وثائق النكبة.. حرب “إسرائيل” الصامتة ضد الفلسطينيين

يوسف حسني- القاهرة

أفرجت السلطات الإسرائيلية مؤخرًا عن وثائق تتعلق بفترة النكبة (1948-1949)، التي تتعامل معها تل أبيب بكثير من الصرامة؛ كونها “حساسة للغاية” أو “غير سارة” للإسرائيليين.

وجاء الإفراج عن هذه الوثائق، جاء استجابة لطلب من معهد “أكيفوت” الإسرائيلي الذي يبحث في الأسباب الحقيقية للصراع أملًا في إيجاد أرضية منطقية لتسويته.

يقوم المعهد بإعداد أبحاث تعتمد بالأساس على تثبيت الروايات الحقيقية للتاريخ وتفنيد الكاذبة منها، أملًا في إيجاد حلول موضوعية للنزاع التاريخي طويل الأمد.

لطالما دأبت دولة الاحتلال على ترديد روية كاذبة أو مشوهة على الأقل فيما يتعلق بأسباب النزاع، وتبنت سياسة صارمة جدًا إزاء كل ما يتعلق بذكرى النكبة.

ولا يقف الأمر عند حد دمغ الكثير من الوثائق والتقرير بـ”السرية”، لكنه تحول بدابة الألفية إلى العمل على إخفاء هذه الوثائق، حسب ما كشفته صحيفة “هآرتس” في وقت سابق.

لقد طردت العصابات اليهودية المسلحة الفلسطينيين من أرضهم بطريقة انطوت على جرائم حرب وقتل وتعذيب ونهب للممتلكات واغتصاب.

لكن إسرائيل تخشى أن تنال هذه الحقائق من صورتها الخارجية، كما تقول.

تل أبيب بدأت قبل عقدين عملية إخفاء ممنهجة للعديد من الوثائق المتعلقة بأحداث النكبة.
                                                        معهد "أكفيوت" الإسرائيلي

تتحصن تل أبيب خلف جبل مرتفع من الحجج كي لا تفرج عن وثائق النكبة. وبغض النظر عن صدقية هذه الحجج إلا أنها في النهاية تؤكد أن لدى إسرائيل ما تخشى كشفه أمام العالم.

يمنح قانون “المحفوظات” الإسرائيلي الحكومة الحق في عدم الكشف عن الوثائق الموجودة في أرشيفها لفترات تبدأ من 15 عامًا وتصل إلى 90 عامًا، بحسب محتوى الوثيقة ومصدرها.

وتعتبر وثائق جهازي الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك) والمخابرات (الموساد) الأكثر خضوعاً للسرية.

ثمة وثائق تعتقد تل أبيب أنها تهدد أمنها القومي أو علاقاتها الخارجية، ومن ثم يمكن تمديد فترة سرية هذه الوثائق. كما إن بعض الوثائق لم يتم الإفراج عنها حتى لا تصدم الإسرائيليين.

لقد ترك عشرات آلاف الفلسطينيين منازلهم وبلادهم هربًا من المجازر التي كان اليهود يرتكبونها على مقربة منهم قبل 1948.

نتيجة ذلك، لجأ هؤلاء إلى دول عربية مجاورة وإلى الضفة الغربية وقطاع غزة تاركين ممتلكاتهم وأوراق ملكيتها.

ومنذ ذلك الحين، ترفض إسرائيل عودة هؤلاء الفلسطينيين إلى أراضيهم، وترفض أيضًا الاعتراف بوقوع مجازر أو هدم قرى فلسطينية.

عشرت آلا الفلسطينيين قروا من المذابح التي ارتكبها اليهود إلى دول مجاورة
العديد من الوثائق السرية تتعلق بجرائم ارتكبتها عصابات الهاغاناه اليهودية بحق المدنيين الفلسطينيين خلال النكبة

وثائق محظورة

ثمة وثائق أخرى تفرض عليها حكومة الاحتلال رقابة صارمة، ويطالب معهد “أكيفوت” بنشرها؛ لأنها تتعلق بملفات الأقليات في الفترة بين 1948 و1949.

تتناول هذه الوثائق عمليات طرد المواطنين الفلسطينيين من أرضهم، وقد رُفعت السرية عن 40 فقط من أصل 80 وثيقة تتعلق بتلك الفترة.

مكتب رئيس وزراء الاحتلال قال إن عدم الكشف عن بقية الوثائق يعود إلى أنها توثق طرد العرب ومصادرة ممتلكاتهم وأعمال وحشية ارتكبت بحقهم من قبل الجنود (عصابات اليهود).

من بين هذه الوثائق تقرير “ريفتين” للعام 1948، الذي يحمل نتائج تحقيق أجري بطلب من ديفيد بن غوريون للتحقق من سلسلة حوادث مقلقة أثارت شكوكًا حول ارتكاب عصابات “الهاغاناه”، جرائم قتل وتعذيب ونهب واغتصاب خلال فترة النكبة.

