الانتخابات الليبية.. هل ثار الليبيون على “معمّر” ليحكمهم “سيف” أو “حفتر”؟

يوسف حسني | جو-برس

“لا أريد أن أختار رئيسًا جديدًا من سلة القمامة”، هذا ما قاله المواطن الليبي خالد مامي لصحيفة واشنطن بوست الأميركية عندما سألته عن موقفه من الانتخابات المقررة نهاية الشهر الجاري.

مامي (48 عامًا)، ليس استثناءً في موقفه من الانتخابات التي يشكك بها الجميع قبل أن تجرى، فالسواد الأعظم من الليبيين، ساسة كانوا أو عوامًا، يرون أنها ليست انتخابات بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي محاولة لخلق وضع جديد.

بمعنى أدق، الجميع يعرف أن الانتخابات التي كان ينظر إليها على أنها ستكون نهاية الحرب الممتدة منذ سقوط نظام معمر القذافي قبل عشر سنوات، ربما تكون بداية لحرب جديدة.

بينما تستعد ليبيا لإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية نهاية ديسمبر كانون الأول الجاري، بات واضحًا أن القانون يقف على الهامش، فيما المال والسلاح هما عوامل الحسم الفعلية.

حتى الآن، لا يزال قانون الانتخابات الذي أصدره رئيس البرلمان عقيلة صالح، منفردًا، مثار شد وجذب لا ينتهي. وبينما يبدو كوميديًا إلى درجة مثيرة للسخرية، فإن الجميع يمضي نحو الصندوق، بناء على هذا القانون الكوميدي.

لقد منح عقيلة صالح، وهو مرشح رئاسي حالي، فرصة لكل من يعتبرهم الليبيون لصوصًا أو متآمرين أو قَتَلة، فرصة للترشح على منصب الرئيس؛ بدءًا من سيف الإسلام القذافي، مرورًا برئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، وليس انتهاءً بالجنرال خليفة حفتر.

تبدو الانتخابات الليبية المرتقبة وكأنها الوجه الآخر لحرب الوكالة التي عاشتها ليبيا طوال السنوات الست الماضية، فقد توقف القتال لكن الحرب لم تنته، على الأرجح.

ثلاثة مرشحين مثيرون للجدل، وللخوف أيضًا

الآن، وبينما تستعد البلاد لإجراء أول انتخابات رئاسية نهاية الشهر، فإن كثيرين يخشون أن تعيد المنافسة المحتدمة البلاد إلى الحرب مجددًا.

من بين 98 شخصًا ترشحوا للانتخابات، يوجد مرشحان يمكن القول إنهما من أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في تاريخ البلاد الحديث: سيف الإسلام القذافي، والجنرال خليفة حفتر.

لقد قدّم سيف الإسلام القذافي، أوراق ترشحه معتمرًا نفس الزي الذي اعتمره والده الراحل عندما كان يتوعد المعارضة بالملاحقة من بيت إلى بيت ومن زنقة إلى زنقة.

في الواقع، كانت هذه رسالة شديدة الوضوح، مفادها على ما يبدو أن نجل القذافي عازم على العيش في جلباب أبيه.

أما الجنرال خليفة حفتر، فهو كما يصفه الإعلام الغربي، أمير حرب قاد مجموعة مسلحة بدعم من الإمارات ومصر والسعودية وفرنسا وروسيا، للسيطرة على البلاد بالقوة، لكنه فشل في ذلك.

على الرغم من ذلك، بقي حفتر محتفظًا بالشرق الليبي الغني بالنفط، وهو حاليًا صاحب أكبر قوة عسكرية في البلاد تقريبًا، رغم أنها غير معترف بها محليًا ولا دوليًا، لكنها موجودة.

حفتر يحاكم أمام محكمة أميركية غيابيًا بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وهو أيضًا متهم ببيع كثير من النفط الليبي بطرق غير مشروعة، فضلًا عن محاولته تحصيل دعم إسرائيلي مقابل تطبيع العلاقات، والتي أكدتها الصحافة العبرية مرارًا.

