موجة خامسة ومتحوّر يخدع اللقاحات.. هل يصبح التطعيم ضد “كورونا” روتينًا؟

يوسف حسني

حذر علماء هذا الأسبوع من متحوّر إفريقي جديد قالوا إنه قد يخدع اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، فيما تستعد أوروبا لموجة خامس من الوباء.

وظهر المتحور الإفريقي الجديد في بتسوانا هذا الشهر، ثم اكتشف لاحقًا في جنوب أفريقيا، ويقول العلماء إن طفراته قد تساعده على التهرّب من دفاعات الجسم.

ووفقًا لصحيفة “الغارديان“، البريطانية، فقد جرى توثيق 10 إصابات بالمتحور الإفريقي الجديد في بتسوانا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ لمسافر عائد من جوهانسبرغ.

وأثار المتحوّر الإفريقي الجديد الذي يحمل اسم “B.1.1.529” قلقًا لدى الباحثين كونه يحتوي على 32 طفرة من بروتين سبايك (spike)، وهو البروتين الذي تعتمد عليه اللقاحات في عملها.

وقال العلماء إن هذه الطفرات قد تضعف قدرة الجسم على التعرف على المتحور ما يعني أن هذا المتحوّر الإفريقي قد يخدع اللقاحات، وينتشر بسرعة.

ولفت عالم الفيروسات في “إمبريال كوليدج لندن”، توم بيكوك، إلى أن المتحور الجديد يحتوي على طفرات لا تصدّق وقال إنها قد تكون مصدر قلق حقيقي.

وشدد بيكوك على ضرورة مراقبة هذا المتحوّر الإفريقي بشكل دقيق بالنظر إلى ملفه التعريفي “المروّع”، محذرًا من أنه قد يتحول إلى “مجموعة غريبة” قابلة للانتشار بشكل واسع.

الظهور الأول

وظهرت أولى حالات المتحوّر الإفريقي الجديد في 11 نوفمبر تشرين الثاني بدولة بتسوانا، وبعد 3 أيام ظهر في جنوب أفريقيا.

ويخشى العلماء أن يكون هذا المتحوّر سببًا في تصاعد منحى الإصابات في محافظة غوتنغ في جنوب أفريقيا حيث ظهر المتحور لأول مرة.

وقال رافي جوبتا، أستاذ علم الأحياء الدقيقة الإكلينيكي في جامعة كامبريدج، إن اثنتين من الطفرات في B.1.1.529 زادت من العدوى والتعرف على الأجسام المضادة. 

وأضاف “السلالة الجديدة تبدو مصدر قلق كبير بناءً على الطفرات الموجودة فيها”.

ولفت إلى أن خاصية العدوى في المتحور الجديد لا تزال غير معروفة، وبالتالي أن قدرته على الهروب من المناعة هو جزء من صورة ما قد يحدث مستقبلًا.  

ولفت مدير معهد علم الوراثة بجامعة لندن كوليدج (UCL)، فرانسوا بالوكس، إلى أن العدد الكبير من الطفرات في المتحور قد تراكمت “دفعة واحدة”.

ويشير هذا بحسب بالكوس إلى أنه قد يكون تطور أثناء عدوى مزمنة لدى شخص يعاني من ضعف في جهاز المناعة.

وقد يكون ذلك المريض مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية “الإيدز”، وفق بالكوس.

ومن الصعب حاليًا التكهن بمدى قدرة هذا المتحور الانتقال. مع ذلك يقول العلماء إنه لا توجد مبررات للقلق المفرط، في الوقت الراهن على الأقل.

جنوب أفريقيا تدرس فرض قيود

في غضون ذلك، قالت حكومة جنوب إفريقيا يوم الخميس إنها تدرس فرض قيود جديدة لاحتواء المتحور الجديد.

على إثر ذلك، قالت منظمة الصحة العالمية إنها ستعقد اجتماعًا يوم الجمعة لبحث ما إن كانت الطفرة الجديدة “مثيرة للقلق”.

وتستخدم منظمة الصحة العالمية هذه التسمية للسلالات سريعة الانتشار أو التي تزيد من خطورة أو تقلل فعالية تدابير الصحة أو الاختبارات أو العلاجات أو اللقاحات. 

وتشمل قائمة المتحورات المثيرة للقلق حاليًا: المتحور دلتا الذي يهيمن على الإصابات في معظم الدول، والمتحور ألفا الذي أدّى لمجة قاتلة في أوروبا والولايات المتحدة.

على الرغم من أن العلماء ما زالوا يبحثون تركيبة المتحور الجديد إلا أن ظهوره يؤكد أن جينوم الفيروس ما زال يشكل خطورة على العالم.

