توتر روسي أوكراني لا يتوقف.. ما الذي يريده بوتين من أوروبا؟

يوسف حسني

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يوم الجمعة إن مجموعة من الروس والأوكرانيين خططوا لتنفيذ انقلاب عليه، وذلك في حلقة جديدة من حلقات التوتر الروسي الأوكراني.

وأكد زيلينسكي، الذي كان يتحدث أمام مؤتمر صحفي موسع، أن “المتآمرين” حاولوا الاستعانة بأغنى رجل في البلاد، رينات أحمدوف.

ورصدت أجهزة الأمن الأوكرانية تسجيلات صوتية لـ”متآمرين يناقشون خططهم ويذكرون اسم أحمدوف، الذي لم يكن متورطًا في المؤامرة”.

ولم يقدم زيلينسكي تفاصيل أخرى عن محاولة الانقلاب المزعومة، التي في خضم توترات مقلقة على الحدود الروسية الأوكرانية.

يمتلك أحمدوف، وهو قطب التعدين والصلب، محطات إعلامية زادت من انتقادها للرئيس الأوكراني خلال الأسابيع الأخيرة، كما تقول صحيفة واشنطن بوست.

تأتي تعليقات زيلينسكي أيضًا على خلفية التوترات المتصاعدة بين كييف وموسكو.

وخلال الأسابيع الماضية، أكد المسؤولون الغربيون والأوكرانيون إنهم رصدوا حشدًا متواصلًا للقوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا.

وليس معروفًا حتى الآن ما الذي يدفع موسكو لتحشيد قواتها على حدود الجارة غير المتوافقة أبدًا معها، لكنها ليست المرة الأولى التي تقوم فيها روسيا بهذه الخطوة.

مع ذلك، يقول مسؤولون أميركيون وغربيون إنه “قد يكون استعدادًا لغزو أو تصعيد للصراع المستمر منذ سبع سنوات شرقي أوكرانيا بين الحكومة والانفصاليين المدعومين من روسيا.

وقال زيلينسكي: “أعتقد أن أحمدوف يُجر إلى الحرب ضد أوكرانيا”، مضيفًا “هذا سيكون خطأ كبيرًا؛ لأنه من المستحيل محاربة رئيس انتخبه الشعب”.

وتم التخطيط لتنفيذ الانقلاب المزعوم في الأول أو الثاني من ديسمبر كانون الأول المقبل، بحسب زيلينسكي.

وعلّقت وسائل الإعلام الأوكرانية في الأسابيع الأخيرة على التوترات المتزايدة بين زيلينسكي وأحمدوف. 

وأطلق زيلينسكي حملة “إزالة الأوليغارشية” لتقليل التأثير السياسي لأغنى أغنياء أوكرانيا، الذين يسيطرون على أقسام رئيسية من الاقتصاد.

وأصدر أحمدوف بيانًا قال فيه إن “مزاعم زيلينسكي كذبة مطلقة”، معربًا عن غضبه من انتشارها، بغض النظر عن دوافع الرئيس. 

وأضاف “كان موقفي وسيظل واضحًا ومحددًا: أوكرانيا مستقلة وديمقراطية وموحدة مع شبه جزيرة القرم ومنطقتنا الأصلية، دونباس”.

دونباس هي جزء من المنطقة الانفصالية في شرق أوكرانيا، فيما ضمّت موسكو شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014.

وقال الرئيس الأوكراني إن بلاده مستعدة لأي سيناريو في الشرق المضطرب، وأضاف “نحن نسيطر سيطرة كاملة على حدودنا ومستعدون إذا كان هناك تصعيد”.

ومع ذلك، يقول زيلينيسكي، إن عدد القوات الروسية كان أقل مما كان عليه خلال حشد في ربيع هذا العام، وهو ما أثار قلقًا أيضًا من هجوم روسي محتمل.

وقال زيلينسكي إن أوكرانيا تلقت وعودًا سريّة بالدعم من شركائها الغربيين في جال قيام روسيا بعمل عسكري، لكنه لم يقدم تفاصيل.

وأكد الريس الأوكراني أن خطر التصعيد أو الغزو الروسي كان موجودًا دائمًا، وقال إن التعليقات الروسية العدوانية ارتفعت بشد خلال الفترة الأخيرة.

وقال إن هذا الأمر “مقلق”؛ لأنه عندما تقول موسكو إن ما تقوم به هو دفاع عن حدودها، يصبح الأمر “خطيرًا للغاية”.

ونفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أي دور لروسيا في مؤامرة مزعومة. وقال إن روسيا لا تشارك أبدًا في مثل هذه الأشياء.

هل تريد روسيا غزو أوكرانيا فعلًا؟

مسشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون إن الطموحات الروسية لا تقف عند حد أوكرانيا أو بيلاروسيا حتى، مؤكدًا أن موسكو تريد ما هو أكثر من ذلك.