هناك أيضًا رئيس الحكومة المؤقتة عبد الحميد الدبيبة الذي تعهد بعدم الترشح للانتخابات عندما رشّح نفسه لمنصبه الحالي مطلع العام، فضلًا عن أنه خالف قانون الانتخابات الذي ينص على عدم شغل المرشح منصبًا حكوميًا خلال الشهور الثلاثة السابقة للترشح.

الدبيبة، الذي يُعرف بأنه رجل أعمال، يُنظر إليه على نحو واسع بوصفه رجل تركيا في هذه الانتخابات، بينما يُنظر لحفتر بوصفه رجل مصر والإمارات وإسرائيل أيضًا.

على خلاف الرجلين، يبدو سيف الإسلام القذافي، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، وكأنه رجل الماضي الذي يؤكد أنه حي ويريد استعادة ليبيا، كما قال في حوار مع نيويورك تايمز هذا العام.

في الأخير قُبلت أوراق الدبيبة كما قُبلت أوراق سيف الإسلام القذافي، بناء على أحكام قضائية ألغت قرارات مفوضية الانتخابات بمنعهما من الترشح. وهذا واحد من تجليات المشهد الانتخابي الليبي الذي يبدو أنه صراع قوى ليس إلا.

هذه الأسماء الثلاثة، وإن كانت تمثل قوى دولية وإقليمية منخرطة بشدة في ليبيا، إلا أنها أيضًا تتقاسم ولاء الليبين، على أساس قبلي أو مناطقي، أو حتى على أساس المصالح المتبادلة.

ومن الصعب على أي من هؤلاء أن يحظى بإجماع من الليبيين؛ لأسباب كثيرة يتعلق أهمها بالثارات والدم، وهو ما يجعل شبح الحرب الأهلية يخيم بقوة على البلد، الذي مزقته الحرب أصلًا.

صحيفة واشنطن بوست نقلت عن المواطن الليبي، خالد مامي، قوله: “لا أريد أن أختار رجلاً آخر من بين القمامة.. لماذا يريد الجميع أن يحكم البلاد بالقوة؟”.

لا يمكن فهم ما يجري في ليبيا على أنه عملية سياسية سليمة أبدًا، فقد أعادت محكمة سبها سيف القدافي الي السباق الرئاسي، بعد استبعاد مفوضية الانتخابات له.

كما أعادت محكمة طرابلس الدبيبة للسباق، بعد استبعاده لمخالفته للمادة 12 من قانون الترشح. وأزاحت محكمة الزاوية خليفة حفتر من المنافسة، ثم أصدرت محكمة مصراتة حكمًا بإعدامه، ثم طعنت مفوضية الانتخابات في حكم منعه من الترشح.

وسط هذا المشهد المعقد، قالت الأمم المتحدة إن الوقت يبدو غير مناسب لإجراء الانتخابات.

الزمن كأنه يعود للوراء

عودة سيف الإسلام القذافي للمشهد ليست فقط دليلًا على انتكاس انتفاضة 2011، كغيرها من انتفاضات الربيع العربي، إنما هي أيضًا دليل على أن الزمن يعود للوراء في ليبيا، كغيرها من الدول التي كانت تأمل في التحرك نحو الإمام.

ليبيا ليست استثناءً من المشهد العربي المظلم سياسيًا، لكنها أحد أكثر تجلياته دموية، إلى جانب المشهدين السوري واليمني. وإن كانت تونس قد نجت من الحرب، فإنها لم تنج بعد من قبضة حكم الفرد التي تشدها بقوة نحو العودة للماضي.

في حين أن ليبيا دولة غنية بالموارد ولديها أكبر احتياطيات نفطية في إفريقيا، فقد أدَّى عقد من الاضطرابات إلى إفقار كثير من مواطنيها.

دفعت الحكومات الغربية والأمم المتحدة من أجل الانتخابات، التي ستعقد جولتها الأولى في 24 ديسمبر كانون الأول الجاري، ووصفتها بأنها “خطوة حاسمة لتعافي البلاد”.

