من روسيا إلى “إسرائيل” إلى الإمارات وتركيا.. أبرز المشروعات التي تسعى لتهميش “قناة السويس”

قالت صحيفة “إندبندنت” الناطقة بالتركية يوم الأحد 14 نوفمبر تشرين الثاني 2021 إن ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد سيزرو العاصمة التركية أنقرة؛ لإجراء مباحثات مع الرئيس رجب طيب أردوغان، بشأن إقامة طريق بري بين البلدين.

وأوضحت الصحيفة أن الطريق الذي حمل اسم ( الشارقة – مرسين) سوف يمر عبر إيران بهدف اختصار مدة الرحلات التجارية؛ بهدف توفير المدة التي يستغرقها نقل البضائع عبر قناة السويس.

على مدار عقود طويلة، كان البحث عن ممر ملاحي بديل لقناة السويس أحد أكثر شواغل الدول التي تفكر جديًّا في تحييد مصر سياسيًّا وضربها اقتصاديًّا، وكانت دولة الاحتلال في مقدمة المهتمين بهذا الأمر.

وتعتبر قناة السويس الرابطة بين البحرين الأحمر والمتوسط، أحد أهم الممرات المائية العالمية، فهي تنقل نحو 30 بالمئة من مجمل الحاويات ونحو 12 بالمئة من مجمل السلع عالميًا، وهي أحد أهم خمسة مصادر مستدامة للدخل القومي المصري من العملات الصعبة بعائدات سنوية وصلت إلى أكثر من 5.6 مليار دولار خلال العام الماضي.

ويمكن القول إنها تشكل أحد أبرز القطاعات التي تساعد مصر على تحقيق طموحاتها التنموية ومواجهة أزماتها الاقتصادية لأن عائداتها مستقرة مقارنة بعائدات السياحة والسفر والاستثمار الأجنبي وقطاعات أخرى عرضة للتأثر السريع بالأزمات على غرار أزمة جائحة كورونا.

ويعكس استقرار العائدات كون القناة أحد أهم الممرات المائية العالمية وأكثرها أمانًا للسفن والحاويات التي تشكل أهم وسيلة لنقل السلع والبضائع إلى مختلف الأسواق.

ويشكل المرور عبر القناة 10 إلى 15 بالمئة من مجمل السلع التي تنقلها الحاويات إلى مختلف أنحاء العالم. وتضم السلع والبضائع المارة كل ما يخطر على البال من مصادر الطاقة والمواد الأولية والوسيطة والسلع الجاهزة والحيوانات الحية وغيرها.

أما وجهتها الأساسية غربًا فهي أسواق أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا. وعلى صعيد الشرق فإن معظم السلع تتوجه عبر القناة إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول شرق وجنوب آسيا الأخرى.

وخلال السنوات الماضية بدأت بعض الدول حراكًا لتأسيس ممرات بديلة للقناة المصرية أو تطوير ممرات موجودة فعليًا، غير أن هذه الأحاديث لم تصل يومًا إلى مرحلة التنفيذ.

لكن حادثة جنوح السفينة العملاقة “إيفر غيفن” في قناة السويس في مارس آذار، وما تبعه من أحاديث وقرارات، كشفت رغبة فعلية لدى أطراف عديدة لإنشاء قنوات بديلة.

وتوفر قناة السويس، وهي ممر مائي اصطناعي بطول 193 كيلومترًا، ما بين 5 إلى 15 يومًا في المتوسط، من وقت الرحلة عبر الطرق الأخرى، كطريق “رأس الرجاء الصالح” البحري الذي يربط بين آسيا وأفريقيا عبر الدوران حول أفريقيا، كانت تمر به السفن التجارية المتوجهة من وإلى آسيا، قبل حفر ممر قناة السويس.

وعطَّل توقف الملاحة في القناة هذا الأسبوع بضائع تقدر قيمتها بنحو 9.6 مليار دولار كل يوم، بحسب بيانات الشحن. ويعادل هذا 400 مليون دولار من التبادل التجاري في الساعة على طول الممر المائي الذي يعد معبرا حيويا بين الشرق والغرب.