وفي مقال نشره موقع “1945” الأميركي المعني بشؤون الأمن القومي، هذا الشهر، أعاد بولتون التذكير بما قاله الرئيس السابق جون كينيدي خلال أزمة “الصواريخ الكوبية” سنة 1962.

ووصف كينيدي آنذاك متحدثًا عن نظيره الروسي نيكيتا خروتشوف الذي وضع صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية في خليج الخنازير الكوبي، بأنه “كاذب حقير ورجل عصابات عديم الأخلاق”.

يقول بولتون إن ما حدث مع خرتشوف في كوبا يتكرر اليوم مع فلاديمير بوتين في أوكرانيا؛ مشيرًا إلى أن أهداف موسكو في كييف تظل غامضة رغم النقاشات الغربية الموسعة حولها.

هذا الأسبوع، قالت مجلة فورين بوليسي الأميركية إن الروس قاموا بالفعل نفسه في أبريل نيسان من هذا العام، كنوع من الضغط.

وتساءلت المجلة: “ما الذي سيحققه الروس عسكريًا في حال قرروا غزو أوكرانيا؟”، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن قمة أمور تدعو للقلق فعليًا.

فقد تصاعدت التوترات مع أوروبا بسبب سلوك الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، المستفزة، بحسب فورين بوليسي.

لوكاشينكو، هو ديكتاتور متهم بتزوير الانتخابات الرئاسية عام 2020، وهو حليف قوي لموسكو، ويخضع لعقوبات غربية بسبب سجله الحقوقي السيء.

مؤخرًا، أطلق لوكاشينكو الباب آلاف من طالبي اللجوء القادمين من الشرق الأوسط، إلى الحدود البولندية، كنوع من الضغط على الأوروبيين.

ووصف الأوروبيون هذه الخطوة بأنه محاولة من لوكاشينكو لافتعال أزمة لاجئين على الحدود مع بولندا، بإيعاز من الرئيس الروسي.

وقد حذّر رئيس الوزرءا البريطاني بوريس جونسون الرئيس الروسي من أي مغامرة عسكرية في أوكرانيا أو بولندا، وقال إنه ستكون “باهظة الكلفة”.

على الرغم من ذلك، لا سبب معروفًا حتى الآن لهذا التحشيد العسكري الروسي على الحدود مع أوكرانيا؛ لأنه قد يكون مقدمة لغزو، أو تبادل سنوي عادي للقوات، بحسب فورين بوليسي.

في الـ19 من نوفمبر تشرين الثاني الجاري، قال وزير الدفاع الأوكراني الجديد أوليكسي ريزنيكوف، خلال زيارة للولايات المتحدةإن الرئيس الروسي “يلعب الشطرنج مع الغرب”.

على الرغم من ذلك، طلب ريزنيكوف من نظيره الأميركي لويد أوستن مساعدة عسكرية إضافية، ودعا الغرب لمعاقبة موسكو على أي غزو محتمل لبلاده.

وقال الوزير الأوكراني إنه ونظيره الأميركي خلصا إلى نفس التصورات فيما يتعلق بتحريك القوات الروسية على الحدود.

لكنه أشار إلى أن الجميع يعيش هذا القلق تاجه حجم الخطر الروسي منذ 8 سنوات.

وفي حديث لصحيفة واشنطن بوست، قال ريزنيكوف إنه يعتقد أن بوتين يقف عند نقطة انعطاف، فإما أنه قرر الذهاب عبر الحدود الأوكرانية وإحراق كل الجسور، أو أنه لا يزال يساوم ويحاول العثور على شيء مثير للاهتمام بالنسبة له.

وزير الدفاع الأميركي قال إن بلاده ليست متأكدة مما يريده بوتين بالضبط، لكنه أكد أن الولايات المتحدة تراقب ما يجري على الحدود بدقة.

باختصار، تقول فورين بوليسي، إنه من المستحيل معرفة ما يريده الروس من هذه التحركان، مشيرة إلى أنه من الصعب معرفة نية القادة الروس تجاه جارتهم.

لكن المجلة أشارت إلى أن روسيا تتبع أوكرانيا وتريد ضمها منذ العصور الوسطى.

,مع ذلك، يبدي الروس انزعاجًا شديدًا من التواجد العسكري الأميركي والأوروبي في مياه البحر الأسود، فضلًا عن الجنود الأميركيين والبريطانيين المتواجدين في أوكرانيا، بدافع “التدريب”.

تلويح أميركي

في غضون ذلك، أكدت واشنطن يوم الجمعة أن “كل الخيارات مطروحة فيما يتعلق بالحشد الروسي غير المعتاد قرب أوكرانيا”.

وقال الرئيس الأميركي جو بايدن للصحفيين يوم الجمعة، إنه سيجري “على الأرجح” محادثات مع زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن التوترات المتفاقمة.

