جون بولتون: طموحات روسيا في أوروبا تتجاوز أوكرانيا وبيلاروسيا

ترجمة | -وجبرس

قال مسشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون إن طموحات روسيا لا تقف عند حد أوكرانيا أو بيلاروسيا حتى، مؤكدًا أن موسكو تريد ما هو أكثر من ذلك.

وفي مقال نشره موقع “1945” الأميركي المعني بشؤون الأمن القومي، أعاد بولتون التذكير بما قاله الرئيس السابق جون كينيدي خلال أزمة “الصواريخ الكوبية” سنة 1962.

ووصف كينيدي آنذاك متحدثًا عن نظيره الروسي نيكيتا خروتشوف الذي وضع صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية في خليج الخنازير الكوبي، بأنه “كاذب حقير ورجل عصابات عديم الأخلاق”.

وبعد ساعات من ذلك الوصف، يضيف بولتون، قال كنيدي لكبار مستشاريه: “لقد كنا مخطئين بالتأكيد بشأن ما يحاول ( خرتشوف) فعله في كوبا”.

الأمر نفسه يتكرر مع بوتين

يقول بولتون إن ما حدث مع خرتشوف في كوبا يتكرر اليوم مع فلاديمير بوتين في أوكرانيا؛ مشيرًا إلى أن أهداف موسكو في كييف تظل غامضة رغم النقاشات الغربية الموسعة حولها.

أهداف بوتين ونظيره البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو غامضة هي الأخرى كما يقول بولتون.

يرى بولتون أن الرئيس الروسي يعتمد استراتيجية كبرى في أنحاء “الجوار القريب”، بينما الغرب يتبنّى نهجًا بالغ الصغر.

ويشير بولتون إلى حزن بوتين على حل الاتحاد االسوفيتي، وكذلك وصف المراقبين لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قبل 3 عقود بأنه ليس شيوعيًا وإنما هو “قيصر”.

تقوم موسكو، برأبي بولتون، باستكشاف دقيق لـ”المنطقة الرمادية” بين الحدود الشرقية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)» والحدود الغربية لروسيا.

هذا الاستكشاف لا يشمل أوكرانيا وبيلاروسيا، فقط. ولكنه يمتد إلى مولدوفا وجمهوريات القوقاز أيضًا، بحسب بولتون.

بولتون أشار أيضًا إلى “الصراع المجمّد” بين مولدوفا وجمهورية ترانس- دنيستر التي أنشأتها روسيا، وإلى احتلال روسيا المستمر لمقاطعتين جورجيتين.

بالإضافة إلى ما سبق، يقول بولتون، هناك تدخل موسكو الأخير المؤيد لأذربيجان في صراعها مع أرمينيا، كلها أمور تدل على سياسات الهيمنة والضم الصريح التي تنتهجها روسيا.

سياسات الهيمنة تلك، تربك دول المنطقة الرمادية الـ6، من وجهة نظر جون بولتون، الذي يقول إن جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق الـ5 الواقعة في آسيا الوسطى لديها مشاكلها الخاصة بروسيا، والتي تستحق دراسة منفصلة.

يعتقد مستشار الأمن القومي الأميركي السابق أن معالجة الولايات المتحدة لكل صراع من على حدة، دون معالجة كافة الصراعات بطريقة استراتيجية، يؤدي إلى الوقوع في الفخ الذي نصبه بوتين.

ويرى بولتون أن المنظور الأوسع للكرملين يتجلى في رفع مستوى التدريبات البحرية في البحر الأسود، وأيضًا في شكاوى موسكو المتزايدة من الوجود “الاستفزازي” للبحرية الأميركية هناك.

إن هيمنة روسيا على البحر الأسود، برأي بولتون، لن تهدد أوكرانيا فقط وإنما تمتد إلى جورجيا أيضًا، وهي تُرهب في ذات الوقت كذلك عضوي الناتو: بلغاريا ورومانيا.

كما إن التحركات الروسية تثير أيضًا قلق تركيا التي يرى بولتون أنها تغرّد خارج السرب تحت حكم الرئيس أردوغان.

يقول بولتون إن أي من التهديدات الروسية العديدة بات وشيكًا وغير واضح بدرجة ما، كما حدث في عام 1962 عندما كان كينيدي يخشى أن يحتجز خروتشوف برلين كرهينة ليرغم واشنطن على عدم اتخاذ أي رد قوي على المغامرة الكوبية الروسية.

