صوت العرقية يعلو ورقعة الحرب تتسع.. إلى أين تتجه إثيوبيا؟

يوسف حسني - القاهرة

خلال الأسابيع الأولى للعملية العسكرية التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لإسقاط حكومة إقليم تيغراي شمالي البلاد، حذرت صحيفة الغارديان البريطانية من اندلاع حرب شاملة في بلد يعيش فيه أكثر من 100 مليون إنسان ينتمون لعشرات العرقيات، ولديهم رصيد كبير من النزاعات الداخلية المسلحة.

بعد أقل من عام واحد على هذا التحذير، بدأت الأمور تتجه فعليًا إلى حرب أوسع بكثير من التي أرادها رئيس الوزراء، عندما أخبر الأميركيين بأن هزيمة التيغراي لن تستغرق إلا بضعة أسابيع.

لقد شن آبي أحمد حملته العسكرية في نوفمبر تشرين الثاني 2020، ثم أعلن النصر بعد أيام قليلة عندما فر قادة التيغراي إلى أعالي الجبال أو إلى دول مجاورة.

لكن مقاتلي تيغراي شنوا هجومًا مباغتًا أواخر يونيو حزيران 2021، واستعادوا السيطرة على الإقليم قبل أن يتوغلوا جنوبًا في إقليمي أمهرة وعفر، وهم يقفون حاليًا مسافة ليست بعيدة من العاصمة أديس أبابا، التي قالوا إنهم سيقتحمونها لإسقاط آبي أحمد.

في المقابل، أعلن آبي أحمد التعبئة العامة وحالة الطوارئ وشن حملة اعتقالات واسعة داخل العاصمة على أساس عرقي، ودعا السكان لحمل السلاح دفاعًا عن المدينة، رغم نفيه المستمر لانتصارات التيغراي.

قوات تيغراي تقف حاليًا على تخوم العاصمة

إلى أين تتجه إثيوبيا؟

صحيفة الغارديان البريطانية نشرت تقريرًا هذا الشهر قالت فيه إن مقاتلي تيغراي حققوا سلسلة من الانتصارات التي قد تدفعهم فعلًا إلى الزحف نحو العاصمة.

حاليًا، يمكن القول إن الحرب الإثيوبية لا تدور بين طرفين اثنين فقط وإنما بين تحالفين يضم كل واحد منهما عدة مكونات.

فقوات الحكومة الفدرالية، ومنذ بداية الحرب، تقاتل مدعومة بقوات إرترية وميليشيات من إقليمي أمهرة وعفر، في حين انضمت 8 فصائل إثيوبية إلى جبهة تيغراي مؤخرًا.

من بين الفصائل التي انضمت إلى التيغراي، قوات تحرير أورومو، التابعة لأقليم أوروميا، الذي ينحدر منه آبي أحمد، وهو أكبر إقليم في البلاد.

وفي ظل أحاديث عن شعور القوات الحكومية بأنها لن تكون قادرة على حماية العاصمة، ومع تحول المسألة إلى معركة شخصية بين آبي أحمد ودبرصيون جبرميكائيل، زعيم التيغراي المخضرم، بدأ رئيس الوزراء تعبئة عامة تقوم على العرقية بالأساس.

لقد رفض آبي أحمد وساطة أميركية وأخرى إفريقية واعتقل موظفين في الأمم المتحدة بعد طرد آخرين من البلاد، وقال إن هناك تضحيات لا بد من تقديمها.

وقد أكدت الأمم المتحدة في العاشر من نوفمبر تشرين الثاني الجاري أن اعتقال موظفيها جاء في إطار حملة واسعة تستهدف التيغراي المقيمين في العاصمة، وهو ما أكدته لجنة حقوق الإنسان الإثيوبية.

لا يعتمد آبي أحمد على تغذية النزعة العرقية فقط للدفاع عن بقائه، وإنما يعتمد أيضًا على حليفه أسياس أفورقي، ديكتاتور إريتريا، وعدو التيغراي اللدود.

