آخرها “الشارقة- مرسين”.. هؤلاء جميعًا حاولوا منافسة “قناة السويس”

يوسف حسني

أعلنت السلطات الإيرانية يوم الأربعاء فتح طريق (الشارقة- مرسين) التجاري الجديد الذي يربط بين الإمارات و تركيا، بشكل تجريبي، وهو طريق يسعى للحد من مكانة قناة السويس المصرية.

ونقلت وكالة “مهر” الإيرانية عن مدير عام مكتب العبور والشحن في هيئة الطرق والمواصلات محمد جواد هداياتي، أن تجربة الطريق الجديد جرت قبل شهر تقريبًا.

وقال هداياتي إن التجربة تمت عبر شاحنتين من الإمارات إلى تركيا عبر حدود بازركان، للتأكد من جدوى الطريق الاقتصادية.

ترامن الإعلان مع زيارة مثيرة للجدل يجريها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد إلى العاصمة التركية أنقرة، تلبية لدعوة الرئيس التركي، وهي الأولى منذ عشر سنوات.

السلطات الإيرانية قالت إن أول شحنة تجارية من الإمارات إلى تركيا عبرت الأراضي الإيرانية، يوم الأربعاء، أي مع وصول بن زايد إلى أنقرة.

الطريق الجديد يختضر المسافة إلى 8 أيام بدلًا من 20 يومًا تستغرقها البضائع التي تنقل عبر قناة السويس.

في الرابع عشر من الشهر الجاري، قالت صحيفة “إندبندنت” الناطقة بالتركية أن مشروع (الشارقة- مرسين)، سيكون على رأس مباحثات بن زايد مع الرئيس رجب طيب أردوغان.

وتحدثت تقارير عن زيارة مرتقبة سيجريها مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، إلى طهران، لمناقشة عبور البضائع الإماراتية إلى أوروبا.

أحد أهم ممرات العالم

على مدار عقود طويلة، كان البحث عن ممر ملاحي بديل لقناة السويس أحد أكثر شواغل الدول التي تفكر جديًّا في تحييد مصر سياسيًّا واقتصاديًّا.

كانت إسرائيل في مقدمة المهتمين بهذا الأمر، لكن دولًا أخرى مثل تركيا وروسيا وإيران، وأخيرًا الإمارات لم تكن بعيدة عن الفكرة.

تعتبر قناة السويس الرابطة بين البحرين الأحمر والمتوسط، أحد أهم الممرات المائية العالمية، فهي تنقل نحو 30 بالمئة من مجمل الحاويات ونحو 12 بالمئة من مجمل السلع عالميًا.

في أبريل نيسان 2021، قالت صحيفة وول ستريت جورنال إن قناة كانت على مدار التاريخ مصدر فخر المصريين وسببًا في احتكاكهم بالقوى الأجنبية أيضًا.

قناة السويس أيضًا أحد أهم خمسة مصادر مستدامة للدخل القومي المصري من العملات الصعبة بعائدات سنوية وصلت إلى أكثر من 5.6 مليار دولار خلال العام الماضي.

ويمكن القول إن القناة تشكّل أحد أبرز القطاعات التي تساعد مصر على تحقيق طموحاتها التنموية ومواجهة أزماتها الاقتصادية؛ فعائدات القناة مستقرة مقارنة بعائدات السياحة والسفر والاستثمار الأجنبي وقطاعات أخرى عرضة للتأثر السريع بالأزمات على غرار أزمة جائحة كورونا.

يعكس استقرار العائدات حقيقة أن قناة السويس هي أحد أهم الممرات المائية العالمية وأكثرها أمانًا للسفن والحاويات التي تشكل أهم وسيلة لنقل السلع والبضائع إلى مختلف الأسواق.

ويشكل المرور عبر القناة 10 إلى 15 بالمئة من مجمل السلع التي تنقلها الحاويات إلى مختلف أنحاء العالم. وتضم السلع والبضائع المارة كل ما يخطر على البال من مصادر الطاقة والمواد الأولية والوسيطة والسلع الجاهزة والحيوانات الحية وغيرها.

