الساموراي الأخير.. شيخ الأزهر و”الإبراهيمية الجديدة” وجهًا لوجه

القاهرة | جو-برس

عاد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب إلى الواجهة مجددًا بعدما قذف حجرًا كبيرًا ليس فقط في وجه ما يعرف بـ”الديانة الإبراهيمية” التي يروج لها البعض، وإنما أيضًا بعدما وضع حدًّا فاصلًا بين احترام عقائد الآخرين والإيمان بها.

كان شيخ الأزهر وما يزال حريصًا على بنفسه عن السياسة؛ ما لم تقترب من الدين أو تتجه نحو العنف، وهو سلوك منحه كثيرًا من المصداقية وحافظ على شعبيته، التي لم تتأثر بالمحاولات المستمرة للنيل من مكانة الرجل وشخصه.

هذا السلوك لا ينفي حقيقة أن الدكتور أحمد الطيب هو ابن الدولة الذي يسير في ركابها، لكن بطريقته الخاصة، التي لا تجعله ترسًا عاديًا في آلة النظام السياسي لمصر، أيًا كان شكله.

في كل المعارك التي شنها خصومه، كان شيخ الأزهر قويًا، عاقلًا، يعي ما يقوله ويعنيه، وقد خرج منتصرًا فيها كلها تقريبًا؛ لأنه يجيد خوض معاركه.

لم يكن شيخ الأزهر متوافقًا مع رأس السلطة في مصر يومًا، كغيره من رؤساء المؤسسات الدينية أو السياسية؛ فقد احتفظ الرجل دائمًا بمساحة بينه وبين الرئيس.

حدث هذا في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي، واستمر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإن كان شيخ الأزهر حاضرًا في مواقف سياسية فاصلة، على طريقته.

لطالما كان شيخ الأزهر، بغض النظر عن الشخص، هو الرجل الذي يطمح الرؤساء، كل الرؤساء، لتجنيده أو تحييده؛ ليس لأنه محصّن في منصبه دستوريًا، الدساتير تتغير في جلسة برلمانية لا تستغرق خمس دقائق، وإنما لأنه صاحب سلطة روحية وله شعبية لا تتراجع.

على مدار عقود، أضفت الأنظمة السياسية زعامة كبيرة على منصب شيخ الأزهر؛ من أجل مصلحتها. لكن هذه الزعامة كثيرًا ما مثّلت هاجسًا للزعماء في كثير من المواقف.

الدكتور أحمد الطيب، كان من بين شيوخ الأزهر الذين استعملوا زعامتهم في الدفاع عن الدين وليس عن النظام السياسي، بغض عن النظر عن شكل هذا النظام.

وعبر مواقف كثير وقوية حافظ الرجل على شعبيته في مواجهة حملات تشويه إعلامية لم تتوقف، ويبدو أنها لن تتوقف.

لقد نأى شيخ الأزهر بنفسه وبالمؤسسة عن الصراعات السياسية وحاول منذ بدأت التغيرات السياسية في المنطقة عام 2011، توفير قوة الأزهر للدفاع عن الإسلام كـ”دين” في مواجهات أمواج السياسية التي لا تتوقف عن محاولات جرفه وحرفه.

في السطور التالية سنحاول إجمال المواقف التي تعكس تمسك شيخ الأزهر بمكانته كمدافع عن الدين في مواجهة رياح السياسة التي تريد اقتلاع كل شيء.

ما هي الإبراهيمية الجديدة؟

يمكن اختصار ما يمسّى بـ”الديانة الإبراهيمية”، في أنها مشروع سياسي تدعمه الولايات المتحدة، ودول عربية على جيدة بدولة الاحتلال؛ بهدف تسويق إسرائيل وترسيخها في المنطقة.

لكن الفكرة أكبر من وضعها في هذا الإطار الضيق؛ فقد بدأت الفكرة من وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر، كسبيل لحل الصراع العربي الإسراسيلي. لكن كيسنجر كان في الواقع كان يريد إعادة تأطير العالم في دين جديد.

لطالما تعاملت الولايات المتحدة مع الإسلام كـ”خطر استراتيجي”، حتى إن الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، وصفه بعد سقوط الشيوعية بأنه “العدو الذي يلي الاتحاد السوفياتي”.

ظهر مشروع الإبراهيمية سنة 1990، وما لبثت أن بدأت تتشكل في أورقة السياسة الدولية عبر عدد من المؤسسات البحثية في مقدمتها “لجنة الإبراهيمية” التي قدمت في جامعة هارفرد كبرى الجامعات العالمية والمرتبطة مع مراكز القرار السياسي في العالم كالخارجية الأميركية والبنك وصندوق النقد الدوليين، ومعهد الحرب والسلام وجامعة فلوريدا وغيرها.

