بدعم روسي.. رئيس كازاخستان يعلن استعادة السيطرة على البلاد

نور سلطان | جو-برس

قال الرئيس الكازاخي قاسم توكاييف يوم الجمعة إن الحكومة استعاد النظام الدستوري في غالبية أنحاء البلاد، وذلك بعد ساعات من وصول قوات روسية لدعم الحكومة.

وسقط عشرات القلتى ومئات المصابين في المواجهات التي اندلعت يوم الخميس بين المحتجين وقوات الأمن الكازاخية.

ودفعت موسكو يوم الخميس بنحو 2500 من قوات “الأمن الجماعي” التابعة لدول الاتحاد السوفياتي السابق، للسيطرة على الوضع، استجابة لطلب توكاييف.

ومن المقرر أن يلقي توكاييف خطابًا للأمة في وقت لاحق يوم الجمعة.

وقالت وزارة الداخلية إنها اعتقلت أكثر من 3 آلاف شخص، وقتلت 26 ممن وصفتهم بـ”المسحلين”.

وقال ستانيسلاف زاس، الأمين العام للمجموعة، لوكالة الإعلام الروسية الحكومية الجديدة، إن التحالف أرسل حوالي 2500 جندي من جنود حفظ السلام إلى كازاخستان.

ولم يحدد زاس جنسيات القوات التي تم الدفع بها لمواجهة الاحتجاجات، لكن وكالات أنباء روسية قالت إن القوات ستبقى لأيام أو أسابيع.

وقالت الوكالات الروسية إن هذه القوات يحق لها استخدام السلاح داخل كازاخستان، في حال تعرضت لهجمات من “عصابات مسلّحة”.

قتلى ومصابون

وقتل 18 من رجال الأمن على الأقل في مواجهات يوم الخميس وأصيب نحو 450، بحسب ما أعلنته وزارة الداخلية.

كما قُتل عشرات المحتجين وأصيب ألف على الأقل، ممن وصفتهم الحكومة بأنهم “مثيري شغب مدعومين من الخارج”.

وحذّرت الولايات المتحدة، يوم الخميس، القوات الروسية التي تم نشرها في كازاخستان من السيطرة على مؤسسات الدولة، وقالت إلى أن العالم سيراقب أي انتهاك لحقوق الإنسان.

وقال الناطق باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، للصحفيين، إن العالك كله سيراقب أي انتهاك لحقوق الإنسان أو سيطرة روسية على مؤسسات الدولة.

وفي اتصال هاتفي مع نظيره الكازاخي، مختار تيلوبردي، دعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، إلى إيجاد حلّ سلمي للوضع المضطرب واحترام حرية الإعلام.

وأعرب مسؤول الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، يوم الخميس، عن “قلقه العميق” حيال الاضطرابات في كازاخستان.

وشدد بوريل على ضرورة حماية حقوق المدنيين، وحذّر من تداعيات أي تدخّل عسكري خارجي.

من جهته، قال الرئيس توكاييف إنه لن يغادر البلاد مهما حدث، مضيفًا “سنتمكن من طي هذه الصفحة المظلمة في تاريخنا”.

ووصف توكاييف المتظاهرين بأنهم “عصابة من الإرهابيين الدوليين”.

تطور الاحتجاجات

بدأت المظاهرات في عطلة نهاية الأسبوع في المنطقة الغربية الغنية بالنفط في كازاخستان بسبب ارتفاع أسعار الطاقة ثم انتشرت في أماكن أخرى، بما في ذلك ألما آتا.

أشعل المتظاهرون النيران يوم الأربعاء في قاعات المدينة في جميع أنحاء البلاد واستولوا لفترة وجيزة على مطار ألما آتا.

واقتحم آلاف الأشخاص المبنى الحكومي الرئيسي في ألما آتا، أكبر مدن البلاد، وأضرموا النيران في الفرع الإقليمي لحزب “نور أوتان” الحاكم، وفي مكتب المدّعي العام والمقر الرئاسي السابق.

وبدا أن جزءًا من غضبهم كان موجهًا إلى نور سلطان نزارباييف، الرئيس السابق السلطوي للبلاد، الذي يواصل ممارسة قوة كبيرة خلف الكواليس تحت العنوان الرسمي “أبو الأمة”.

وقال ممثل عن شرطة ألما آتا لوسائل إعلام محلية يوم الخميس إن “قوى متطرفة” حاولت اقتحام العديد من المباني الحكومية، بما في ذلك قسم الشرطة.

وأظهر مقطع فيديو من وكالة الأنباء الروسية الحكومية تاس قوات الأمن وهي تفتح النار بالقرب من الميدان الرئيسي في ألما آتا.

ونقلت وكالة أنباء إنترفاكس الروسية عن متحدث حومي قوله إنه تم القضاء على عشرات المهاجمين وإنه يجري التحقق من هوياتهم.

وقالت وزارة الداخلية إن الشرطة اعتقلت نحو ألفي شخص في ألماتي.