هذه التحولات الخطيرة التي انعكست في شكل تحالفات، دعت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد، للقول أمام مجلس الأمن (الثلاثاء 9 نوفمبر تشرين الثاني الجاري) إن إثيوبيا تواجه “خطرًا وجوديًا” ما لم يضع الجميع السلاح.

لكن إلقاء السلاح لا يبدو خيارًا لدى أي من الأطراف، وقد أكد المبعوث الأميركي جيفري فيلتمان، فشل وساطته، كما نقلت صحيفة “بوليتيكو” عن مسؤول بالخارجية الأميركية أن كلا الطرفين لا يريد وقف القتال.

آبي أحمد والتيغراي رفضا وقف القتال والجلوس للمفاوضات

الحرب ستتسع غالبًا.. لكن لماذا؟

منذ صوله إلى الحكم عام 2018، كانت جبهة تحرير تيغراي تتعامل مع آبي أحمد بكثير من الريبة، وكانت تضع الكثير من علامات الاستفهام حول تصرفاته الرامية للبقاء في الحكم لأطول فترة ممكنة عبر إعادة قولبة الحياة السياسية في البلاد.

كما إن تحالف آبي أحمد مع أسياس أفورقي، وهو حليف قديم وعدو جديد لكنه لدود للتيغراي، عزز مخاوف قادة الإقليم من أن رئيس الوزراء يخطط لحصرهم في زاوية ضيقة سياسيًا، وربما عسكريًا، وهو ما حدث لاحقًا.

وفي يونيو حزيران 2021، أخبر المبعوث الأروروبي بيكا هافيستو، البرلمان الأوروبي أن القادة الإثيوبيين أخبروه، عندما زار أديس أبابا في فبراير شباط “أنهم سوف يدمرون التيغراي، وسيبيدونهم لمدة 100 عام”.

بعد الانتصارات المتسارعة والكبيرة على الأرض، سيكون من الصعب على جببهة تيغراي التوقف عن الحرب، التي تبدو في صالحهم حتى الآن على الأقل، رغم أن هناك ضغوطًا خارجية كبيرة ومخاوف داخلية أكبر قد تدفعهم إلى مقايضة العاصمة بالاستقلال تمامًا عن البلاد.

المتحدث باسم قوات تيغراي غيتاشو رضا، قال في الثامن من الشهر الجاري إن السيطرة على العاصمة ليست هدفًا رئيسيًا، وإنما إبعاد خطر آبي أحمد هو الهدف.

وقال رضا، الذي يدلي بتصريحات لوكالة رويترز ووكالة الأنباء الفرنسية عبر هاتف متصل بالأقمار الصناعية، إن قواته ستسيطر على العاصمة بالتأكيد ما لم يغادر آبي أحمد السلطة.

وأضاف “لا تعنينا السيطرة على العاصمة.. ما يعنينا هو تأكيد حق شعبنا في تقرير مصيره عبر استفتاء شعبي للانفصال عن إثيوبيا”.

مجلة إيكونوميست البريطانية، قالت إن مفاوضات سرية بين الطرفين تجري حاليًا في العاصمة الكينية نيروبي، لكنها لم تحقق تقدمًا، وغالبًا لن تحقق، لأن كلا الطرفين يضم أشخاصًا يعتبرون أي تفاهم من الطرف الآخر بمثابة “خيانة”.

في يونيو حزيران 2021، نقلت نيويورك تايمز عن مسؤوليين غربيين ومحللين أن آبي أحمد يمضي بالبلاد نحو الهاوية. وفي يوليو تموز 2021، قال موقع “ميرجا” المحلي إن رئيس الوزراء يعمل على تفكيك إثيوبيا لإقامة دولة “أوروميا”.

وجاء حديث الموقع الإثيوبي بعد أيام من تعهد آبي أحمد بـ”اجتثاث” قادة التيغراي من جذورهم. في الأخير، وأمام كل هذه التصريحات، يبدو قبول التيغراي بحل سلمي للنزاع أمرًا بعيدًا.