تقوم الفكرة على سيادة المشترك الإبراهيمي على منطقة تضم المسار الذي سلكه نبي الله إبراهيم عليه السلام في رحلته من حدود تركيا وصولًا إلى مكة بما فيها مصر وإيران.

وقد تحدثت دراسات عن إمكانية توسيع المشروع ليشمل إفريقيا وبعض الدول الأخرى، كالهند مثلًا.

ورغم أن المشروه يروج له أنه محاولة لنشر التسامح وإذابة الخلافات ووقف الصراعات العابرة للحدود، إلا أنه بنظر كثيرين ليس إلا إعادة صياغة لمشروع “سايكس-بيكو” الاستعماري.

في مارس آذار 2021، وصف الكاتب العماني خميس القطيطي، هذا المشروع بأنه “استعمار غربي جديد” يهدف لعدم الاعتراف بما جاء من أديان بعد سيدنا إبراهيم.

أطلقت الولايات المتحدة على اتفاقيات التطبيع الأخيرة بين إسرائيل ودول خليجية وعربية اسم “الاتفاقات الإبراهيمية”، في محاولة لترشيخ المصطلح في الوجدان الشعبي.

وقد أوقفت إدارة جو بايدن استخدام مطصلح “اتفاقات إبراهام” بشكل رسمي في يونيو حزيران 2021، لكنها عادت واستخدمته لاحقًا، وقالت إنها تأمل بتوسيع “اتفاق إبراهام”

وقد أعلنت الإمارات عام 2019 عن مشروع بيت العائلة الإبراهيمية، الذي ستقيمه في جزيرة السعديات بإمارة أبوظبي.

وقالت حكومة أبوظبي إن المشروع سيقدم برامج تعليمية، وفعاليات تهدف لتعزيز التبادل والتعاون الثقافي والإنساني.

وفي كتابه “الإبراهيمية.. بين خداع المصطلحات وخطورة التوجهات” ألقى أستاذ الدعوة الإسلامية والأديان بجامعة الأزهر إسماعيل علي، الكثير من الضوء على ما يمثله هذا المشروع من خطر وما ينطوي عليه من خداع.

يحاول البعض الترويج إلى وجود خطأ في فهم “الإبراهيمية”، وإحالتها فورًا إلى نظرية المؤامرة التي تستهدف الإسلام في كل حركة وسكون، غير أن ثمة اعتراضات يهودية ومسيحية أيضًا على هذه الديانة الجديدة.

وقد ذهبت بعض الأوساط الكاثوليكية المعارضة للقول بإن يدًا شيطانية قد استولت على الڤاتيكان، وحرّفت عقيدته القويمة، ونصّبت أحد أتباع الشيطان في موقع الباباوية.

في السياسة، كل الأشياء قابلة للتعديل والتبديل، خدمة للهدف المنشود، وهو غالبًا يتعلق بالأنظمة السياسية التي تحكم قبضتها على العالم، أو المنطقة.

لقد ظهر مؤخرًا من يتحدث عن حق اليهود في العودة إلى “خيبر” في شبه الجزيرة، استنادًا إلى وجود تاريخي، يؤكده النص القرآني. والحقيقة أن هذه الدعوات ليست إلا محاولات للحاق بركب الحاكم الجديد للمملكة.

وفي هذا السياق، يقول الكاتب حسن منيمنة، إن المنحى التأريخي القسري للطرح “الإبراهيمي” السياسي يذهب باتجاه إقرار “حقوق” وراثية، من وحي أسفار التوراة، للشعوب المذكورة فيه، ولا سيما منها حق إسرائيل بأرض الميعاد.

ويشير منيمنة، وهو مدير مؤسسة بدائل الشرق الأوسط وكاتب بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، إلى أنه ليس واضحًا ما إذا كان على “العرب” كافة الاندحار إلى البادية أم لا؟

غير أن الواضح جدًا في في الفكرة الإبراهيمية، يضيف منيمنة، هو أن حصة الفلسطينيين (من أحفاد جالوت) قد تتراجع إلى قطاع غزة.