وقالت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا وأوراسيا كارين دونفريد، يوم الجمعة، إن “كل الخيارات مطروحة”، وإن هناك خيارات متنوعة.

وأكدت دونفريد أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) سيتخذ قرارًا بشأن الخطوة المقبلة بعد مشاورات الأسبوع المقبل.

وجاءت هذه التصريحات بينما يتوجه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إلى لاتفيا والسويد، بين 29 نوفمبر تشرين الثاني و2 ديسمبر كانون الأول، لحضور اجتماعات حلف الأطلسي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

ومن المقرر أن يتصدر الحضور العسكري الروسي الكبير وغير العادي على حدود أوكرانيا جدول أعمال قمة حلف الأطلسي، بحسب دونفريد.

وستناقش القمة “طبيعة الخيارات المطروحة والتصرف الذي يريد الناتو القيام به بشكل جماعي”.

وأضافت أن الولايات المتحدة ستتواصل مع الحكومة الأوكرانية لمناقشة ما أعلنه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بشأن الانقلاب المزعوم.

وقالت إن واشنطن تعمل على الحصول على معلومات إضافية بهذا الشأن.

وسيثير بلينكن قضية الاحتلال الروسي لأراضٍ خاضعة للسيادة الأوكرانية والجورجية وكذلك قضية النزاع على إقليم ناجورنو قرة باغ بين أرمينيا وأذربيجان خلال اجتماع منظمة الأمن والتعاون.

وستقيم الولايات المتحدة “حوارًا جديًا” بشأن المفهوم الاستراتيجي للناتو، بحسب الخارحية الأميركية.

ويتعلق الحوار بمكان حلف الناتو في القرن الواحد والعشرين، كما ستواصل واشنطن إعادة تقييم موضع الحلف على حدوده الشرقية، بحسب دونفريد.

وقالت دونفريد إنها لا تملك معلومات عما إذا كان بلينكن سيلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف، في ستوكهولم.

ويوم الجمعة تحدث مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان ورئيس الإدارة الرئاسية الأوكرانية أندري يرماك هاتفيًا.

وبحثت المكالمة مخاوف الجانبين بشأن الأنشطة العسكرية الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية.

وقالت المتحدثة باسم مجلس الأمن القومي إميلي هورن، في بيان، إن الاثنين ناقشا “اللهجة المتشددة” لروسيا تجاه أوكرانيا.

واتفق الجانبان على أن تواصل جميع الأطراف الجهود الدبلوماسية لتخفيف التوترات، وقد أكد سوليفان التزام بلاده الراسخ بالسيادة الأوكرانية ووحدة أراضيها.

وحضّ البيت الأبيض الجمعة على بذل جهود دبلوماسية من أجل “تهدئة” التوتر في ظل حشد روسيا قوات على الحدود مع أوكرانيا و”خطابها الحاد” إزاء جارتها.

ما الذي يحدث على الحدود الروسية الأوكرانية

في مارس آذار 2014، ضمّت موسكو شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، وبعد شهر واحد، اندلعت حرب بين الانفصاليين المتحالفين مع روسيا والجيش الأوكراني في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا. 

ويقدّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن أكثر من 13 ألف شخص لقوا مصرعهم خلال هذه الحرب.

تقول أوكرانيا ودول الغرب إن روسيا دعمت الانفصاليين بالقوات والأسلحة، لكن موسكو قالت إن المشاركة الفردية للروس كانت طوعية.

ولم تفلح الدبلوماسية في رأب صدع التشققات العميقة في العلاقة بين البلدين الجارين.

ولطالما شجبت أوكرانيا الوجود المتزايد للقوات الروسية بالقرب من حدودها، واصفة الأمر بأنه محاولة للضغط عليها. 

في المقابل، تقول روسيا إن قواتها تقوم بتدريبات عسكرية، وإن أي تحرك للقوات داخل الحدود الروسية لا ينغي أن يكون مثار قلق.

واعتبرت موسكو الحديث الغربي عن اجتياح روسي محتمل لأوكرانيا “حملة تشهير”. لكنها في الوقت نفسه تعارض بشدّة أي تحركات أوكرانية للانضمام إلى حلف الناتو أو إقامة علاقات استراتيجية أوثق مع الغرب.

وأجرت أوكرانيا مؤخرًا مناورات عسكرية على حدودها. وطلب رئيس الوزراء دينيس شميهال، حلف الناتو بإرسال سفن حربية إلى البحر الأسود ومراقبة التحركات الروسية.

الرئيس البولندي أندريه دودا، دعا أيضًا إلى رد عسكري غربي أكبر على التحركات الروسية.

منذ 2014، تدعم الولايات المتحدة أوكرانيا بالمال والسلاح، ومنحتها مساعدات بأكثر من 4.5 مليار دولار، بينها شحنتا صواريخ “غافلين” المضادة للدبابات، في عهد ترامب.