وهددت القوى الغربية بمعاقبة كل من يحاول إفساد هذه الانتخابات. وقال عماد السايح، رئيس مفوضية الانتخابات، إن صندوق الاقتراع “سيحدد مستقبل المسار السياسي في البلاد”.

وأضاف السايح “إما أن تستمر ليبيا على مسار الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وإما أن تذهب إلى المربع صفر، حيث ستندلع الحرب”.

على الرغم من ذلك، بدأ السايح يتحدث مؤخرًا عن احتمالية طلب تأجيل الانتخابات. جاء ذلك بعد قرار استبعاد حفتر من المنافسة، ولم يُعرف بعد ما الذي سوف يفعله الجنرال.

على الأرجح، ستكون المعادلة: إما أن يخوض حفتر السباق وإما يتوقف السباق كله حتى إشعار آخر. هناك احتمال آخر، لكنه ضعيف جدًا: أن يبدأ حفتر حربًا جديدة.

إقرأ أيضًا
نهاية حرب أم بداية حرب جديدة؟ سيف الإسلام القذافي يترشح لرئاسة ليبيا
لن ينجح أحد.. ليبيا تمضي نحو انتخابات يشكك بها الجميع
ليبيا تعلن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة نهاية العام

مرشحان يجلبان الحرب معهما

يقول صلاح تومي، وهو صاحب شركة إنشاءات في طرابلس، لواشنطن بوست، إن فوز حفتر أو سيف الإسلام “سيشعل حربًا”.

هذا الأمر يعني أن التصويت للدبيبة قد يكون تصويتًا للسِلم وليس للشخص. فالدبيبة رجل أعمال ثري، قاد الشركة الليبية للاستثمار والتنمية المملوكة للدولة في عهد القذافي. 

وقد دخل الدبية السياسة متأخرًا، وعُين رئيسًا للوزراء في فبراير شباط 2021 كجزء من عملية السلام التي تقودها الأمم المتحدة. 

منذ توليه منصبه، حصل الدبيبة على بعض الدعم الشعبي بين الناخبين الشباب، جزئيًا من خلال تعهده بدفع مبالغ نقدية للمقبلين على الزواج.

خطوط الصدع بين المرشحين الثلاثة تبدو جغرافية إلى حد كبير، حيث يتواجد أنصار حفتر بشكل أساسي في الشرق ويتجمع خصومه حول الدبيبة في الغرب، بينما سيف الإسلام القذافي مرابض في الجنوب.

وقال أنس القماطي، مدير معهد “صادق” الليبي، لواشنطن بوست، إن صراعًا يلوح في الأفق بين هذه المعسكرات الثلاثة، مضيفًا “القذافي وحفتر يجلبان معهما احتمالية نشوب حرب وليس تحقيق سلام”.

كما قالت كلوديا غازيني، محللة الشؤون الليبية في مجموعة الأزمات الدولية، “هناك خوف ملموس من أن المرشحين الأكثر استقطابًا سوف يتنافسون على النتائج إما إذا ترشحوا أو لم يترشحوا، أو إذا خسروا أو إذا فازوا”.

كل المؤشرات تقريبًا، تشي بأن صراعًا قد يندلع إما رفضًا لنتيجة الانتخابات وإما دفاعًا عنها. في كل الحالات، لا تملك الأطراف وسيلة للاعتراض إلا السلاح.

رياض علي جحا (50 عامًا)، رجل أعمال ومرشح برلماني من مصراتة، يقول لواشنطن بوست “لا أؤمن بأي منهم.. كلهم لصوص”.

لكن بعض الليبيين يساندون القذافي رغم أن والده أنهى حكمه بشكل مخزٍ، كما تقول الصحيفة الأميركية.

وتنقل واشنطن بوست عن مبروك الكساك، 23 عامًا، والذي كان طفلًا عندما أطيح بالقذافي، قوله “ربما نحتاج العودة إلى نفس النظام (القديم)”.

وأضاف الكساك، وهو من طرابلس “طوال 10 سنوات، لم يكن لدينا أي شيء.. قلبي يميل إلى سيف الإسلام”.