأخر سار كثيرًا في ابراز موهبته الأدبية ولم يتأخر أيضًا في انتزاع الاعتراف به كأحد أهم الأصوات الأدبية الواعدة على الساحة الفرنسية.

نشر سار روايته الأولى “أرض مقدسة” عام 2015 ولفتت انتباه النقاد والصحافة الثقافية وحازت على جائزة آمادو كوروما في معرض الكتاب الدولي بجنيف ثم فازت بجوائز أخرى مغمورة.

وفي 2018، نشر روايته الثانية “صمت الجوقة” وهي حكاية عن مجموعة من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين محتجزين في مركز للاجئين بجزيرة صقلية الإيطالية.

هذا الفوز الجريء جاء بعد مئة عام من فوز أول كاتب من أصول أفريقية بالجائزة الفرنسية العريقة.

سنة 1921، فاز رينيه ماران بجائزة غونكور عام عن رائعته “باتوالا، رواية زنجي حقيقي”.

الصحافة الثقافية الفرنسية اعتبرت خيار لجنة التحكيم هذا العام بالغ الجرأة لثلاثة لأنه جاء بعد فوز كاتبين في العقد السادس من العمر بالجائزة خلال العامين الماضيين.

cour.jpg
الفائز متأثرا حاملاً روايته ووراءه الروائي المغربي الطاهر بنجلون (AFB)

جانب آخر من جرأة قرار لجنة التحكيم تمثل في أن ناشر الرواية صغير ومستقل لم يكن متوقعًا بلوغ أحد منشوراته المرحلة النهائية.

لطالما استأثرت دار فلاماريون ودار غراسيه بنصيب الأسد في الجوائز الفرنسية، لكنهما منيتا بخسارة فادحة هذه المرة أمام ناشر صغير.

لماذا فاز سار؟

يجد قارئ رواية محمد سار نفسه في عام 2018 وأمام بطل هو طالب سنغالي شاب يشبه الكاتب نفسه في نقاط متعددة.

يكتشف البطل تحفة أدبية تعود لعام 1938 ويقرر أن يتتبع سر حياة صاحبها.

ومع الشهادات والتحقيقات يكتشف البطل رويدًا رويدًا معالم حياة الكاتب الغامض الذي نال جائزة فرنسية عريقة.

لكن الكاتب اتُهم من بعدها بالسرقة الأدبية، فدفع ثمن الجائزة غاليًا وانسحب من عالم الأدب إلى الصمت المطبق لخمسين عامً بعد أن عجز عن الدفاع عن نفسه.

بعد فوزه الساحق، يلتزم الكاتب المحتجب بالصمت وحتى يوم وفاته، وذلك بسبب اتهام الصحافة الفرنسية له بأن نصه منقول عن نصوص أخرى.

بالعودة إلى تاريخ الأدب، يكتشف القارئ أن هذه الرواية مستوحاة من قضية الكاتب المالي يامبو أولوغيم (1940- 2017).

أولوغيم هو روائي فاز بجائزة رونودو الفرنسية عام 1968 لكنه اتُهم بعدها بالسرقة الأدبية ما اضطره إلى الرحيل عن باريس والامتناع عن الكتابة.

كما التزام أولوغيم الصمت طوال السنوات المتبقية من حياته بعدما حاول الدفاع عن نفسه وتبرئة اسمه عبثًا.

يقول سار في مقابلة أجريت معه عن سبب اختياره لهذا الموضوع: “أردت من خلال تطرقي لموضوع الكتابة والأدب أن أركز على صنعة الكاتب”.

أردت أن أكتشف نفسي وما أقوم به في حياتي ككاتب، كما أردت أن أقدم نظرة تأملية في الكتابة ودورها وعلاقتها بالحياة والتاريخ، يقول سار.

ويضيف الكاتب الشاب “أردت أن أجد كاتبًا من القرن العشرين ذائع الصيت وملعونًا بطريقة ما، وأن أبحث عبره عن الأسباب التي يملكها المرء ليكتب.

أراد سار أيضًا، حسب قوله، أن يكتشف التحديات التي يواجهها الكاتب عند الكتابة والعواقب التي تنزل به بعد النشر.

ويضيف “تناولت حياة كاتب مهمش بعد فوز لأنني وجدته شخصاً مذهلاً ومثيراً للاهتمام بغموضه وغرابة المأزق الذي وقع فيه”.

وعن السرقات الأدبية يقول سار إن كل نص سرقة أدبية بطريقة أو بأخرى؛ فالأدب هو قراءة وكتابة وتبادل فكري، مضيفًا “أكبر الكتّاب هم أمهر السرقة”.

أما علاقة الأدب بالحياة فيقول عنها سار: “من الأسئلة التي أطرحها على نفسي سؤال حول علاقة الأدب بالحياة، وإلى أي مدى هما مرتبطان”.

ويضيف “يمكن أن أقول شخصيًا ألا فصل بين الأدب والحياة، فعندما يكون المرء مسلحًا بالكتاب وبالأدب يكون مستعدًا للحياة بكل ما تحمل”.

ولا يعتقد سار أننا نقرأ لمجرد التسلية أو الانعزال عن المحيطين بنا، بل نقرأ أيضًا حتى نتمكن من توظيف المعرفة الأدبية في الحياة.

على الرغم من إشادة الصحافة الأدبية الفرنسية بتقنية الكتابة وأسلوب السرد، لا يخفى على الكاتب السنغالي الشاب لم يستبعد سار أن يكون فوزه بالجائزة مدفوعًا بأسباب سياسية.

في مقابلة أجريت معه بعد الإعلان عن فوزه مباشرة، قال سار: “آمل ألا يكون سبب فوزي هو أنني أفريقي، وأرجو أن يكون النص هو الأساس خلف هذا الخيار”.

وأضاف “أشكر لجنة التحكيم على قرارها، لكنني لست غافلًا عن القضايا السياسية التي قد تكون وراء هذا الاختيار”.

وختم سار بالقول “آمل أن يكون الأدب هو الدافع الأول وراء اختياري، الأدب الجميل والنبيل والخالد”.