أما وجهتها الأساسية غربًا فهي أسواق أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا.

وعلى صعيد الشرق فإن معظم السلع تتوجه عبر القناة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول شرق وجنوب آسيا الأخرى.

وعندما جنحت السفينة إيفرغيفن في القناة خلال مارس آذار 2021، قدّرت خسائر الشركات العالمية بـ9.6 مليارات دولار يوميًا، بواقع 400 مليون دولار كل ساعة.

محاولات مستمرة لتهميش قناة السويس

خلال السنوات الماضية بدأت بعض الدول حراكًا لتأسيس ممرات بديلة للقناة المصرية أو تطوير ممرات موجودة فعليًا، غير أن هذه الأحاديث لم تصل يومًا إلى مرحلة التنفيذ.

توفر قناة السويس، التي يبلغ طولها 193 كيلومترًا، ما بين 5 إلى 15 يومًا في المتوسط، من وقت الرحلة عبر الطرق الأخرى مثل طريق “رأس الرجاء الصالح” البحري الذي يربط بين آسيا وأفريقيا عبر الدوران حول أفريقيا.

بحسب بيانات من مجلة “لويدز ليست” المختصة بالشحن، تقدر حركة المرور المتجهة غربًا عبر القناة بحوالي 5.1 مليار دولار يوميًا، فيما تقدر حركة المرور المتجهة شرقًا بحوالي 4.5 مليار دولار.

لكن حادثة جنوح السفينة العملاقة “إيفر غيفن”، وما تبعه من أحاديث وقرارات، كشفت رغبة فعلية لدى أطراف عديدة لإنشاء قنوات بديلة.

طموحات إسرائيلية

بعض الخبراء، اعتبروا أن الانفجار الهائل الذي دمَّر مرفأ بيروت في أغسطس آب 2020، ثم حادث جنوح “إيفر غيفن” في قناة السويس، كانا جزءًا من عملية تهيئة العالم للقبول بعمل ممرات بديلة، غالبًا ستكون عبر “إسرائيل”.

في 27 مارس آذار 2021، نشر موقع “إنسايدر” مذكرة تفيد بأن الولايات المتحدة درست في ستينيات القرن الماضي مقترحًا لصنع بديل عن قناة السويس عبر إسرائيل.

وكانت الخطة التي اعدت عام 1963، ورفعت عنها السرية عام 1996، تعتمد على استخدام 520 قنبلة نووية لشق قناة البحر الميت عبر صحراء النقب وبطول 160 ميلًا عبر إسرائيل.

وقالت المذكرة إن “مثل هذه القناة ستكون بديلًا استراتيجيًا قيمًا عن قناة السويس الحالية، وربما تسهم بشكل كبير في التنمية الاقتصادية”.

منذ توقيع اتفاقات التطبيع مع الإمارات والبحرين العام الماضي، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن خطط لنقل النفط الخليجي عبر موانئ إسرائيل، وأخرى لعمل سكة حديدية بين دولة الخليج و”تل أبيب”، وكلها أمور تصب في صالح تهميش قناة السويس.

في أكتوبر تشرين الأول الماضي، وقَّعت شركة خطوط الأنابيب الأوروبية الآسيوية (EAPC) مذكرة تفاهم مع الحكومية الإسرائيلية وشركة “MED-RED Land Bridge Ltd” ومقرها الإمارات، للتعاون في مجال نقل النفط الخام والمنتجات النفطية من الخليج إلى الأسواق الغربية عبر خط أنابيب لنقل النفط بين مدينة إيلات على البحر الأحمر وميناء عسقلان على البحر المتوسط.

وقد تحدثت صحيفة “غلوبس” العبرية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية، عن قيام مسؤولين إسرائيليين بإجراء محادثات في الإمارات بهدف إنشاء خط نفطي يربط الخليج بأوروبا عبر إسرائيل والسعودية.

ويهدف المشروع، بحسب الصحيفة، لنقل الخام من الخليج إلى السوق الأوروبية، إنشاء خط أنابيب بين إيلات وعسقلان، على أن يجري نقل النفط من دول الخليج عبر ناقلات لميناء إيلات، ثم عبر خط الأنابيب بين إيلات وعسقلان، كبديل لقناة السويس.