وبحسب بيانات من مجلة “لويدز ليست” المختصة بالشحن، تقدر حركة المرور المتجهة غرباً عبر القناة بحوالي 5.1 مليار دولار في اليوم، وحركة المرور المتجهة شرقاً بحوالي 4.5 مليار دولار في اليوم.

طموحات إسرائيلية

ويرى خبراء أن الانفجار الهائل الذي دمَّر مرفأ بيروت في أغسطس آب 2020، ثم حادث جنوح السفينة العملاقة “إيفر غيفن” في قناة السويس، جزءًا من عملية تهيئة العالم للقبول بعمل ممرات بديلة، غالبًا ستكون في “إسرائيل”.

جنوح السفينة العملاقة إيفر غيفن أوقف الملاحة بقناة السويس.

في السابع والعشرين من مارس آذار الجاري، نشرت صحيفة “بيزنس إنسايدر” الرقمية مذكرة تفيد بأن الولايات المتحدة درست في ستينيات القرن الماضي مقترحًا لصنع بديل عن قناة السويس عبر دولة الاحتلال.

وكانت الخطة التي اعدت عام 1963، ورفعت عنها السرية عام 1996، تعتمد على استخدام 520 قنبلة نووية لشق قناة البحر الميت عبر صحراء النقب وبطول 160 ميلًا عبر إسرائيل.

وقالت المذكرة إن “مثل هذه القناة ستكون بديلًا استراتيجيًا قيمًا عن قناة السويس الحالية، وربما تسهم بشكل كبير في التنمية الاقتصادية”.

ومنذ توقيع اتفاقات التطبيع مع الإمارات والبحرين العام الماضي، تحدث مسؤولون إسرائيليون عن خطط لنقل النفط الخليجي عبر موانئ إسرائيل، وأخرى لعمل سكة حديدية بين دولة الخليج و”تل أبيب”، وكلها أمور تصب في صالح تهميش قناة السويس.

وفي أكتوبر تشرين الأول الماضي، وقَّعت شركة خطوط الأنابيب الأوروبية الآسيوية (EAPC) مذكرة تفاهم مع الحكومية الإسرائيلية وشركة “MED-RED Land Bridge Ltd” ومقرها الإمارات، للتعاون في مجال نقل النفط الخام والمنتجات النفطية من الخليج إلى الأسواق الغربية عبر خط أنابيب لنقل النفط بين مدينة إيلات على البحر الأحمر وميناء عسقلان على البحر المتوسط.

وقد تحدثت صحيفة “غلوبس” العبرية المتخصصة بالشؤون الاقتصادية، عن قيام مسؤولين إسرائيليين بإجراء محادثات في الإمارات بهدف إنشاء خط نفطي يربط الخليج بأوروبا عبر إسرائيل والسعودية.

ويهدف المشروع، بحسب الصحيفة، لنقل الخام من الخليج إلى السوق الأوروبية، إنشاء خط أنابيب بين إيلات وعسقلان، وسيتم نقل النفط من دول الخليج عبر ناقلات لميناء إيلات، ومن ثم عن طريق خط الأنابيب بين إيلات وعسقلان”، كبديل لقناة السويس.

وأبدى رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، قلق مصر من هذه الاتفاقات وقال في تصريحات صحفية إن ما يجري هو “مؤامرة” تهدف لسحب حركة النقل من القناة المصرية.

كما اقترحت دولة الاحتلال مساعدة الإمارات في بناء خط أنابيب بري يمتد عبر السعودية والأراضي المحتلة لتصدير الخام من الموانئ الإسرائيلية إلى أوروبا وأميركا اعتمادًا على البنية التحتية الحالية لشركة خط أنابيب عسقلان إيلات المحدودة (EAPC)، بحسب “غلوبس”.