وقال وزير الصحة في جنوب إفريقيا جو بهلا، إن المتحور الجديد “يعزز مرة أخرى حقيقة أن هذا العدو غير المرئي الذي نتعامل معه لا يمكن التنبؤ به أبدًا”. 

وستجري حكومة جوهانسبرغ، بحسب بهلا، مناقشات خلال عطلة نهاية الأسبوع حول ما إذا كانت القيود الجديدة على التجمعات الاجتماعية والأنشطة الأخرى مثل السفر ضرورية لوقف انتشار الشكل الجديد.

وأضاف الوزير: “سيشكل هذا تحديًا كبيرًا”، وحثّ جميع مواطني جنوب إفريقيا الذين لم يتلقوا تطعيمًا ضد Covid-19 على القيام بذلك الآن.

وتم تطعيم حوالي 24٪ فقط من مواطني جنوب إفريقيا البالغ عددهم 60 مليون نسمة.

ويستولي المتحور الجديد على 90% من الإصابات الجديدة في العاصمة الجنوب أفريقية ومدينة بريتوريا، العاصمة الاقتصادية للبلد.

وقال البروفيسور دي أوليفيرا، عضو مجموعة العمل التابعة لمنظمة الصحة العالمية في جنوب إفريقيا، إنه يتوقع أن توصّف المجموعة المتحور الجديد كـ”مثير للقلق”، أو “نوع آخر من الاهتمام”. 

المتغيرات ذات الأهمية لها تغيرات جينية من المعروف أنها تؤثر على كيفية عمل الفيروس، لكنها لا تزال تتطلب مزيدًا من الدراسة ، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية.

خصائص مقلقة

يحتوي المتغير الجديد على أكثر من 50 طفرة مقارنة بفيروس كورونا الذي تم اكتشافه لأول مرة في ووهان الصينية عام 2019.

أكثر من 30 من هذه الطفرات موجودة في بروتين سبايك، والذي من خلاله يرتبط الفيروس بالخلايا البشرية وهو العامل الأساسي الذي تقوم عليه اللقاحات حاليًا.

في حين أن العديد من هذه الطفرات تبدو جديدة، فإن العديد منها معروف للعلماء من متغيرات أخرى مثيرة للقلق، ويبدو أنها تجعل الفيروس أكثر عدوى أو تساعده على التهرب من مناعة الجسم.

وقال ريتشارد ليسلز، أخصائي الأمراض المعدية في منصة “كوازولو ناتال” للابتكار البحثي والتسلسل، إن كل هذه الأشياء “تعطينا بعض القلق من أن هذا المتحور ربما ينتشر بشكل أكبر”.

ليس هذا وحسب، لكنه أيضًا قد يكون قادرًا أيضًا على الالتفاف حول أجزاء من جهاز المناعة والحماية التي نوفرها في جهاز المناعة لدينا، بحسب ليسلز.

حكومة بتسوانا قالت يوم الخميس إن جميع الإصابات الأربع بالمتحور الجديد التي اكتشفتها كانت في أشخاص تم تطعيمهم بالكامل وخضعوا للاختبار قبل السفر المخطط له.

الميزة الوحيدة في المتحور الجديد كما يقول البروفيسور أوليفيرا، هي أنه يمكن كشفه عبر فحص “بي سي آر”، على عكس معظم المتغيرات البارزة الأخرى، والتي لا يمكن اكتشافها إلا من خلال تسلسل الجينوم المكلف والمستهلك للوقت.

هذا الأمر يجعل من السهل تتبع هذا المتحور الجديد، وهو أحد الأسباب التي جعلت علماء جنوب إفريقيا قادرين على التقاط انتشاره السريع في البلاد بهذه السرعة.

وقالت ماريا فان كيركوف، التي تقود العمل الفني لمنظمة الصحة العالمية بشأن Covid-19، إن خبراء الوكالة يراقبون عن كثب البديل الجديد بسبب العدد الكبير من الطفرات.

وخلال جلسة أسئلة وأجوبة على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت كيركوف “أود أن أقول إن لدينا قلقًا، لكنني أعتقد أن البعض يريدنا أن نشعر بالقلق.. لدينا أشخاص يعملون على هذا”.

وأضافت “كلما زادت طفرات الفيروس كلما زادت المتحورات التي قد نواجهها مستقبلًا”.

جرس إنذار

وحث قادة الصحة العالمية الأوربيين على توخي الحذر مع بدء موسم العطلات، مشيرين إلى ارتفاع معدل الإصابات بنسبة 23% في جميع أنحاء الأميركتين خلال الأسبوع الماضي.