وقد أبدى رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، قلق مصر من هذه الاتفاقات وقال في تصريحات صحفية إن ما يجري هو “مؤامرة” تهدف لسحب حركة النقل من القناة المصرية.

كما اقترحت إسرائيل مساعدة الإمارات في بناء خط أنابيب بري يمتد عبر السعودية والأراضي المحتلة لتصدير الخام من الموانئ الإسرائيلية إلى أوروبا وأميركا اعتمادًا على البنية التحتية الحالية لشركة خط أنابيب عسقلان إيلات المحدودة (EAPC)، بحسب “غلوبس”.

مثل هذه الخطة، بحسب غلوبس، سوف تفيد إسرائيل ماليًا وستوفر على دول الخليج الوقت والنفقات من خلال تجاوز الطرق البحرية الخطرة وقناة السويس المكلفة.

والعام الماضي، غيرت شركة “EAPC”، معنى الاختصار الخاص باسمها لتصبح شركة “Europe Asia Pipeline Co”، (أسيا بدلًا من الأطلسي)، ليعكس خطتها الحالية مد خط أنابيب عسقلان- إيلات، بمسافة 700 كيلومترًا باتجاه جنوب شرق إسرائيل لتربطها مع مصافي النفط في السعودية.

ويمكن أن يمر خط الأنابيب هذا برًّا أو تحت مياه البحر الأحمر، بالرغم من احتمال وجود اعتراضات من دعاة حماية البيئة، كما تقول غلوبس.

في نوفمبر تشرين الثاني الجاري، أوقفت وزارة البيئة الإسرائيلية المشروع لأسباب تتعلق بآثاره البيئية على شواطئ إسرائيل.

طريق شمال-جنوب

في العام 2016، عقد رؤساء روسيا وإيران وأذربيجان اجتماعًا ثلاثيًا في العاصمة الأذربيجانية باكو، ناقشوا خلاله إنشاء ممر دولي يربط بين الشمال والجنوب، كمنافس لقناة السويس.  

ويبلغ طول الممر 7200 كلم، ويربط شمال أوروبا بالهند، ودول الخليج عبر إيران، وروسيا وأذربيجان.

هذا الطريق المأمول، هو تطوير لطريق “بحر الشمال” الروسي الحالي، الذي يربط بين المحيطين الهادي والأطلسي، ويمتد على طول ساحل القطب الشمالي الروسي من بحر بارنتس، بمحاذاة سيبيريا، إلى الشرق الأقصى.

 ويعبر هذا الطريق بحر الشمال بمحاذاة سيبيريا إلى الشرق الأقصى الروسي على الحدود مع اليابان وكوريا، وقد صار متاحًا أمام حركة الملاحة البحرية مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي وتعزيز روسيا أسطولها من الكاسحات التي تشق الجليد وتقود السفن حتى المياه الدافئة.

في السابق، كان يمكن الإبحار عبر هذا الطريق طوال شهرين فقط في السنة، هما فترة ذوبان الجليد في القطب الروسي الشمالي.

في 3 أكتوبر تشرين الثاني 2016، نشرت صحيفة “فيستنيك كافكازا” الروسية، تقريرًا قالت فيه إن المشروع المقترح سيكون أحد أكبر مشاريع النقل في العالم.  

وقال موقع “ديبلومات”، ومقره واشنطن، سيقلص هذا الممر، تكاليف النقل بين الهند وروسيا بنحو 30 بالمئة، كما سيقلل الزمن الذي تستغرقه الرحلة بنحو 40 بالمئة، مقارنة بالطرق التقليدية.  

ويبدأ المشروع بطريق بحري، يصل الموانئ الهندية، وفي مقدمتها مومباي، بالموانئ الإيرانية، ليتحول إلى طريق بري سريع يوازيه خط سكة حديد، لنقل البضائع من الموانئ الإيرانية إلى روسيا، عبر أراضي أذربيجان، والمسار نفسه بالعكس من روسيا إلى إيران كذلك، على أن يضاف خط آخر ينقل البضائع بين موانئ كل من إيران وأذربيجان وروسيا في بحر قزوين.