ويرى منيمنة أن القبول بالأسفار العبرية يتطلب دعمًا إسلاميًا. وقد أشار إلى أن “بعض علماء الدين المسلمين، وفي إظهار ولائهم لأولي الأمر الموقعين على معاهدات السلام، قد ذهبوا فعليًا لاستخراج نصوص قرآنية وغيرها تنسجم مع وعود سفر التكوين، ليمسي وجود إسرائيل أمرًا إلهيًا، وليصبح حق اليهود بأرض الميعاد، فلسطين التاريخية، ثابتًا مقرّرًا ينقض ما دونه”.

غير أن شيخ الأزهر، الذي رفض فكرة الطلاق الشفهي، ورفض وصم “تنظيم الدولة” بالكفر، استجابة لأوامر أميركية، وقال مرارًا إنه لن يقف صامتًا إزاء محاولات هدم الثوابت بزعم “التجديد” كما ظهر في ردّه القوي على رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد الخشت.

شيخ الأزهر و”الديانة الإبراهيمية الجديدة”

خلال كلمته بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس “بيت العائلة المصرية”، يوم الاثنين 8 نوفمبر تشرين الثاني الجاري، هاجم الدكتور أحمد الطيب هذا المصطلح الجديد (الديانة الإبراهيمية)، بقوة، واعتبره مصادرة لحرية الاعتقاد.

هجوم شيخ الأزهر على “الديانة الإبراهيمية الجديدة” التي قال إن ملامحها لم تتكشف بعد، ولم يُعرف إن كانت مشروعًا سياسيًا أم تحريفًا دينيًا، لم يكن أهم ما قاله الطيب في كلمته. فقد أشار الرجل أيضًا إلى أن احترام عقائد الآخرين “لا يعني الإيمان بها”.

ولم يقف شيخ الأزهر عند هذا الحد وإنما أكد أن “البعض” يحاولون تسويق احترام الأزهر للكنيسة المصرية وغيرها من الكنائس العاملية على أنه “ذوبان للفوارق بين الأديان”، مؤكدًا أن قمة فوارق بين الديانات لا يمكن تذويبها، أو تجاهلها بدعوى إنهاء الصراعات ووقف إراقة الدماء.

كما تحدث شيخ الأزهر في كلمته الأخيرة بوضوح عن سعي الأزهر كمؤسسة دينية إلى انتشال الإنسانية من أزمتها المعاصرة، وتحريرها مما حاق بها من ظلم القادرين، وبغي الأقوياء، وغطرسة المتسلطين على المستضعفين.

وتحدث شيخ الأزهر عن الخلط بين تآخي الإسلام والمسيحية في الدفاع عن حق المواطن بأن يعيش في أمن وسلام واستقرار، وبين امتزاج هذين الدينين وذوبان الفروق الخاصة بكل منهما.

ويأتي هذا الخلط، بحسب شيخ الأزهر، في ظل التوجُّهات التي تدعي أنه يمكن أن يكون هناك دين واحد يسمى بالإبراهيمية أو الدين الإبراهيمي.

وأعرب شيخ الأزهر عن اعتقاده بأن هذه الدعوات تطمح لمزج اليهودية والمسيحية والإسلام في رسالة واحدة أو دين واحد يجتمع عليه الناس.

وقال إن المبرر الذي يسوقه أصحاب هذه الدعوات هو وقف الحروب وإزهاق الأرواح وإراقة الدماء حتى بين أبناء الدين الواحد.

ولفت شيخ الأزهر إلى أن أحدًا لم ير هذا الوليد الإبراهيمي الجديد، ولا يعرف شيئًا عن ملامحه وقَسَماته، حتى الآن.

وتساءل “هل المقصود منه تعاون المؤمنين بالأديان على ما بينها من مشتركات وقيم إنسانية نبيلة، أو المقصود صناعة دين جديد لا لون له ولا طعم ولا رائحة؟”.

وهذه الدعوى، برأي شيخ الأزهر، شأنها شأن دعوى العولمة، ونهاية التاريخ، والأخلاق العالمية وغيرها، وإن كانت تبدو في ظاهرها كأنها دعوة إلى الاجتماع الإنساني.

مواقف سابقة

  • رفض شيخ الأزهر مرارًا تكفير تنظيم الدولة (داعش)، وقال إنه لا يجوز تكفير من ينطق بالشهادتين.
  • رفض تكفير حركة “تمرد” التي قادت التظاهرات ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، وأجاز معارضة الحاكم سلميًا.
  • رفض دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعدم إيقاع الطلاق الشفهي.
  • رفض الضرب في الأحاديث بدعوى تجديد الخطاب الديني، وقال إن الحديث جزءلا يتجزأ من القرآن.
  • هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما أساء للإسلام وللنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فيما اكتفت الحكومات بالصمت أو الإدانة غير المباشرة.