وقال المسؤولون الصحيون إن ما يحدث حاليًا في الأميركتين قد يكون مؤشرًا على مستقبلهما الصحي.

كاريسا إيتان، مدير منظمة الصحة للبلدان الأميركية قالت في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء إن المستقبل يتكشف بوضوح.

وأضافت إيتان “ما يحدث جرس إنذار لمنطقتنا التي باتت أكثر عرضة للخطر”.

في اليوم نفسه، حث رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، على عدم التراخي، معربًا عن قلقه بشأن “شعور زائف بالأمان منحته اللقاحات للناس.

وحذر غيبرييسوس من البعض يتوهم أن تلقيه اللقاح يمنحه مناعة من الإصابة، ويجعله غير ملزم بأي تدابير، مضيفًا “في حين أن أوروبا مرة أخرى هي بؤرة الوباء، لا يوجد بلد أو منطقة خارج دائرة الخطر”.

ووقعت 60% من الوفيات الناجمة عن كورونا حول العالم في الفترة من 15 إلى نوفمبر تشرين 2021، بحسب منظمة الصحة العالمية.

حاليًا، تقوم الحكومات الأوروبية بتنفيذ علميات إغلاق كبيرة في محاولة للحد من الإصابات قبل عطلة نهاية العام.

في الولايات المتحدة، زادت الحالات الجديدة المبلغ عنها يوميًا بنسبة 8% خلال الأسبوع الماضي، وزادت الوفيات بنسبة 9%.

وفي كندا، كانت هناك زيادة بنسبة 5% اعتبارًا من يوم الأربعاء في الحالات المؤكدة الجديدة خلال الأسبوعين الماضيين، مقارنة بالأسبوعين السابقين.

خلال إحاطة ليلة عيد الشكر، حث مسؤولو الصحة على ضرورة الحفاظ على التدابير، بما في ذلك ارتداء الأقنعة والتباعد الاجتماعي والابتعاد عن الزحام، بغض النظر عن حالة التطعيم.

في أمريكا الجنوبية، أبلغت العديد من البلدان عن زيادة الحالات، وكان أعلى ارتفاع في بوليفيا وباراغواي. 

أمريكا الوسطى هي المنطقة الوحيدة التي شهدت انخفاضًا في الإصابات الجديدة.

أبلغت بوليفيا عن زيادة بنسبة 50% في عدد الحالات المؤكدة الجديدة خلال الـ14 يومًا الماضية، مقارنة بالعدد في الأيام الـ 14 السابقة.

الإكوادور، التي شهدت واحدة من أكثر حالات تفشي فيروس كورونا في أمريكا اللاتينية، وحيث صدمت الصور الكابوسية للجثث المهجورة في شوارع مدن مثل غواياكيل العالم، تظهر أيضًا زيادة بنسبة 32% في الحالات الجديدة.

وحذرت منظمة الصحة للبلدان الأمريكية يوم الأربعاء من أنه على الرغم من معدلات التطعيم البطيئة والارتفاع المفاجئ في الحالات، يتم رفع أو تخفيف الإجراءات الوقائية في المناطق المكتظة بالسكان.

وقالت إتيان: “هذا مزيج مقلق يجعلنا عرضة للفيروس ويهدد مكاسبنا التي حققناها بشق الأنفس”.

هل يصبح التطعيم روتينًا؟

وفيما تستعد العديد من الدول الأوروبية لمواجهة موجة خامسة من الوباء، دعت منظمة الصحة إلى تلقي جرعة ثالثة من اللقاحات.

أصبحت الجرعة المعززة نهجًا شبه معتمد في العديد من دول العالم، وقد تحدث علماء عن أنها قد تتحول إلى روتين.

في سبتمبر أيلول الماضي، قال مدير المعهد الوطني الأمريكي للحساسية أنتوني فاوتشي إنه من المحتمل أن تكون هناك حاجة لتلقي جرعة ثالثة من اللقاح المضاد لفيروس كوفيد-19، لضمان الحماية الكاملة.

وأضاف فاوتشي أن دراسات حديثة أظهرت انخفاضًا في الإصابات بين الأشخاص الذين حصلوا على جرعة ثالثة أو داعمة من لقاح كوفيد-19.

وأكد أنه من المحتمل جدًا أن يكون نظام الجرعات الثلاث هو النظام الروتيني للتحصين.

في يوليو تموز، قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن هناك احتمالات تشير إلى أن الأمريكيين لن يحصلوا على جرعات معززة من اللقاح المضاد لفيروس كورونا في المستقبل القريب.

شارك