نظرة غربية قاصرة

يشير بولتون في مقاله إلى العجز الجماعي لدول الغرب عن حشد سياسات معارضة فعَّالة، ويقول إن هذا العجز “يؤكد قِصَر نظر الغرب”.

وفي مواجهة السلوك السيء على نطاق واسع من الرئيس الروسي، تتساءل واشنطن والألم يعتصرها: هل مناورات الناتو تمثّل أي مشكلة أم لا؟

وسصف بولتون هذا التساؤل الأميركي بأنه “أمر مثير للسخرية”؛ لأنه يأتي من جو بايدن، مذكّرًا باهتمام دونالد ترامب بانتقادات كيم جونغ أون للتدريبات المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في حين كان يقلل من شأن تهديدات بيونغ يانغ الأكثر خطورة.

ويرى بولتون أن أوروبا تواصل الانخراط في عملية تأمل ذاتي مفرطة، بدليل أن اتفاقية التحالف الحاكم الألماني الجديد لم تأتِ على ذكر تعهّد الناتو بأن ينفق الأعضاء ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع.

بل إن التحالف الألماني يدعم بطريقة مثيرة للدهشة مزيدًا من التعاون بين جيوش أوروبا، وهو ما وصفه بولتون بأنه “وَهْم أوروبي قديم الأزل”.

وبالمثل، يضيف بولتون، تلتزم معاهدة كويرينال التي وقعتها فرنسا وإيطاليا مؤخرًا بتعزيز إستراتيجية الدفاع للاتحاد الأوروبي، بدلًا من التأكيد على استراتيجية الناتو الدفاعية.

هذا التجاهل المستمر والانكفاء على الذات، من وجهة بولتون، يمنحان فلاديمير بوتين مساحة كبيرة للمناورة وترتيب أسلوب الحرب الهجينة التي تناسب أهدافه المؤقتة، خاصة فيما يتعلق بالتسلسل والتوقيت، وتمهيد الطريق للصراعات المستقبلية.

واليوم، قد تأتي استفزازات جديدة عاجلًا غير آجل ليس بسبب القوة الروسية، وإنما لأن روسيا تخشى الضعف السياسي، أو الاقتصادي الوشيك.

يقول بولتون إن المعتدي قد يستنتج أن له مزايا مؤقتة فقط، ومن ثم يتشجّع على الضرب قبل تغير الموازين.

الأسوأ من ذلك، برأي بولتون، أن بوتين قد ينسق مع نظيره الصيني شي جين بينج؛ إذ ربما يستهدف خطاب أحد النظامين (الصين تجاه تايوان مثلًا) صرف الانتباه عن التهديد في أوروبا، مقابل الحصول على مساعدة مماثلة من بوتين في وقت لاحق، أو العكس بالعكس.

خطوات ضرورية

في الأخير، يطرح بولتون ما يرى أنه حلولًا للأزمة الغربية الحالية مع موسكو، مشيرًا إلى أن استجابات الغرب الفعَّالة عليها إدراك أن تدرك بوتين ينتهج أجندة أوسع نطاقًا وأكثر ترابطًا وأطول أجلًا مما جرى الاعتراف به حتى الآن.

وأكد بولتون قناعته بأن فلاديمير بوتين يرتجل، ولا يسير وفق خطط، وهو ما يعني أنه يغتنم كل فرصة فور ظهورها؛ وهو أمر يعكس رشاقة الروس لا عدم يقينهم الإستراتيجي.

لقد أعرب بولتون عن أسفه إزاء تلك “الرشاقة” الروسية التي تحدث عنها، مؤكدًا أن زيادو مساعدة أوكرانيا عسكريًا ووقف خط الغاز (نورد ستريم 2)، ومقاطعة نفط روسيا، وفرض عقوبات دبلوماسية واقتصادية أخرى، تبدو كلها إجراءات مبررة، لكنها لن تكون كافية أبدًا.

ويحثّ بولتون الولايات المتحدة على التحرك لما هو أبعد من رد الفعل على استفزازات موسكو المتتالية، مشيرًا إلى ضورة عمل ذلك عبر حلف الناتو، وليس الاتحاد الأوروبي.