مثل هذه الخطة، بحسب غلوبس، سوف تفيد إسرائيل ماليًا وستوفر على دول الخليج الوقت والنفقات من خلال تجاوز الطرق البحرية الخطرة وقناة السويس المكلفة.

ونقلت “غلوبس” عن مصادر خاصة قولها إن “اجتماعات رفيعة المستوى حول هذا الموضوع جرت في الأيام الأخيرة بين كبار الشخصيات في وزارتي الدفاع والخارجية، شارك فيها رئيس مجلس الشراكة الأوروبية ـ الأطلسية إيريز كالفون، والرئيس التنفيذي إيتسيك ليفي”.

والعام الماضي، غيرت شركة “EAPC”، معنى الاختصار الخاص باسمها لتصبح شركة “Europe Asia Pipeline Co”، (أسيا بدلًا من الأطلسي)، ليعكس خطتها الحالية مد خط أنابيب عسقلان- إيلات، بمسافة 700 كيلومترًا باتجاه جنوب شرق إسرائيل لتربطها مع مصافي النفط في المملكة العربية السعودية.

ويمكن أن يمر خط الأنابيب هذا برًّا أو تحت مياه البحر الأحمر، بالرغم من احتمال وجود اعتراضات من دعاة حماية البيئة، كما تقول غلوبس.

طريق ممر الشمال الروسي

في العام 2016، عقد رؤساء روسيا وإيران وأذربيجان اجتماعًا ثلاثيًا في العاصمة الأذربيجانية باكو، ناقشوا خلاله إنشاء ممر دولي يربط بين الشمال والجنوب، كمنافس لقناة السويس المصرية.
ويبلغ طول الممر 7200 كلم، ويربط شمال أوروبا بالهند، ودول الخليج عبر إيران، وروسيا وأذربيجان. وهو تطوير لطريق “بحر الشمال” الروسي الحالي، الذي يربط بين المحيطين الهادي والأطلسي، ويمتد على طول ساحل القطب الشمالي الروسي من بحر بارنتس، بمحاذاة سيبيريا، إلى الشرق الأقصى.
ويعبر هذا الطريق بحور الشمال بمحاذاة سيبيريا إلى الشرق الأقصى الروسي على الحدود مع اليابان وكوريا، وقد صار متاحًا أمام حركة الملاحة البحرية مع ذوبان الجليد في القطب الشمالي وتعزيز روسيا أسطولها من الكاسحات التي تشق الجليد وتقود السفن حتى المياه الدافئة، بينما كان يمكن الإبحار عبره سابقًا طوال شهرين فقط في السنة، هما فترة ذوبان الجليد في القطب الروسي الشمالي.
في 3 أكتوبر تشرين الثاني 2016، نشرت صحيفة “فيستنيك كافكازا” الروسية، تقريرًا قالت فيه إن المشروع المقترح سيكون أحد أكبر مشاريع النقل في العالم.
وفي مايو أيار، قال موقع “ديبلومات”، ومقره واشنطن، سيقلص هذا الممر، تكاليف النقل بين الهند وروسيا بنحو 30 بالمئة، كما سيقلل الزمن الذي تستغرقه الرحلة بنحو 40 بالمئة، مقارنة بالطرق التقليدية.
ويبدأ المشروع بطريق بحري، يصل الموانئ الهندية، وفي مقدمتها مومباي، بالموانئ الإيرانية، ليتحول إلى طريق بري سريع يوازيه خط سكة حديد، لنقل البضائع من الموانئ الإيرانية إلى روسيا، عبر أراضي أذربيجان، والمسار نفسه بالعكس من روسيا إلى إيران كذلك، على أن يضاف خط آخر ينقل البضائع بين موانئ كل من إيران وأذربيجان وروسيا في بحر قزوين.
وسيرتبط بالخط الرئيسي للممر خطوط فرعية تخترق وسط آسيا وشرق أوروبا، قبل وصول الممر إلى سانت بطرسبرغ، ومنها إلى الأسواق الأوروبية برًّا وبحرًا، الأمر الذي يزيد من أهمية المشروع الاقتصادية والاستراتيجية.
يقول مروجو المشروع إن قناة السويس المصرية من أكبر المتضررين من المشروع، حيث تمر بها البواخر التجارية نحو الجزء الشمالي والغربي من الكرة الأرضية، إضافة إلى عدن اليمنية وجدة السعودية، التي تمثل محطات مهمة على طرق التجارة البحرية، وكذلك موانئ أوروبية جنوبية، شكلت نقاط تجمع للبضائع، في عملية التبادل التجاري بين أوروبا وكل من آسيا وإفريقيا.
لكن خبراء يقولون إن هذه المشروعات ليست قابلة لمنافسة قناة السويس التي تمتلك طبيعة تساعدها على العمل طوال العالم، بينما هذه المشروعات تقع في مناطق تواجه ظروفًا استثنائية تجعلها عرضة للتعطل بشكل مستمر.