ومن المخطط أن يرتبط بالخط الرئيسي للممر خطوط فرعية تخترق وسط آسيا وشرق أوروبا، قبل وصول الممر إلى سانت بطرسبرغ، ومنها إلى الأسواق الأوروبية برًّا وبحرًا، الأمر الذي يزيد من أهمية المشروع الاقتصادية والاستراتيجية.  

يقول مروجو المشروع إن قناة السويس المصرية من أكبر المتضررين من المشروع، حيث تمر بها البواخر التجارية نحو الجزء الشمالي والغربي من الكرة الأرضية، إضافة إلى عدن اليمنية وجدة السعودية، التي تمثل محطات مهمة على طرق التجارة البحرية.

المشروع سيضر أيضًا بموانئ أوروبية جنوبية، شكلت نقاط تجمع للبضائع، في عملية التبادل التجاري بين أوروبا وكل من آسيا وإفريقيا.  

لكن خبراء يقولون إن هذه المشروعات ليست قابلة لمنافسة قناة السويس التي تمتلك طبيعة تساعدها على العمل طوال العالم، بينما هذه المشروعات تقع في مناطق تواجه ظروفًا استثنائية تجعلها عرضة للتعطل بشكل مستمر.

عندما اجتمع قادة روسيا وإيران مع الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، في باكو، عام 2016، كانت الخرائط الرسمية المنشورة للمشروع على موقعه الرسمي، تسعى لتجنب عبور الممر في أراضي أذربيجان أو مياهها الإقليمية من بحر قزوين، الأمر الذي يعني عبورها في المياه التركمانية والكازاخية، قبل دخولها المياه الروسية، وهو الأمر الذي سيتغير بعد التوقيع على اتفاقيات تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث في باكو.

لم تكن أذربيجان عضوًا أساسيًّا في المشروع حتى مراحل متأخرة، فتاريخ توقيع الاتفاقية بين إيران والهند وروسيا يعود إلى 16 مايو أيار عام 2002، إلا أن تنفيذه تأخر لعدة أسباب.

كان أهم هذه الأسباب العقوبات الدولية على طهران، وفقدان الحلقة الواصلة بين إيران وروسيا، والمتمثلة بتركمانستان أو أذربيجان، فقد رفضت الأولى المشاركة، بينما شهدت علاقات كل من طهران وموسكو توترًا مع باكو، بالرغم من مباركة الأخيرة للمشروع مبكرًا.

إلى جانب تحفُّظ تركمانستان، ساهمت مشاركة دول تشكل ضمانات لدور باكو، أهمها تركيا (التي كانت تناهض النظام السياسي المصري آنذاك)، في تشجيع الدول الرئيسية على المضي قدمًا في إقحام أذربيجان في المشروع.

ترى موسكو وطهران أن المشروع سيعمل على تعزيز علاقاتهما، وأنه سيحقق أيضًا أهدافًا أخرى لهما على المستويين السياسي والاقتصادي.

فبالنسبة لروسيا، سيعزز المشروع سيطرتها على الأسواق الأوروبية، ويمنحها قدرة أكبر على منافسة الدور الصيني المتنامي في وسط آسيا.

أما إيران، فسوف يكسر المشروع إلى حد كبير العزلة التي فرضتها العقوبات الدولية عليها طيلة عقود، ويزيد من قدرتها على خلق وتعزيز التحالفات واستثمارها في صراعاتها التي تخوضها في الشرق الأوسط.

وقد وقَّع على المشاركة في مشروع ممر “شمال-جنوب”، إلى جانب دول الخط الرئيسي، كل من: تركيا، أرمينيا، عمان، كازاخستان، طاجيكستان، قرغيزستان، أوكرانيا، وبيلاروسيا، بالإضافة إلى بلغاريا كعضو مراقب، حيث ستمتد طرق متفرعة من الخط الرئيسي إلى تلك الدول.

