السودان.. حمدوك يعود للسلطة باتفاق يشرعن إجراءات الجيش

الخرطوم | جو-برس

وقّع رئيس الوزراء السوداني المعزول عبد الله حمدوك يوم الأحد اتفاقًا سياسيًا يسمح له بتشكيل حكومة جديدة، لكنه يشرعن الإجراءات التي اتخذها الجيش أواخر الشهر الماضي.

وجاءت الخطوة بعد ثلاثة أسابيع من إطاحة قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بالحكومة المدنية برئاسة حمدوك، الذي خرج لتوّه من الإقامة الجبرية.

وأشعل الاتفاق غضبًا في الشارع السوداني، الذي اعتبر موافقة حمدوك على الاتفاق الجديد “خيانة” للثورة، التي أطاحت بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019.

وقال البرهان، الذي أعاد تشكيل مجلس السيادة الحاكم برئاسته، إن حمدوك سيرأس “حكومة تكنوقراطية مستقلة حتى يمكن إجراء الانتخابات”.

وقالت وكالة أسوشيتد برس الأميركية إن هذه الحكومة ستكون خاضعة لإشراف الجيش.

وأشاد حمدوك بالاتفاق واعتبره وسيلة لاستعادة الانتقال الديمقراطي الهش في البلاد. 

ومن غير الواضح ما إذا كانت الشروط الجديدة ستعزز الدعم الشعبي لحمدوك أم أنها ستبعده عن حركات الاحتجاج المؤيدة للديمقراطية في البلاد.

فقد تزامن الإعلان مع احتجاجات عارمة للمطالبة بإبعاد العسكريين عن الحكم وتسليم السلطة للمدنيين بشكل كامل.

وتشير ردّة الفعل الأولية على رفض الشارع لما قام به حمدوك، حيث خرجت الكثير من الأصوات للتأكيد على أنه “لم يعد يمثل إلا نفسه”.

عزز الاتفاق الجديد الانقسام الذي يضرب صفوف المدنيين، فيما تزال جبهة العسكريين متماسكة إلى حد كبير.

وقال حمدوك يوم الأحد “أعلم أن شبابنا لديهم القدرة على التضحية والعزم والتخلي عن كل ما هو ثمين. لكن دماء السودان ثمينة”.

اتفاق مبهم

وأضاف “دعونا نوقف إراقة الدماء ونوجه طاقات الشباب إلى البناء والتنمية”.

ووفقًا للجنة المركزية المستقلة للأطباء السودانيين، فقد قُتل 40 شخصًا في مظاهرات مناهضة للجيش منذ الاستيلاء على السلطة في 25 أكتوبر تشرين الأول.

وتتضمن الصفقة الجديدة ضمانات بالإفراج عن مسؤولين حكوميين وسياسيين محتجزين منذ الانقلاب.

وقال البرهان إن الجيش سيواصل دعم انتقال السودان إلى قيادة مدنية، مع إجراء الانتخابات المقررة في يوليو تموز 2023.

وأضاف البرهان “لقد عملنا ليل نهار لحل هذه الأزمة.. نحن ندرك كل التضحيات التي قدمها الشعب السوداني. سنواصل العمل من أجل الحفاظ على الانتقال”.

وفي وقت سابق اليوم، انسحب الجنود الذين كانوا يتمركزون خارج منزل حمدوك منذ الانقلاب، في إشارة لفرع الإقامة الجبرية التي كانت مفروضة عليه.

 وقال حمدوك إن الاتفاقية الجديدة ستمهد الطريق لاستكمال قضايا السودان العالقة، بما في ذلك الانتقال السياسي والأزمة الاقتصادية.

وأضاف: “من خلال التكاتف، يمكننا جميعًا منع بلدنا من الانغماس في المجهول. لقد أعدنا السودان مرة أخرى إلى المجتمع الدولي ولكن لا يزال أمامنا العديد من التحديات”.

وجاء إعلان الوسطاء بعد أسابيع من الضغط المكثف من الولايات المتحدة وحكومات غربية أخرى دعمت انتقال السودان الهش إلى الديمقراطية.

وقال مسؤولون أميركيون كبار، بينهم وزير الخارجية أنتوني بلينكين، إن عودة حمدوك إلى منصبه وإطلاق سراح قادة مدنيين سودانيين آخرين كانا مفتاحًا لإصلاح العلاقات مع واشنطن، بما في ذلك استعادة 700 مليون دولار من المساعدات التي تم تعليقها بعد الانقلاب.