عندما اجتمع قادة روسيا وإيران مع الرئيس الأذربيجاني، إلهام علييف، في باكو، عام 2016، كانت الخرائط الرسمية المنشورة للمشروع على موقعه الرسمي، تسعى لتجنب عبور الممر في أراضي أذربيجان أو مياهها الإقليمية من بحر قزوين، الأمر الذي يعني عبورها في المياه التركمانية والكازاخية، قبل دخولها المياه الروسية، وهو الأمر الذي سيتغير بعد التوقيع على اتفاقيات تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول الثلاث في باكو.

لم تكن أذربيجان عضوًا أساسيًّا في المشروع حتى مراحل متأخرة، فتاريخ توقيع الاتفاقية بين إيران والهند وروسيا يعود إلى 16 مايو أيار عام 2002، إلا أن تنفيذه تأخر لعدة أسباب، كان أهمها العقوبات الدولية على طهران، وفقدان الحلقة الواصلة بين إيران وروسيا، والمتمثلة بتركمانستان أو أذربيجان، فقد رفضت الأولى المشاركة، بينما شهدت علاقات كل من طهران وموسكو توترًا مع باكو، بالرغم من مباركة الأخيرة للمشروع مبكرًا.

إلى جانب تحفظ تركمانستان، ساهمت مشاركة دول تشكل ضمانات لدور باكو، أهمها تركيا (التي كانت تناهض النظام السياسي المصري آنذاك)، في تشجيع الدول الرئيسية على المضي قدمًا في إقحام أذربيجان، علاوة على مساهمة مشاركتها في تعزيز الجدوى الاقتصادية للممر، حيث ستمكن الخط البري الإيراني للارتباط بنظيره الروسي برًّا عبر الأراضي الأذرية، كما تقول وكالة الأناضول التركية الرسمية.

بالرغم من إقحام أرمينيا بقوة في المشروع إلى جانب أذربيجان، إلا أن التقارب الروسي-الإيراني مع أذربيجان، لا يمثل تحولًا جيدًا بالنسبة لـ”يريفان”، بغض النظر من البراغماتية التي يبديها كل من الرئيس الإيراني، حسن روحاني، والروسي، فلاديمير بوتين، فالمشروع يرفع من رصيد أذربيجان لدى حليفي أرمينيا الرئيسيين.

مصدر الصورة: الأناضول

دوافع الهند

بحسب وكالة الأناضول، أيضًا، سيدعم المشروع اقتصاد الهند بشكل كبير؛ كون نيودلهي ستتمكن من توصيل صادراتها إلى أسواق جديدة، وتحقق تنافسية أعلى خصوصاً في مقابل المنتجات الصينية، فضلًا عن انها ستضمن حصة من مصادر الموارد الطبيعية في وسط آسيا، وتحويل الموانئ الهندية إلى محطات تجمع للبضائع، خصوصًا من دول جنوب وجنوب شرق آسيا وإليها. والأهم، تجاوز باكستان في عملية التبادل التجاري مع أفغانستان وإيران ووسط آسيا.