وسيكون المشروع المخصص للنقل بطول 7200 كيلومتر، وحاليًا تمر بضع مئات من السفن سنويًا في ممر الشمال الرابط بين المحيطين الهادي والأطلسي في الجزء الخالي من الجليد بالقطب الشمالي الروسي، بمحاذاة سيبيريا.

ربط ممر الشمال بطريق الحرير

 في أبريل نيسان 2019، دعا الرئيس الروسي الدول المشاركة في منتدى “حزام واحد، طريق واحد” الذي عقد في بكين، للانضمام إلى مشروعي الطريق البحري الشمالي وطريق الحرير، مشيرًا إلى أهمية هذا الربط. 

وقال بوتين إنه يولي اهتمامًا كبيرًا لتطوير الطريق البحري الشمالي، وإنه نفكر في إمكانية ربطه بطريق الحرير الصيني؛ بغية خلق طريق نقل عالمي وتنافسي، يربط شمال شرق، وشرق وجنوب شرق آسيا بأوروبا.

هذا المشروع الضخم، برأي بوتين، يعني قيام تعاون وثيق بين دول أوراسيا لزيادة حركة الترانزيت وبناء محطات استقبال البضائع والحاويات في الموانئ وكذلك المراكز اللوجستية.

قناة اسطنبول

قبل سنوات، دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، صراعًا مع المعارضة بسبب إصراره على شق “قناة اسطنبول“، التي يقول خبراء إنها ستكون أكبر مشاريعه القومية، وإنها تفوق بكثير مشروع مطار اسطنبول ونفق البوسفور. 

وخلال أزمة تعطل الملاحة بقناة السويس، وافقت الحكومة التركية فعليًا على المشروع، الذي سبق أن قال الرئيس إنه سيتم سواءً رضيت المعارضة أم لم ترض. 

وسيتم بناء القناة الصناعية غرب المدينة التركية الشهيرة، بطول 45 كيلومتر، بموازاة البوسفور لتربط البحر الأسود ببحر مرمرة؛ بهدف التخفيف من حركة السفن الكثيفة في البوسفور وتفادي وقوع حوادث، كما أعلنت دوائر حكومية.

وانطلقت أعمال التخطيط للمشروع، عام 2011، إلا أنها تجمدت طوال سنوات، قبل أن تعاود الحكومة الكشف مجددًا عن تلك المخططات.

وقال الرئيس التركي عام 2019، إن وزارة البيئة والبناء الحضري تحققت من التوافق البيئي لمشروع البناء، مشيرًا إلى أن النتيجة كانت “ايجابية”.

وتعول تركيا على الأهمية الاقتصادية للقناة، مع تزايد التجارة البحرية الدولية، وقد أوضح وزير المواصلات التركي أن المتوسط السنوي لحركة مرور السفن في مضيق البوسفور يتراوح بين 40 و42 ألف سفينة، علمًا أن طاقة المضيق الاستيعابية تبلغ 25 ألف سفينة سنويًا فقط.

وقال الوزير التركي إن السفن التي تستخدم مضيق البوسفور تنتظر لمدة أسبوع تقريبًا، وهذا الانتظار في الواقع مكلف بالنسبة للسفن وفرق ضمان سلامة الملاحة البحرية”.

وحذر من أن كمية البضائع الخطيرة التي تمر عبر مضيق البوسفور، خاصة النفط، تجاوزت 150 مليون طن سنويًا.

ووقع الاختيار على ممر بطول 45 كيلومتر يبدأ من منطقة “كوجك جكمجة” ويمر من “صازلي دره” ويصل إلى “دوروصو” في الشطر الأوروبي بإسطنبول.

ويمر المشروع المرتقب بالقرب من مطار إسطنبول الجديد الذي يعتبر باكورة مشاريع أردوغان الكبرى والتي حافظ من خلالها على نجاحه في مجال الخدمات بالبلاد.

ومن المتوقع أن تصل تكاليفه إلى 65 مليار ليرة تركية (قرابة 17 مليار دولار أمريكي) وسيعمل فيه خلال مرحلة الإنشاء 6000 شخص، وقرابة 1500 في مرحلة التشغيل.

وسيتم إنشاء ميناء ومركز خدمات لوجستية على ضفتي القناة على البحر الأسود وبحر مرمرة.