ووردت أنباء عديدة عن إطلاق نار في أنحاء المدينة طوال يوم الخميس، وفي المساء أفادت شرطة ألماتي بمقتل “إرهابيين” اثنين آخرين خارج مركز شرطة منطقة المالينكسي.

وتم حجب الإنترنت في كازاخستان يوم الخميس وورد أنه تم تعليق الخدمات المصرفية الوطنية.

ومساء الأربعاء، أعلن مكتب الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو أنه تحدث هاتفيًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبعد ذلك الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف.

بعد ساعات، ناشد توكاييف الحصول على دعم من منظمة معاهدة الأمن الجماعي وادعى أن “العصابات الإرهابية المدربة من الخارج كانت تستولي على المباني والبنية التحتية والأسلحة”.

ولم يقدم الرئيس الكازاخي أدلة أو يحدد الدول التي تقف وراء المؤامرة المزعومة.

وبرر توكاييف دعوته قوات منظمة معاهدة الأمن الجماعي، بالقول إن الخطر الخارجي “تبيّن فجأة، في غضون ساعات قليلة”.

وأضاف توكاييف “ظهرت مجموعات إرهابية دولية تهدد البلاد”.

تحدٍ لموسكو

ويمثل وصول القوات الروسية إلى البلد الواقع في آسيا الوسطى اختبارًا لقوة حفظ السلام المكونة من قوات عدّة دول بالمنطقة بزعامة روسيا.

وعززت موسكو حضورها في الأزمة المتصاعدة منذ أيام رغم تأكيد الخارجية الروسية أنها لن تتدخل في الشان الداخلي لكازاخستان.

ونقلت صحيفة واشنطن بوست الأميركية عن مسؤول كازاخي أن عشرات المحتجين قتلوا خلال المواجهات مع قوات الأمن.

وبدأت المظاهرات باحتجاج على زيادة أسعار الوقود قبل أيام لكنها سرعان ما تطورات بشكل كبير وتحولت إلى تحد مصيري للنظام السياسي الذي لم يتغير جوهريًا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي قبل ثلاثة عقود.

وحاولت قوات الأمن المحلية إخماد الاحتجاجات دون جدوى.

وهذه هي المرة الأولى التي توافق فيها منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تأسست بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.

وتتألف القوة من ستة أعضاء سابقين بالاتحاد، على نشر “قوات حفظ سلام” لمساعدة الحكومة الكازاخية.

وبدلًا من أن يواجه التكتل العسكري الذي يُنظر إليه على أنه رد روسي على حلف الناتو، عدوانًا خارجيًا، فإنه تصدّى لإخماد تظاهرات محلية.

إن المخاطر كبيرة بشكل خاص بالنسبة لروسيا، زعيمة التحالف فعليًا، حيث يهدد وجودها بإبعاد المحتجين الذين يطالبون بتغيير نظام كازاخستان، لكنهم لم يُظهروا بعد أي مشاعر معادية لروسيا.

وتأتي الاضطرابات أيضًا في وقت عصيب بالنسبة للكرملين، حيث تحتشد  القوات الروسية بالقرب من الحدود الأوكرانية.

وقت حرج

واندلعت الأزمة الكازاخية قبل مفاوضات الأسبوع المقبل مع الولايات المتحدة بشأن الضمانات التي طلبتها روسيا من الناتو بعدم التوسع أو التعاون مع دول الاتحاد السوفيتي السابق.

تؤكد التوترات، التي تقع الآن على الحدود الجنوبية الغربية لروسيا والحدود الجنوبية الشرقية، على التحديات التي تواجه موسكو في الحفاظ على ما تعتبره مجال نفوذها.

وهذه الدول هي: أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدوفا وآسيا الوسطى ودول القوقاز في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا. وكلها كانت أعضاءً بالاتحاد السوفيتي قبل تفكيكه.

وقال ألكسندر باونوف من مركز كارنيجي في موسكو على تويتر: “إذا كانت لديك طموحات كبيرة في القوة، يرجى إظهار ما يمكنك القيام به على عدة جبهات”.

وأضاف: ” كثيرون آخرون فشلوا في ذلك.. كازاخستان ستختبر قدرات روسيا الفعلية. سيكون الأمر مشتتًا ومنعشًا”.

ونقلت واشنطن بوست عن أركادي دوبنوف، المحلل السياسي والخبير في شؤون آسيا الوسطى، أن حديث الرئيس توكاييف محاولة محرجة لشرح الوضع بطريقة لخرقاء لتبرير طلب الدعم بحيث يتوافق مع شروط المعاهدة التي تحدد إمكانية التدخل إذا كان أحد الأطراف تحت التهديد.

وأعلن رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الذي يرأس التحالف العسكري حاليًا، على فيسبوك أنه سيتم إرسال عدد غير محدد من القوات إلى كازاخستان “لفترة زمنية محدودة” من أجل استقرار الوضع وحلّه.