لكن التصريحات الأميركية لا تنفي حقيقة أن العسكريين نجحوا في إحكام قبضتهم على البلاد، وتمديد الفترة الانتقالية التي كان مقررًا إنهاؤها هذا الشهر.

ففي وقت سابق من هذا الشهر، أعاد الجنرال برهان تعيين نفسه رئيسًا لمجلس حاكم سيادي جديد، وهي هيئة مدنية- عسكرية مكلفة بالإشراف على المرحلة الانتقالية، مما يرسخ بشكل فعال قبضة الجيش على البلاد.

كما عزل البرهان العديد من المسؤولين والدبلوماسيين الذين رفضوا انقلابه على المدنيين، وشكّل لجنة جديدة لاستلام الأموال التي يجري استردادها من رموز نظام البشير.

وقالت قوى الحرية والتغيير، وهي تحالف واسع من المدنيين والجماعات المتمردة التي لعبت دورًا محوريًا في الإطاحة بالبشير، يوم الأحد إنها ستواصل مقاومتها لهيمنة الجيش. 

وقالت المجموعة: “نؤكد موقفنا الواضح والمعلن مسبقًا، لا مفاوضات ولا شراكة.. ليس من المفترض أن نكون في أي اتفاق مع هذا المجلس العسكري الغاشم”.

واحتشد محتجون خارج القصر حيث وقع حمدوك والبرهان الصفقة، ودارت اشتباكات في أجزاء أخرى من العاصمة الخرطوم، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع والأعيرة النارية.

صورة حمدوك تتغير

ورفض حزب الأمة، أكبر حزب في السودان، الاتفاق قبل حتى التوقيع عليه، وكذلك فعلت قوى الحرية والتغيير.

وقال مجدي الجزولي، من معهد ريفت فالي، لصحيفة واشنطن بوست، إن حمدوك “فضّل أن يصبح سكرتيرًا لدكتاتور (البرهان) على أن يكون رمزًا للحركة التحررية”.

وأضاف الجزولي “كل من قام بتسويق هذا باعتباره سياسة واقعية استخف بعمق الرغبة في التغيير، ومستقبل جديد، بين الجيل الجديد في السودان”.

وأكد أن مشاهدة شبان سودانيين يُقتلون برصاص قوات الأمن في الأسابيع الأخيرة كان أمرًا مدمرًا، مقارنة بإفلاس الطبقة السياسية المسنين المتجمعة في قصر الحكم.

وأصبح السيد حمدوك، الاقتصادي الذي تلقى تعليمه في بريطانيا وعمل سابقًا في الأمم المتحدة، رئيسًا للوزراء عام 2019، بعد احتجاجات صاخبة أطاحت بالرئيس عمر البشير.

لم يشارك حمدوك في الاحتجاجات، لكن تم تعيينه لقيادة السودان خلال فترة انتقالية من ثلاث إلى أربع سنوات، كجزء من اتفاق لتقاسم السلطة بين المدنيين والعسكريين.

وكان يفترض أن تمهد هذه الفترة الانتقالية لانتخابات ديمقراطية في البلاد، على أن يستحوذ المدنيون على السلطة بشكل كامل خلال نوفمبر تشرين الثاني الجاري.

 لكن إجراءات الجيش أعادت ترسيم الوضع السياسي بما يسمح لهم بالبقاء في السلطة، وبشكل أقوى، لحين إجراء الانتخابات.

ولم تكن العلاقة بين حمدوك والفريق البرهان سلسة على الإطلاق. 

بدا الجنرالات دائمًا مترددين في التنازل عن السلطة للمدنيين الذين قد يعرضون الامتيازات والقوة الاقتصادية التي اكتسبوها على مدى 30 عامًا من حكم البشير، للخطر.

وعندما استولى البرهان على السلطة الشهر الماضي، بدا أنه بالغ في استخدام قوته بشكل كبير. 

وردت الولايات المتحدة ودول غربية أخرى بانتقادات شديدة بتجميد مساعدات وبرامج تخفيف أعباء بمليارات الدولارات في وقت يعاني فيه السودان من أزمة اقتصادية قاسية.

لكن عودة حمدوك لا تبدو انتصارًا سياسيًا كما يرى البعض؛ لأنه فعليًا عاد إلى الحكم بشروط الجيش، ووفق خطة يبدو أنها طُبخت على مهل بمعرفة دول الإقليم المؤثرة، ورعاية أميركية غير معلنة.