عصابات الهاغاناه، هي النواة التي تحولت لاحقًا إلى الجيش الإسرائيلي الحالي.

واحدة من تلك الوثائق التي ترفض تل أبيب الإفراج عنها، تحمل اسم  “دراسة اللاجئين للعام 1964″، وهي تتعلق أساسًا بالأسباب التي دفعت كثيرًا من اللاجئين الفلسطينيين للهروب سنة 1948.

تقول حكومة الاحتلال إن محتوى هذه الدراسة قد يؤثر على أي مفاوضات مستقبلية مع الفلسطينيين، وربما تؤثر على قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن قضايا جوهرية تتعلق باللاجئين (حق العودة).

عشرت آلا الفلسطينيين قروا من المذابح التي ارتكبها اليهود إلى دول مجاورة
عشرات آلاف الفلسطينيين هربوا من المجازر التي ارتكبها اليهود إلى دول مجاورة

توثيق المذابح

صباح التاسع من أبريل نيسان 1948، هاجمت مجموعة مسلحة من تنظيمي “إتسل- إرغون” و”ليحي” الصهيونيين السريين، قرية دير ياسين، فقتلوا نحو 300 رجل وامرأة وطفل ومسن، بمساعدة “الهاغاناه”.

على مدار سنوات، رفضت تل أبيب الإفراج عن الوثائق المتعلقة بهذه المذبحة، كونها تتضمن صورًا مروعة للضحايا.

في عام 2000 أصدر المدعي العام الإسرائيلي قرارًا مفاده أن “لا حاجة لرفع السرية عن الوثائق المتعلقة بـ”دير ياسين” المؤلمة عاطفيًا.

في العام 2007، قالت لجنة وزارية إسرائيلية مخولة بنشر المواد الأرشيفية، إن القضايا المتعلقة بعلاقات تل أبيب الخارجية والمتربطة أساسًا بأحداث 1948، لم يتم حلها فضلًا عن أن الصراع ككل لم ينته حتى الآن.

في العامين 2010 و2017، رفضت تل أبيب مجددًا طلبين تقدم بهما معهد “أكفيوت” للإفصاح عن 39 ورقة من محاضر  جلسات الحكومة التي عقدت بين 1948 و1949.

وتشير هذه الصفحات، بحسب المعهد، إلى عمليات قتل وتهجير ونهب واغتصاب ارتكبها جنود يهود بحق الفلسطينيين.

هناك أيضًا 10 وثائق أخرى في أرشيف جيش الاحتلال تعود للعام 1948، وتخضع لرقابة صارمة جدًا؛ ولا يزال مضمونها مجهولًا حتى اليوم.

عملية إخفاء الوثائق انطلقت بهدف تقويض محاولات إثبات حق العودة؛ لأن الرواية المدعومة بوثيقة أصلية أقوى من رواية لا يمكن نفيها أو إثباتها.


يهيل جوريف، قائد إدارة الأمن السري (1987-2007)، الذي أطلق هذه عملية إخفاء وثائق النكبة.

قيل إن واحدًا من هذه الملفات يحوي موادًا “قد تضر بسمعة الجيش وتكشف صورته كقوة احتلال لا أخلاقية”.

تقرير “يعقوب شمشمون شاييرا” للعام 1948، بقي هو الآخرطي الكتمان هو الآخر حتى لا يضر بعلاقات دولة الاحتلال الخارجية.

ويحتوي هذا التقرير معلومات تتعلق بالخسائر البشرية التي لحقت بالفلسطينيين في الجليل وجنوب فلسطين، على يد اليهود.

هذه الخسائر بحسب تقرير يعقوب شمشمون، وقعت على يد جيش الاحتلال وعصابات الهاجاناه بما يخالف قوانين الحرب.

عشرت آلا الفلسطينيين قروا من المذابح التي ارتكبها اليهود إلى دول مجاورة
نحو 300 مدني بين طفل وشيخ وامرأة قتلوا في مذبحة دير ياسين

تضليل داخلي

يقول معهد “أكفيوت” إن مواصلة حجب هذه الوثائق يستند بالأساس إلى اعتبارات سياسية مضللة وغير واقعية ولا مشروعة. 

المدير التنفيذي للمعهد ليور يافني يقول إن السبب الحقيقي في حجب الوثائق هو تضليل الإسرائيليين وترويج رواية مشوهة لأحداث النكبة ونشوء دولة إسرائيل.

على الرغم من ذلك، فإن أكفيوت يرى أن حجب الوثائق التاريخية هو الذي يشوه سمعة إسرائيل ويضر بالنقاش العام في الداخل.