من جهة أخرى، تشكل التحركات الهندية منافسة للصين، فقد عقدت الهند اتفاقًا مع كل من إيران وأفغانستان في 23 مايو أيار 2016، في إطار مشروع ممر “شمال-جنوب”، للاستثمار في ميناء “تشاباهار” الإيراني وإنشاء منطقة تجارة حرة فيها تجمع الدول الثلاث، إضافة إلى سكة حديد تربط الميناء بالحدود الإيرانية-الأفغانية.

يعد ذلك استهدافًا لبكين وإسلام أباد معًا، فقد أبدت الصين منذ عام 2002 اهتمامًا بتطوير ميناء في منطقة “جوادر” الساحلية في باكستان، وأنهت مرحلته الأولى في 2006، بينما أطلق العمل بالمرحلة الثانية عام 2015، في إطار مشروع الممر التجاري الصيني-الباكستاني، الذي يضم، إلى جانب ميناء جوادر، إنشاء منطقة حرة وطريق يصل الميناء بالحدود الباكستانية-الصينية، بحسب تقرير نشرته صحيفة “تشاينا ديلي” في 30 أكتوبر تشرين أول 2015، الأمر الذي يعد بمنافسة محمومة بين المشروع الصيني-الباكستاني وغريمه الهندي-الإيراني.

صحيفة “ذي إكونوميك تايمز”، ايضًا، أشارت في 8 سبتمبر أيلول 2016، إلى اهتمام اليابان بالمشروع الهندي-الإيراني، الأمر الذي يأتي في سياق تقارب بين طوكيو ونيودلهي، لمنافسة “المد الصيني”، وهو الأمر الذي سيهدد بفشل المشروع الصيني-الباكستاني، ويزيد من عزلة إسلام أباد السياسية والاقتصادية.

حسابات روسيا وإيران

ترى موسكو وطهران أن المشروع سيعمل على تعزيز علاقاتهما، وأنه سيحقق أيضًا أهدافًا أخرى لهما على المستويين السياسي والاقتصادي. فبالنسبة لروسيا، سيعزز المشروع سيطرتها على الأسواق الأوروبية، ويمنحها قدرة أكبر على منافسة الدور الصيني المتنامي في وسط آسيا.

أما إيران، فسوف سيكسر إلى حد كبير العزلة التي فرضتها العقوبات الدولية عليها طيلة عقود، ويزيد من قدرتها على خلق وتعزيز التحالفات واستثمارها في صراعاتها التي تخوضها في الشرق الأوسط.

وقد وقَّع على المشاركة في مشروع ممر “شمال-جنوب”، إلى جانب دول الخط الرئيسي، كل من: تركيا، أرمينيا، عمان، كازاخستان، طاجيكستان، قرغيزستان، أوكرانيا، وبيلاروسيا، بالإضافة إلى بلغاريا كعضو مراقب، بحسب الموقع الرسمي للمشروع، حيث ستمتد طرق متفرعة من الخط الرئيسي إلى تلك الدول.

وسيكون المشروع المخصص للنقل بطول 7200 كيلومتر، وحاليًا تمر بضع مئات من السفن سنويًا في ممر الشمال الرابط بين المحيطين الهادي والأطلسي في الجزء الخالي من الجليد بالقطب الشمالي الروسي، بمحاذاة سيبيريا.
بضع مئات من السفن تمر في طريق الشمال الروسي

ربط ممر الشمال بطريق الحرير

في أبريل نيسان 2019، دعا الرئيس الروسي الدول المشاركة في منتدى “حزام واحد، طريق واحد” الذي عقد في بكين، للانضمام إلى مشروعي الطريق البحري الشمالي وطريق الحرير، مشيرًا إلى أهمية هذا الربط.

وقال بوتين إنه يولي اهتمامًا كبيرًا لتطوير الطريق البحري الشمالي، وإنه نفكر في إمكانية ربطه بطريق الحرير الصيني؛ بغية خلق طريق نقل عالمي وتنافسي، يربط شمال شرق، وشرق وجنوب شرق آسيا بأوروبا.