معركة أفورقي الأخيرة

على الجانب الآخر، ثمة من يريد مواصلة القتال أيضًا؛ ففي مايو أيار 2021، قالت مجلة إيكونوميست البريطانية، إن ديكتاتور إريتريا أسياس أفورقي، غريب الأطوار، يخوض معركته الأخيرة في إثيوبيا.

تقول المجلة البريطانية إن أفورقي يتسم بسرية تثير تكهنات لا تنتهي حول نواياه، ونقلت عن بعض من يعرفونه أن هدفه الرئيسي هو التفوق على إثيوبيا وإعادة تشكيل القرن الأفريقي على صورته المناهضة للديمقراطية.

وعلى الرغم من المبالغة في ذلك، يُعتقد في بعض الأحيان أنه يتمتع بنفوذ كبير على رئيس وزراء إثيوبيا الذي وقع معه اتفاقية سلام غامضة عام 2018، وضعت حدًا لنحو عقدين من الحرب الباردة بين البلدين.

تتكون سياسة أفورقي الخارجية، بحسب إيكونوميست من 3 محاور رئيسية: الأول هو اعتقاده أن القرن الأفريقي “حفرة دب”، حيث لا يوجد أصدقاء دائمون. والثاني: أن استخدام القوة أمر أساسي ومشروع دائمًا. والثالث: أنه حتى دولة صغيرة وفقيرة مثل إريتريا يمكنها، بالقسوة والمكر، أن تكون لها قوة أضعاف وزنها بكثير.

وللتأكيد على هذه الفرضية، قالت إيكونوميست: “اسألوا كوريا الشمالية“.

وزير الدفاع الإثيوبي السابق سيي أبرهة: أفورقي يريد أديس أبابا وليس تيغرلي

وقال أويت توالدي ولد ميكائيل، وهو باحث إريتري بجامعة كوينز في كندا “إن أفورقي مثل الجمل الذي لا يستطيع النوم أبدًا دون تصفية الحساب”.

إن الدمار الذي أحدثه الإريتريون في تيغراي يعكس ما هو أكثر من الرغبة في الانتقام، فهو ينبع من قناعة أفورقي الطويلة الأمد بأن التيغراي يهددون وجود بلاده ذاته.

يقول سيي أبرهة، وهو وزير الدفاع الإثيوبي السابق، إن طموحات أفورقي أبعد من تيغراي، وإن القضاء على قوات التيغراي يتعلق بإزالة عقبة في طريقه إلى أديس أبابا والمنطقة”.

ما يطمح إليه أفورقي حقًا هو الوصول إلى ثروة إثيوبيا، كما يقول سيي أبرهة.

حلفاء جدد

ليس أفورقي وحده هو الذي يغذي رغبة آبي أحمد في مواصلة القتال؛ ففي أغسطس آب 2021، اعترضت روسيا والصين على إصدار بيان لمجلس الأمن بشأن القتال في إقليم تيغراي. وقالتا إن ما يجري هناك شأن داخلي.

ووقعت أديس أبابا اتفاقية عسكرية مع موسكو في يوليو تموز 2021، قالت وزيرة الدولة بوزارة الدفاع الإثيوبية، مارتا لويجي، إنها تركزت على تحويل قدرات قوات الدفاع الوطني في مجالات المعرفة والمهارة والتكنولوجيا.

وخلال زيارته لأنقرة في أغسطس آب، حصل رئيس الوزراء الإثيوبي على صفقة أسلحة تركية بـ52 مليون دولار، ووقع اتفاقية عسكرية تقول صحف غربية إنها تتسم بالغموض.

وخلال الزيارة أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستوفر “كافة أنواع الدعم” لأديس أبابا.

في أكتوبر تشرين الثاني الماضي، قالت صحيفة لوموند الفرنسية إن أنقرة تعزز نفوذها في إثيوبيا عبر التعاون العسكري مع آبي أحمد، مشيرة إلى تصريح سابق للسفيرة التركية لدى أديس أبابا قالت فيه إن بلادها ترى في إثيوبيا امتدادًا للشرق الأوسط.