إسرائيل لا تحجب هذه الوثائق خوفًا على العلاقات الخارجية وإنما على العلاقات الداخلية، كما يقول يافني، مؤكدًا أن قانون الوثائق صُمم لحماية رواية رسمية مشوهة وعقيمة عن أصل الصراع.

إخفاء الوثائق

في يوليو تموز 2019، نقلت صحيفة “هآرتس”، عن معهد أكفيوت، أن تل أبيب بدأت مطلع الألفية عملية إخفاء ممنهجة لوثائق تتعلق بالكنبة.

وقال المعهد إن فرقًا من وزارة الجيش بدأت تجوب الأرشيف الإسرائيلي لإخفاء وثائق متعلقة ببرنامج إسرائيل النووي وفترة النكبة وعلاقات تل أبيب الخارجية.

هذه الوثائق كما يقول أكفيوت يتم وضعها في قبو سري ضمن جهد حكومي منظم لإخفاء أدلة النكبة.

وتخضع هذه العملية لإشراف إدارة الأمن السرية التابعة لوزارة الجيش الإسرائيلي، وهي إدارة يحظر الكشف عن أنشطتها.

وقد أزالت هذه الإدارة العديد من الوثائق المتعلقة بالنكبة بطريقة غير مشروعة ودون وجود سلطة قانونية تخولها القيام بذلك.

وفي حالات قليلة، لم تقم الإدارة بإخفاء الوثائق لكنها حظرت كشفها رغم وجود قرار من الرقابة العسكرية بالإفراج عنها.

يقول أكفيوت إن بعض هذه الوثائق التي تم حظرها ووضعها في خزائن، كانت قد نشرت فعليًا.

بناء على ما قاله أكفيوت، فقد قامت إدارة الأمن السري بإخفاء شهادات جنرالات في جيش الاحتلال حول قتل المدنيين الفلسطينيين وهدم قراهم.

كما قامت الإدارة بإخفاء وثائق تتعلق بطرد البدو خلال العقد الأول من نشأة دولة الاحتلال (1948-1958).

في هذا الصدد، نقلت هآرتس عن يهيل جوريف، الذي قاد إدارة الأمن السري لعقدين كاملين (1987-2007)، أنه هو من أطلق هذه عملية إخفاء الوثائق هذه.

وقال جوريف إن العملية ما زالت مستمرة، معتبرًا أنه من المنطقي إخفاء كل ما يتعلق بأحداث 1948؛ لأن كشفها قد يولد اضطرابات في صفوف فلسطينيي الداخل الإسرائيلي.

وتهدف عملية الإخفاء بحسب جوريف إلى تقويض مصداقية الرواية التاريخية المتعلقة بمشكلة اللاجئين وحق العودة.

وقد توصلت هآرتس إلى وثيقة كتبها أهارون كوهين، وهو عضو اللجنة المركزية لحزب “مابام”، وعي وثيقة تقوم بالأساس على إحاطة قدمها في نوفمبر تشرين الثاني 1948 إسرائيل جليلي، رئيس الأركان السابق لمليشيا الهاغانا، الجيش الإسرائيلي لاحقًا.

في تلك الوثيقة، كتب كوهين، إنه تم توقيف 52 رجلًا في في قرية صفصاف القريبة صفد، شمالي فلسطين، وقُيّدوا بعضهم ببعض، وحفرت لهم حفرة ثم أطلقوا (الإسرائيليون) النار عليهم.

عشرة من هؤلاء، يضيف كوهين في وثيقته، كانوا ينازعون الموت، وجاءت نساء يتوسلن رحمتهم (الإسرائيليين) دون جدوى.

ويضيف كوهين “عُثر على جثث ستة رجال مسنين، كانت هناك 61 جثة و3 حالات اغتصاب، إحداها شرق مدينة صفد لفتاة تبلغ من العمر 14 عامًا”.

كما قُتل أربعة رجال بالرصاص، أحدهم تم قطع أصابعه بسكين لأخذ خاتمه، كما يقول كوهين.

يقول جوريف “إن عملية إخفاء الوثائق تهدف لتقويض الجهود الرامية لإثبات حق العودة؛ لأن الرواية المدعومة بوثيقة أصلية أقوى من رواية لا يمكن نفيها أو إثباتها”.

صحيفة هآرتس نقلت عن المؤرخة تمار نوفيك أنه “لا يوجد اسم في الوثيقة المتعلقة بمجزرة قرية الصفصاف، وليس من الواضح من يقف وراءها”.

وتضيف نوفيك أنه تم نزع أوراق من الوثيقة، في المنتصف، الأمر الذي أزعجها كثيرًا، حسب قولها.

تقول نوفيك “كنت أعرف حقيقة أنني إذا وجدت مثل هذه الوثيقة تضعني في مسؤولية توضيح الأمر”.

في أبريل نيسان من هذا العام، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ترتكب جريمة الفصل العنصري بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وشرقي مدينة القدس المحتلة.