إن لعبة روسيا، برأي بولتون، هي لعبة سياسية عسكرية أكثر من كونها لعبة اقتصادية، رغم أن الحكومة الروسية كلها منخرطة فيها.

والسؤال الجيو-إستراتيجي الجوهري لمنظمة الناتو، من وجعة نظر بولتون، هو: كيف نتعامل مع المنطقة الرمادية على أنها مجموعة متكاملة من المشكلات؟

يقول بولتون إن التوسع الشرقي للحلف “لم ينظر بشكل كافٍ في أي مكان يمكن أن يتوقف، كما إنه لم ينظر أيضًا في العواقب التي ستقع على الدول التي لم تشملها ضمانات معاهدة الناتو، أي المنطقة الرمادية”.

المهمة العاجلة، برأي بولتون، “لا تكمن في إلقاء اللوم على التاريخ، وإنما في اتخاذ قرار فوري بشأن من يمكنه الانضمام للناتو من دول المنطقة الرمادية”.

يقول بولتون إن الأوربيين مطالبون في تحديد هذه الدول وتخفيف أي قبضة روسية عليها، ومنع فرض قيود جديدة عليها (مثل انقلاب محتمل في أوكرانيا).

وأكد بولتون أنه يجب أن تسمع موسكو وبوضوح نوايا الولايات المتحدة وإرادتها على حد سواء لتحقيقها.

أما الدول الواقعة في المنطقة الرمادية والتي ليست مرشحة للانضمام إلى حلف الناتو، فإن على الأخير أن يقرر كيف سيحمي مصالحه فيها ويردع الروس.

ولفت بولتون إلى ضرورة الاعتراف بأن دول المنطقة الرمادية المتبقية أكثر ضعفًا من الدول الأعضاء في حلف الناتو؛ إذ إن كل الدول الـ عرضة الآن للخطر الروسي الذي لا يتوقف.

وبينما تتصدى واشنطن لهذه القرارات المصيرية، فإن على الناتو أن يخبر موسكو (مجددًا) بأن تغيير الوضع الراهن عسكريًا سيكون “غير مقبول”.

“لكن بعد سنوات من الخطاب المشابه بات من غير المؤكد إن كان بوتين يُصدِّقنا بوتين أم لا”، يقول بولتون.

ويضيف بولتون “بمجرد أن يتخذ القرار، فإن على الناتو الشروع فورًا في حل الصراعات المجمّدة، وغيرها من التعقيدات التي فرضها الروس على أعضاء الناتو الجدد المحتملين”.

ويجب أن يكون القضاء على جمهورية “ترانس-دنيستر”، أولوية، بحسب بولتون، الذي أشار إلى أن هذا “الكيان المصطنع يعتمد سياسيًا على روسيا بشكل كامل”.

الضغط على موسكو لإعادة توحيد مولدوفا بالكامل، سيصرف انتباه بوتين عن أوكرانيا، كما يقول بولتون.

هناك إلهاء آخر لموسكو، برأي بولتون، وهو زيادة الاهتمام الدولي بالأقاليم الجورجية التي ضمّتها روسيا: أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

لقد كان فشل الغرب في مواجهة هجوم روسيا على جورجيا عام 2008 سببًا مباشرًا لاستيلاء موسكو على شبه جزيرة القرم ومنطقة دونباس الأوكرانيتين، لاحقًا.

هذا الاهتمام الدولي، سيخفف الضغوط على أوكرانيا وسيسلِّط الضوء أيضًا على نمط السلوك الروسي الذي يحتاج الناتو إلى ردعه، كما يقول بولتون.

وختم بولتون بالقول إن هناك الكثير مما يجب القيام به، وإن مجرد اتخاذ مواقف دفاعية ضد التحركات العدوانية للكرملين ليست طريق دول المنطقة الرمادية إلى السلام والأمن، ولا هي أيضًا طريق حلف الناتو كذلك.

لقد حان الوقت لكي يثبت الناتو أنه فعَّال وقوي في منطقته المركزية، خاصة بعد الانسحاب الكارثي للولايات المتحدة والناتو من أفغانستان.

والآن، فإن على الولايات المتحدة والغرب أن يوجها رسالة إلى موسكو بأن المستقبل لا يحمل لها أيامًا يسيرة.

هذا المقال مترجم بالكمل عن موقع “1945” الأميركي