وكالة رويترز أيضًا تحدثت بيع أنقرة طائرات مسيرة لآبي أحمد، وقالت إن القاهرة طلبت من دول الولايات المتحدة ودول غربية أخرى التدخل لمنع أنقرة من بيع طائرات بيرقدار المسيّرة لأديس أبابا.

وقالت لوموند إن طائرة شحن غير عادية من تركيا هبطت في 20 أغسطس آب بالقاعدة العسكرية الإثيوبية في هرار ميدا لتفريغ حمولتها.

وفي نفس الشهر، أوقفت الحكومة الإثيوبية كافة المدارس والمؤسسات الفكرية التابعة للداعية التركي فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير انقلاب 2016 الفاشل.

وقد مكّنت الحكومة الإثيوبية نظيرتها التركية من كافة المؤسسات التابعة لغولن بعد وقف نشاطها عبر وضعها تحت تصرف مؤسسة “معارف” التابعة للحكومة التركية.

هذا الحديث، يعني أن الحرب الإثيوبية قد تكون في بدايتها ما لم تتمكن واشنطن من إقناع، أو إجبار الجميع، على وضع السلاح والجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ما الذي يحدث حاليًا؟

إثيوبيا بلد مهم، هذا ما قالته المندوبة الأميركية في الولايات المتحدة أمام مجلس الأمن. لكنها تتجه نحو الفتكك، كما تقول مجلة “فورين أفيرز“.

في الخامس من الشهر الجاري، نشرت فورين أفيرز مقالًا مطولًا عن الحرب الإثيوبية خلصت فيه إلى أن البلد الكبير لن ينجو من التفكك غالبًا، حتى لو توقف القتال.

وترى المجلة أن غياب هوية موحدة لإثيوبيا والخلاف الشديد بشأن من يحكم وكيف يمكنه أن يستمر، يجعل نجاة إثيوبيا من التفكك أمرًا صعبًا.

من السهل جدًا رؤية الانقسامات في إثيوبيا على أنها نتيجة حتمية للحجم الهائل للبلاد وتنوعها الإثني، فإثيوبيا هي البلد الـ27 في العالم من حيث المساحة ويعيش فيها أكثر من 80 مجموعة عرقية مختلفة.

لكن لا الجغرافيا ولا الديموغرافيا هما قدر إثيوبيا؛ فالقادة الإثيوبيون المتعاقبون أثاروا التوترات العرقية والمناطقية، وحكم كل منهم بطريقة أعطت مجتمعًا واحدًا على الأقل سببًا للشعور بالظلم.

وعلى مدى العامين الماضيين، ازدادت حدة الانقسامات في إثيوبيا بسبب انتشار خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي.

هناك 13 مجموعة عرقية مختلفة على الأقل تطالب حاليًا إما بمزيد من الحكم الذاتي أو الانفصال الذي يكفله الدستور.

لكن تلبية هذه المطالب صعبة للغاية، على سبيل المثال، تطالب مناطق مثل تيغراي وأمهرة بأجزاء من أراضي بعضها البعض وقد ظلت عالقة في نزاعات حدودية طويلة الأمد.

وهناك نزاعات أخرى أكثر تعقيدًا تجري بين سكان الإقليم الواحد مثل إقليم سيداما حول الانفصال أو الوحدة.

هذه الأمثلة تؤكد الصعوبة الهائلة في إدارة الفسيفساء العرقية المعقدة في إثيوبيا والحاجة الملحة إلى رؤية موحدة إذا كان للبلاد أن تنجو من التفكك، كما تقول إيكونوميست.

ورغم الحديث عن احتمالية إطاحة الجيش الحكومي برئيس الوزراء، لإنهاء الحرب بأقل الخسائر، فإن الحسابات الخاصة لكل طرف، ستحلق نزاعًا جديدًا، خصوصًا على مسألة تقاسم السلطة، ويظل السؤال المهم جدًا هو: من الذي سيحكم؟ وكيف؟