الواقع أن حمدوم هو الذي عاد إلى السلطة وليس المدنيين، كون الحكومة ومجلس السيادة المعزولين لم ولن يعودا مجددًا.

في الأسابيع الأخيرة عندما اشتبك المتظاهرون مع الشرطة في الشوارع، أشادوا بحمدوك كـ”بطل”؛ بسبب لمقاومته لضغوط الجيش.

لكن عندما ظهر حمدوك مرة أخرى يوم الأحد مرتديًا بدلة وربطة عنق وجلس بجانب ضباط الجيش الذين سجنوه في منزله لمدة شهر تقريبًا، كانت نظرة المحتجين له مختلفة إلى حد كبير.

في الكلمة المتلفزة التي ألقاها بحضور العسكريين، تحدث حمدوك عن المستقبل، ولم يتحدث عن الأسابيع الثلاثة الماضية.

أما الجنرال البرهان، فقد وقف بهراوته ليؤكد للسوادنيين أنه “سيحافظ على أحلامهم في الديمقراطية”.

صحيفة واشنطن بوست نقلت عن مسؤول غربي مطلع على المفاوضات أن نقاط الخلاف المهمة بين الجانبين لم يتم الانتهاء منها، بما في ذلك الترتيبات الحاسمة لتقاسم السلطة.

وقال جوناس هورنر، المحلل الإقليمي في مجموعة الأزمات الدولية، إن الصفقة التي أُعلن عنها يوم الأحد تضعف على ما يبدو مكانة مجلس الوزراء المدني السوداني بشكل كبير مع تحرك البلاد نحو إجراء انتخابات.

وأضاف: “سيكون هذا مديرًا تنفيذيًا خاضعًا بالكامل بأشخاص لا يمكن الوثوق بهم، أو على الأقل لا يمكن الوثوق بهم في تقديم ما يريده الناس في الشارع”.

وأكد هورنر إن الجيش السوداني سعى إلى إضعاف التحول الديمقراطي منذ البداية في عام 2019، وللمفارقة، شعر بالتهديد من بوادر انتعاش اقتصادي مؤقتة في الأشهر التي سبقت الانقلاب.

وأضاف: “كان هناك تقدم واضح، بوادر نجاح اقتصادي، أظهر أن المدنيين يمكن أن يحكموا.. كان ذلك مقلقًا للجيش”.

تقول واشنطن بوست إن البرهان تعرض أيضًا لضغوط متزايدة من كبار الضباط الذين هددوا بإقالته من منصبه إذا فشل في تغيير ترتيب تقاسم السلطة مع المدنيين، أو على الأقل إعادة تشكيله.

كما كان هناك قلق كبير في الرتب العسكرية من قرار الحكومة إرسال البشير للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.

إذا أدين السيد البشير بارتكاب جرائم حرب، فإن ضباط الجيش الذين خدموا تحت قيادته خلال تلك الفترة، بمن فيهم البرهان، قد يتعرضون أيضًا للاتهامات. 

عودة حمدوك إلى السلطة، جاءت على ما يبدو تحت سيطرة الجنرالات المستعدين لاستخدام القوة لفرض إرادتهم، قد تضع الولايات المتحدة وحلفائها في موقف حرج.

يقول هورنر إن الولايات المتحدة وحلفاءها الذين رفعوا أصواتهم بضرورة عودة حمدوك، بحاجة الآن إلى إبقاء المسار الديمقراطي على الطريق الصحيح.

قد يحتاجون إلى حكومة عسكرية مغلفة بشكل مدني خفيف، كما يقول هورنر، لواشنطن بوست.

لكن لا تبدو الولايات المتحدة راغبة جديًا في حكم مدني كامل بالسودان؛ لأن هذا الحكم لا يضمن مواصلة الخرطوم طريق التطبيع مع إسرائيل الذي بدأه البرهان منفردًا.

تحاول إدارة جو بايدن على ما يبدو الحفاظ على مظهرها الداعم للديمقراطية، لكنها في الحقيقة لم تعد بالبلاد إلى وضعها الديمقراطي كما كان، ولا كما طالبت.

صحيفة واشنطن، قالت الشهر الماضي إن هناك صفقة سرية تطبخها الولايات المتحدة مع الإمارات من أجل إعادة حمدوك إلى السلطة بطريقة ترضي الجيش.

هذا ما حدث بالفعل، فقد عاد حمدوك إلى السلطة، لكن ليس على النحو الذي كان عليه قبل عزله واعتقاله وإنما على النحو الذي أراده الجنرالات، وخططت له واشنطن، على ما يبدو.