هذا المشروع الضخم، برأي بوتين، يعني قيام تعاون وثيق بين دول أوراسيا لزيادة حركة الترانزيت وبناء محطات استقبال البضائع والحاويات في الموانئ وكذلك المراكز اللوجستية.

قناة اسطنبول
قبل سنوات، دخل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، صراعًا مع المعارضة بسبب إصراره على شق “قناة اسطنبول”، التي يقول خبراء إنها ستكون أكبر مشاريعه القومية، وإنها تفوق بكثير مشروع مطار اسطنبول ونفق البوسفور.
وخلال أزمة تعطل الملاحة بقناة السويس، وافقت الحكومة التركية فعليًا على المشروع، الذي سبق أن قال الرئيس إنه سيتم سواءً رضيت المعارضة أم لم ترض.

وسيتم بناء القناة الصناعية غرب المدينة التركية الشهيرة، بطول 45 كيلومتر، بموازاة البوسفور لتربط البحر الأسود ببحر مرمرة؛ بهدف التخفيف من حركة السفن الكثيفة في البوسفور وتفادي وقوع حوادث، كما أعلنت دوائر حكومية.

وانطلقت أعمال التخطيط للمشروع، عام 2011، إلا أنها تجمدت طوال سنوات، قبل أن تعاود الحكومة الكشف مجددًا عن تلك المخططات.

وقال الرئيس التركي عام 2019، إن وزارة البيئة والبناء الحضري تحققت من التوافق البيئي لمشروع البناء، مشيرًا إلى أن النتيجة كانت “ايجابية”.

وتعول تركيا على الأهمية الاقتصادية للقناة، مع تزايد التجارة البحرية الدولية، وقد أوضح وزير المواصلات التركي أن المتوسط السنوي لحركة مرور السفن في مضيق البوسفور يتراوح بين 40 و42 ألف سفينة، علمًا أن طاقة المضيق الاستيعابية تبلغ 25 ألف سفينة سنويًا فقط.

وقال الوزير التركي إن السفن التي تستخدم مضيق البوسفور تنتظر لمدة أسبوع تقريبًا، وهذا الانتظار في الواقع مكلف بالنسبة للسفن وفرق ضمان سلامة الملاحة البحرية”، محذرًا من أن كمية البضائع الخطيرة التي تمر عبر مضيق البوسفور، خاصة النفط، تجاوزت 150 مليون طن سنويًا.

ووقع الاختيار على ممر بطول 45 كيلومتر يبدأ من منطقة “كوجك جكمجة” ويمر من “صازلي دره” ويصل إلى “دوروصو” في الشطر الأوروبي بإسطنبول.

ويمر المشروع المرتقب بالقرب من مطار إسطنبول الجديد الذي يعتبر باكورة مشاريع أردوغان الكبرى والتي حافظ من خلالها على نجاحه في مجال الخدمات بالبلاد.

ومن المتوقع أن تصل تكاليفه إلى 65 مليار ليرة تركية (قرابة 17 مليار دولار أمريكي) وسيعمل فيه خلال مرحلة الإنشاء 6000 شخص، وقرابة 1500 في مرحلة التشغيل. وسيتم إنشاء ميناء ومركز خدمات لوجستية على ضفتي القناة على البحر الأسود وبحر مرمرة.

ويقول خبراء ملاحة وحقوقيون إن المعضلة الأساسية التي تعاني منها تركيا هي القيود التي ما زالت مفروضة عليها بموجب اتفاقية “مونتيرو” التي وقعت عام 1936 وتهدف إلى تنظيم حركة السفن في أوقات السلم والحرب عبر البحر الأسود، بما يشمل المضائق التركية وخاصة مضيق البوسفور.

وقد أجبرت تركيا بموجب هذه الاتفاقية على عدم الحصول على رسوم مجزية عن مرور السفن عبر البوسفور باعتباره مضيقًا عالميًا. لذلك تفرض تركيا رسومًا رمزية مقابل “تنظيم مرور السفن من المضيق”.