ويقول خبراء ملاحة وحقوقيون إن المعضلة الأساسية التي تعاني منها تركيا هي القيود التي ما زالت مفروضة عليها بموجب اتفاقية “مونترو” التي وقعت عام 1936 وتهدف إلى تنظيم حركة السفن في أوقات السلم والحرب عبر البحر الأسود، بما يشمل المضائق التركية وخاصة مضيق البوسفور.

وقد أجبرت تركيا بموجب هذه الاتفاقية على عدم الحصول على رسوم مجزية عن مرور السفن عبر البوسفور باعتباره مضيقًا عالميًا. لذلك تفرض تركيا رسومًا رمزية مقابل “تنظيم مرور السفن من المضيق”.

ومضيق البوسفور طوله 29.9 كم، وتتمثل أهميته بأنه يمتد من البحر الأسود إلى بحر مرمرة، ويعد واحد من أبرز ممرات الملاحة البحرية في العالم. أما مضيق الدردنيل فهو ممر مائي تركي يربط بين بحري إيجه ومرمرة، ويعتبر أحد الممرات الاستراتيجية على الضفة الشمالية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

وتقول تقديرات تركية إنه إبان مناقشة اتفاقية “مونتيرو” كانت تمر عبر مضيق البوسفور 3 آلاف سفينة سنويًا فقط، في حين وصل العدد حاليًا إلى متوسط 50 ألف سفينة سنويًا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 65 ألف في عام 2030، وإلى 100 ألف عام 2050.

ومن خلال هذه الأرقام تتوقع تركيا أن تلجأ السفن التجارية إلى المرور من القناة الجديدة بدلاً من الاضطرار إلى الانتظار لعدة أيام في انتظار دورها للمرور من مضيق البوسفور.

وستكون الرسوم المفروضة على المرور من القناة الجديدة أقل من مصروفات انتظار السفن. وبالتالي يتوقع اقتصاديون أن تُدر القناة الجديدة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار سنويًا على خزينة الدولة.

معارضة تركية

لكن تنفيذ المشروع يلقى صعوبات، لأن ميزان القوى في مدينة البوسفور تغير في يونيو حزيران 2019، فمنذ ذلك الوقت يشغل الاشتراكي الديمقراطي أكرم إمام أوغلو، من حزب الشعب الجمهوري، منصب رئيس البلدية وبالتالي يتحكم في صندوق المدينة.

وأوغلو هو أول رئيس بلدية منذ 25 عامًا لا ينتمي لحزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه الرئيس التركي. ويعارض أوغلو مشروع القناة بقوة.

ووصف إمام أوغلو المشروع بأنه “خيانة لإسطنبول” واعتبره “مشروع اغتيال” ووعد بأن 16 مليون مواطن يسكنون المدينة “سيعارضون المشروع” .

ويعود رفض رئيس بلدية إسطنبول وكذلك سكان المدينة وعلماء بالأساس إلى تكاليف البناء الباهظة والتحفظات الكبيرة من ناحية البيئة.

ويهدد المشروع، بحسب خبير البيئة، دوغاناي تولناي، الأستاذ في جامعة إسطنبول؛ باستهلاك موارد مائية هامة؛ كون القناة تمر من منطقة تضم مخزون مياه المدينة.

وتهدد القناة أيضًا النظام البيئي المعقد للمنطقة، بحسب تولناي، الذي أار إلى أن الكثبان الرملية في شمال المدينة توجد بها غابات محمية وسيول ومراع مهمة بالنسبة إلى النظام البيئي وتحتضن مئات أنواع النباتات والحيوانات.

وحذر تولوناي، في تصريحات سابقة لوكالة الأنباء الألمانية، من تسبب المشروع في إخلال قوي بالنظام البيئي ستكون له عواقب اقتصادية، مشيرًا إلى أن الصيادين في البحر الأسود والمزارعين سيتحتم عليهم مغادرة المنطقة.

وتقول الحكومة إن تكلفة المشروع التي تصل لنحو 11.5 مليار يورو، وهي مبالغ سيتحملها دافعو الضرائب بحسب المعارضين في حين يضمن البوسفور ظروفًا جيدة لملاحة السفن ويوفر إمكانيات كافية للعبور.