وقال التحالف إنه سيتم نشر قوات من روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا وطاجيكستان وقيرغيزستان في كازاخستان، بهدف أساسي هو حماية المنشآت الحكومية والعسكرية. وقالت المنظمة إن موسكو أرسلت أيضا مظليين.

واقترحت مارجريتا سيمونيان، المستشارة في الكرملين، ورئيس تحرير قناة “روسيا اليوم” السابقة، على تويتر أن تقدم حكومة كازاخستان تنازلات مقابل مساعدة روسيا.

وقالت “يتعين على حكومة كازاخستان تقديم العديد من التنازلات، بما في ذلك الاعتراف بشبه جزيرة القرم المُضمنة كأراضي روسية والعودة إلى الأبجدية السيريلية.

وكان نزارباييف أمر عام 2017 بالتحول من اللغة السيريلية إلى اللغة الكازاخية.

ليس من الواضح ما إذا كان توكاييف قد قدم أي وعود لبوتين مقابل الدعم العسكري الروسي.

وفي محاولة لاسترضاء المحتجين، أعاد توكاييف بسرعة الحد الأقصى لأسعار غاز البترول المسال مثل البروبان، الذي يشغل معظم المركبات في غرب البلاد.

كما أقال نزارباييف من منصب رئيس مجلس الأمن القومي القوي وأعلن حالة الطوارئ لمدة أسبوعين للبلاد بأكملها.

نزارباييف، الذي حكم لما يقرب من ثلاثة عقود قبل أن يتنحى في عام 2019، لم يُر أو يُسمع عنه هذا الأسبوع.

يوم الأربعاء، قام المتظاهرون بهدم تمثال نزارباييف في تالديكورغان، بالقرب من ألما آتا. وهتف الناس في التجمعات التي نظمت في أنحاء البلاد “يا شيخ، ارحل”.

وقالت نارجيس كاسينوفا، الخبيرة في آسيا الوسطى بجامعة هارفارد، لواشنطن بوست “لقد تراكمت المظالم على مدى سنوات”.

وأضافت “مع استقالة نزار باييف عام 2019، شعر الناس بوعد التغيير وبدأوا في الضغط من أجل التغيير بطرق مختلفة”.

وخلصت إلى أن “هناك إشارات إلى الربيع الكازاخستاني”، مؤكدة أن الكيفية التي ستنظر بها النخب السياسية إلى التظاهرات “هي التي ستحدد مسارها”.

وفرضت الحكومة الكازاخية حظراً للتجول بدءاً من يوم الأربعاء وحتى الـ19 من الشهر الجاري.

كازاخستان هي أغنى دول آسيا الوسطى، ويبلغ عدد سكانها 19 مليون نسمة، وهي ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان.

وأثارت الاضطرابات الواسعة النطاق -جنبًا إلى جنب مع دخول القوات المرتبطة بروسيا- المخاوف في العواصم الإقليمية وواشنطن.

تستضيف كازاخستان قاعدة بايكونور كوزمودروم ، وهو مجمع لإطلاق الصواريخ مؤجر لروسيا.

حوالي خُمس سكان كازاخستان من أصل روسي، وقد نشرت موسكو في الماضي قوات حفظ سلام في دول يخشى بوتين من خروجها من فلكه السياسي.

القوات تنتشر في الشوارع للسيطرة على الوضع

وشكا زعماء في جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا في السابق من أن هذه القوات تدعم القوات الانفصالية الموالية لروسيا.

وهناك مخاوف في كازاخستان من أن تصبح البلاد هي أوكرانيا القادمة.

يعد نشر القوات، حتى لو كانت صغيرة نسبيًا، في كازاخستان الآن أمرًا صعبًا بشكل خاص بالنسبة لموسكو.

حشدت روسيا أكثر من 100 ألف جندي بالقرب من الحدود الأوكرانية، وفقًا لمسؤولين أميركيين وأوكرانيين.

كما توصلت المخابرات الأميركية إلى أنه قد يكون خططًا لغزو جديد متعدد الجوانب لأوكرانيا في أقرب وقت من هذا الشهر.

تم نقل الوحدات العسكرية الروسية التي تم نشرها في سيبيريا وجبال الأورال، بالقرب من كازاخستان، “بشكل شبه كامل” إلى مواقع بالقرب من أوكرانيا وبيلاروسيا، وفقًا لروب لي، الخبير العسكري الروسي والزميل في معهد أبحاث السياسة الخارجية.

وقال روب لي على تويتر: “لا يزال لدى روسيا الكثير من الوحدات التي يمكنها نشرها إذا لزم الأمر، لكنك لن ترغب في بدء صراع مع أوكرانيا في الوقت الحالي بينما الوضع في كازاخستان غير مؤكد للغاية” .

وأضاف “الحروب بطبيعتها لا يمكن التنبؤ بها، ووضع روسيا أصبح أكثر تعقيدًا”.

شارك