ومضيق البوسفور طوله 29.9 كم، وتتمثل أهميته بأنه يمتد من البحر الأسود إلى بحر مرمرة، ويعد واحد من أبرز ممرات الملاحة البحرية في العالم. أما مضيق الدردنيل فهو ممر مائي تركي يربط بين بحري إيجه ومرمرة، ويعتبر أحد الممرات الاستراتيجية على الضفة الشمالية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

وتقول تقديرات تركية إنه إبان مناقشة اتفاقية “مونتيرو” كانت تمر عبر مضيق البوسفور 3 آلاف سفينة سنويًا فقط، في حين وصل العدد حاليًا إلى متوسط 50 ألف سفينة سنويًا، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 65 ألف في عام 2030، وإلى 100 ألف عام 2050.

ومن خلال هذه الأرقام تتوقع تركيا أن تلجأ السفن التجارية إلى المرور من القناة الجديدة بدلاً من الاضطرار إلى الانتظار لعدة أيام في انتظار دورها للمرور من مضيق البوسفور.

وستكون الرسوم المفروضة على المرور من القناة الجديدة أقل من مصروفات انتظار السفن. وبالتالي يتوقع اقتصاديون أن تُدر القناة الجديدة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار سنويًا على خزينة الدولة.

لكن تنفيذ المشروع يلقى صعوبات، لأن ميزان القوى في مدينة البوسفور تغير في يونيو حزيران 2019، فمنذ ذلك الوقت يشغل الاشتراكي الديمقراطي أكرم إمام أوغلو، من حزب الشعب الجمهوري، منصب رئيس البلدية وبالتالي يتحكم في صندوق المدينة.

وأوغلو هو أول رئيس بلدية منذ 25 عامًا لا ينتمي لحزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه الرئيس التركي. ويعارض أوغلو مشروع القناة بقوة.

مشروع قناة إسطنبول

ووصف إمام أوغلو المشروع بأنه “خيانة لإسطنبول” واعتبره “مشروع اغتيال” ووعد بأن 16 مليون مواطن يسكنون المدينة “سيعارضون المشروع” .

ويعود رفض رئيس بلدية إسطنبول وكذلك سكان المدينة وعلماء بالأساس إلى تكاليف البناء الباهظة والتحفظات الكبيرة من ناحية البيئة.

ويهدد المشروع، بحسب خبير البيئة، دوغاناي تولناي، الأستاذ في جامعة إسطنبول؛ باستهلاك موارد مائية هامة؛ كون القناة تمر من منطقة تضم مخزون مياه المدينة.

وتهدد القناة أيضًا النظام البيئي المعقد للمنطقة، بحسب تولناي، الذي أار إلى أن الكثبان الرملية في شمال المدينة توجد بها غابات محمية وسيول ومراع مهمة بالنسبة إلى النظام البيئي وتحتضن مئات أنواع النباتات والحيوانات.

وحذر تولوناي، في تصريحات سابقة لوكالة الأنباء الألمانية، من تسبب المشروع في إخلال قوي بالنظام البيئي ستكون له عواقب اقتصادية، مشيرًا إلى أن الصيادين في البحر الأسود والمزارعين سيتحتم عليهم مغادرة المنطقة.

وتقول الحكومة إن تكلفة المشروع التي تصل لنحو 11.5 مليار يورو، وهي مبالغ سيتحملها دافعو الضرائب بحسب المعارضين في حين يضمن البوسفور ظروفًا جيدة لملاحة السفن ويوفر إمكانيات كافية للعبور.

ويحذر منتقدون من أن القناة قد يكون لها مفعول سلبي على خطوط الانفصال التكتونية الموجودة تحت أرض إسطنبول، ويقولون إن زلازل أكبر سيكون هو العاقبة.