ويحذر منتقدون من أن القناة قد يكون لها مفعول سلبي على خطوط الانفصال التكتونية الموجودة تحت أرض إسطنبول، ويقولون إن زلازل أكبر سيكون هو العاقبة.

لكن مكتب إدارة الكوارث والطوارئ فيعارض هذا الموقف بالقول إنه لا يوجد ارتباط بين مخاطر وقوع زلازل وإنشاء القناة.

رأس الرجاء الصالح

يظل طريق رأس الرجاء الصالح، هو الأكثر قدرة على منافسة قناة السويس، في حال تراجعت أسعار النفط، أو تراجعت مكانة النفط نفسه أمام مصادر الطاقة الأخرى.

فقد تحولت العديد من الناقلات إلى هذا الطريق خلال العام الماضي توفيرًا للنفقات بعدما تهاوت أسعار النفط إبان جائحة كورونا، وهو ما يمكن أن يتكرر مستقبلًا، وإن كانت مصر قدَّمت حوافز للمرور وصلت إلى خفض 50 بالمئة من رسوم المرور.

ومطلع مايو أيار الماضي، أعلنت هيئة قناة السويس عن تخفيضات وصلت إلى 17 بالمئة للسفن المشاركة في التجارة الأوروبية.

ووفقًا لدراسة جديدة أجرتها شركة “ألفالاينر”، وهي شركة متخصصة في الملاحة البحرية وعبور السفن، “فقد ارتفع عدد الحاويات، التي اختارت استخدام طريق رأس الرجاء الصالح وتجاوز قناة السويس، إلى أعلى مستوى تاريخي في وقت السلم، بما في ذلك 20 رحلة على الأقل من وإلى آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية”.

ويقول تحالف CMA-CGM الملاحي إن طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه أطول بنحو ثلاثة آلاف ميل بحري وتزيد تكلفة بعض الرحلات به إلى ما يصل إلى 200 ألف دولار، إلا أن رسوم عبور قناة السويس لا تزال تتراوح ما بين 400 ألف إلى 500 ألف دولار.

ويوضح التحالف أن أمورًا مثل تراجع أسعار النفط، الذي تستهلكه السفن، وغلق بعض الموانئ وتراجع الطلب الأوروبي، جعلت الوقت ليس عاملًا رئيسيًا لحسم اختيار الطريق البحري، بل النظر إلى التكلفة.

لا بدائل حقيقية

الدكتور خالد المعايطه مدير عام شركة موانئ العقبة بالأردن، يرى أنه لن يكون هناك بديل حقيقي لقناة السويس في منطقة الشرق الأوسط، مهما تعددت المبادرات سواء من جانب إسرائيل أو غيرها.

وفي حديث موقع قناة الجزيرة، قال المعايطة، إن التضاريس المحيطة بقناة السويس سهلة ومستوية؛ مما جعلها أقل كلفة من غيرها.

حتى لو حاولت إسرائيل شق قناة، فإن محاولاتها لن تنجح، وستكون ذات تكلفة عالية جدًا بالنظر إلى طبيعة التضاريس الوعرة، بحسب المعايطة.

وأضاف “التضاريس هناك (في إسرائيل) مختلفة تمامًا عن محيط قناة السويس، حيث التضاريس سهلة ومستوية”.

قناة السويس، كما يرى كثير من الخبراء والدراسات، قناة راسخة ومعروفة وأقل كلفة، والسفن التي ستختار المرور عبر رأس الرجاء الصالح ستعاني من ارتفاع التكلفة وعامل طول الزمن.

كما إن أي مشروعات للنقل بعيدًا عن المياه ستكون أكثر كلفة؛ لأن النقل المائي هو أرخص أنواع  النقل على الإطلاق.

ورغم أن العالم ربما يكون بحاجة إلى شق قنوات مائية تربط آسيا بأوروبا؛ إلا أن قناة السويس تظل الطريق الأمثل والأكثر سرعة والأقل كلفة، حتى الآن على الأقل.