لكن مكتب إدارة الكوارث والطوارئ فيعارض هذا الموقف بالقول إنه لا يوجد ارتباط بين مخاطر وقوع زلازل وبناء القناة.

القناة ستمر من “صازلي دره” ويصل إلى “دوروصو” في الشطر الأوروبي بإسطنبول.

رأس الرجاء الصالح

هناك أيضًا مشروع “طريق الحرير” الصيني، ومشروع القطارات الصينية نحو أوروبا، لكن يظل طريق رأس الرجاء الصالح، هو الأكثر قدرة على منافسة قناة السويس، في حال تراجعت أسعار النفط، أو تراجعت مكانة النفط نفسه أمام مصادر الطاقة الأخرى.

فقد تحولت العديد من الناقلات إلى هذا الطريق خلال العام الماضي توفيرًا للنفقات بعدما تهاوت أسعار النفط إبان جائحة كورونا، وهو ما يمكن أن يتكرر مستقبلًا، وإن كانت مصر قدَّمت حوافز للمرور وصلت إلى خفض 50 بالمئة من رسوم المرور.

ومطلع مايو أيار الماضي، أعلنت هيئة قناة السويس عن تخفيضات وصلت إلى 17 بالمئة للسفن المشاركة في التجارة الأوروبية.

ووفقًا لدراسة جديدة أجرتها شركة “ألفالاينر”، وهي شركة متخصصة في الملاحة البحرية وعبور السفن، “فقد ارتفع عدد الحاويات، التي اختارت استخدام طريق رأس الرجاء الصالح وتجاوز قناة السويس، إلى أعلى مستوى تاريخي في وقت السلم، بما في ذلك 20 رحلة على الأقل من وإلى آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية”.

ويقول تحالف CMA-CGM الملاحي إن طريق رأس الرجاء الصالح، رغم أنه أطول بنحو ثلاثة آلاف ميل بحري وتزيد تكلفة بعض الرحلات به إلى ما يصل إلى 200 ألف دولار، إلا أن رسوم عبور قناة السويس لا تزال تتراوح ما بين 400 ألف إلى 500 ألف دولار.

ويوضح التحالف أن أمورًا مثل تراجع أسعار النفط، الذي تستهلكه السفن، وغلق بعض الموانئ وتراجع الطلب الأوروبي، جعلت الوقت ليس عاملًا رئيسيًا لحسم اختيار الطريق البحري، بل النظر إلى التكلفة.

لا بدائل حقيقية

الدكتور خالد المعايطه مدير عام شركة موانئ العقبة بالأردن، يرى أنه لن يكون هناك بديل حقيقي لقناة السويس في منطقة الشرق الأوسط، مهما تعددت المبادرات سواء من جانب إسرائيل أو غيرها.

وفي حديث موقع قناة الجزيرة، قال المعايطة، إن التضاريس المحيطة بقناة السويس سهلة ومستوية؛ مما جعلها أقل كلفة من غيرها، مشيرًا إلى أنه “حتى لو حاولت إسرائيل شق قناة، فإن محاولاتها لن تنجح، وستكون ذات تكلفة عالية جدًا بالنظر إلى طبيعة التضاريس الوعرة”.

التضاريس هناك (في إسرائيل) مختلفة تمامًا عن محيط قناة السويس، حيث التضاريس سهلة ومستوية، يقول المعايطة.

قناة السويس، كما يرى كثير من الخبراء والدراسات، قناة راسخة ومعروفة وأقل كلفة، والسفن التي ستختار المرور عبر رأس الرجاء الصالح ستعاني من ارتفاع التكلفة وعامل طول الزمن. كما إن أي مشروعات للنقل بعيدًا عن المياه ستكون أكثر كلفة؛ لأن النقل المائي هو أرخص أنواع  النقل على الإطلاق.

ورغم أن العالم ربما يكون بحاجة إلى شق قنوات مائية تربط آسيا بأوروبا؛ إلا أن قناة السويس تظل الطريق الأمثل والأكثر سرعة والأقل كلفة، حتى الآن على الأقل.