قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ترتكب جريمة الفصل العنصري بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وشرقي مدينة القدس المحتلة.

وأكد تقرير جديد من 213 صفحة أصدرته المنظمة، يوم الثلاثاء، أن سلطات الاحتلال ترتكب جرائم ضد الإنسانية تدخل، وفق القانون الدولي، في إطار “الفصل العنصري”.

وقال التقرير إن السياسة الإسرائيلية الشاملة في الضفة الغربية وشرقي القدس تعكس وجود أجندة للحفاظ على الهيمنة اليهودية الإسرائيلية على الأرض، عبر القمع المنهجي للفلسطينيين.

وإلى جانب “عملية السلام” التي ماتت في العقود القليلة الماضية، أشارت المنظمة إلى الواقع الذي لا مفر منه، وغير المتكافئ، الذي يحدد حياة كل شخص يعيش بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

وقال عمر شاكر، مدير المنظمة في إسرائيل وفلسطين ومؤلف التقرير، لـ”توداي وورلد فيو”: هذه هي أكثر النتائج التي توصلت إليها هيومن رايتس ووتش وضوحًا على الإطلاق بشأن سلوك السلطات الإسرائيلية”.

وأضاف شاكر “لفترة طويلة، فشل المجتمع الدولي في الاعتراف بالواقع على الأرض على حقيقته”، وأن المنظمة “ليست الوحيدة التي توصلت إلى هذا الاستنتاج”.

ولسنوات، استخدم الفلسطينيون الفصل العنصري في مناقشة الوضع الراهن للمنطقة؛ حيث يسود الاحتلال العسكري الإسرائيلي على العديد من جوانب حياتهم.

وتقيد الضرورات الأمنية والسياسية للحكومة الإسرائيلية حقوقه الفلسطينيين، وتم توسيع المستوطنات اليهودية بشكل لا هوادة فيه، لنزع المزيد من ملكية الفلسطينيين، بحسب التقرير.

ويمتد التمييز، أيضًا، إلى داخل إسرائيل نفسها، حيث يتمتع المواطنون الإسرائيليون من أصل فلسطيني بمكانة أدنى من المواطنين اليهود بموجب القانون.

وأشارت هيومن رايتس ووتش، إلى ضعف واختلال السلطة الفلسطينية، التي كان من المفترض أن تكون كيانًا انتقاليًا فقط إلى أن يتوصل الطرفان إلى تسوية أكثر ديمومة.

وقالت إن السلطة حاليًا أصبحت مؤسسة لا تحظى بشعبية، وإن سيطرتها على أجزاء من الأراضي المحتلة، لا يمنع حكومة الاحتلال من إصدار القرارات الفعالة، وهو أمر يعترف به كثير من الإسرائيليين.

ولفت التقرير إلى تصريح لرئيس وزراء الاحتلال السابق إيهود أولمرت قال فيه “إذا واصلنا السيطرة على المنطقة كلها من البحر المتوسط إلى نهر الأردن (حيث يعيش نحو 13 مليون شخص)، وسادت كيان واحد فقط على هذه المنطقة، واسمه إسرائيل، ستصبح هذه المنطقة حتمًا إما غير يهودية أو غير ديمقراطية”.

وفي يناير كانون الثاني، نشرت منظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقدير موقف قالت فيه إن النظام السائد في البلاد هو “نظام فصل عنصري أصبح برنامج تفوقه تدريجيًا أكثر مؤسسية ووضوحًا”.

ولم تذكر المنظمة أوجه تشابه مباشرة بين إسرائيل والنظام الجنوب إفريقي السابق، الذي أدخل “الفصل العنصري” إلى العالم.

وبدلاً من ذلك، أشارت إلى بروز الفصل العنصري باعتباره مصطلحًا قانونيًا عالميًا مقننًا في عدد من الاتفاقيات الدولية، بما في ذلك نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

وأشارت المنظمة إلى أن “القوانين والسياسات والبيانات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين بارزين توضح أن هدف الحفاظ على سيطرة إسرائيل اليهودية على التركيبة السكانية والسلطة السياسية والأرض قد وجه سياسة الحكومة منذ فترة طويلة”. 

وسعيًا إلى تحقيق هذا الهدف، يضيف التقرير، قامت سلطات الاحتلال، بدرجات متفاوتة من الشدة بطرد الفلسطينيين من ممتلكاتهم وحبسهم وفصلهم قسرًا وإخضاعهم للهوية اليهودية في مناطق معينة.

وقالت إن هذا يحدث عبر القمع الشديد الذي يصل إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في الفصل العنصري والاضطهاد.

واتهمت السفارة، شاكر، بدعم المقاطعات ضد إسرائيل في قضية شهدت السلطات الإسرائيلية تنقيبًا عن حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي للكشف عن نشاطه خلال دراسته الجامعية قبل أكثر من 15 عامًا.

وكان شاكر قد دعا، آنذاك، إلى سحب الاستثمارات من الشركات التي تستفيد من الحكم الإسرائيلي في الأراضي المحتلة .

وقالت السفارة “في السنوات الأربع التي عمل فيها (شاكر) كموظف في هيومن رايتس ووتش، قال إنه لا هو ولا المنظمة دعت إلى مقاطعة إسرائيل أو الشركات التي تمارس الأعمال التجارية فيها”.

وأضافت “إنهم يدعون الشركات، بما في ذلك “إير بي إن بي” (المتخصصة في العقارات)، إلى عدم العمل في المستوطنات الإسرائيلية التي يصفونها بأنها تنتهك القانون الإنساني الدولي”.

وتأمل هيومن رايتش ووتش، بهذا التقرير، في إيجاد رقابة دولية أكثر صرامة على الممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وإنشاء لجنة تابعة للأمم المتحدة للتحقيق في التمييز المنهجي ضدهم.

كما دعت المنظمة إلى تجميد أصول بعض المسؤولين الإسرائيليين وفرض عقوبات عليهم، وربط المساعدة العسكرية والأمنية لإسرائيل بفك سياساتها التي تشكل “تفرقة عنصرية”.

ومن غير المتوقع حدوث هذه الإجراءات، على الرغم من كل الغضب الحزبي المتزايد في واشنطن بشأن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اليمينية، وتعاملاتها الوثيقة مع الرئيس السابق دونالد ترامب.

مع ذلك، هناك القليل من الإرادة السياسية لزعزعة الوضع الإسرائيلي الفلسطيني الراهن؛ فقد وقَّع ثلاثة أرباع أعضاء مجلس النواب الأمريكي، بما في ذلك مزيج متساوٍ تقريبًا من الجمهوريين والديمقراطيين، مؤخرًا خطابًا يندد بمشروع قانون مقترح من شأنه أن يضع شروطًا إضافية على المساعدات الأمريكية لإسرائيل.

ومن الواضح أن الحديث حول إسرائيل يتغير، ولو ببطء، في الولايات المتحدة، كما تقول “واشنطن بوست”.

وقال جيريمي بن عامي، رئيس “جي ستريت”، وهي منظمة ليبرالية مؤيدة لإسرائيل في واشنطن لا تستخدم مصطلح “الفصل العنصري” لوصف السياق الإسرائيلي: “حقيقة أن الاحتلال يهدد بطبيعته مستقبل إسرائيل كوطن ديمقراطي للشعب اليهودي ويتضمن الحرمان المنهجي لحقوق الفلسطينيين، لا يمكن تجاهلها.

وقال شاكر: “المؤشرات المبكرة من إدارة بايدن تظهر أن هذه لن تكون قضية ذات أولوية.. وإلغاء 50 في المئة مما فعلته إدارة ترامب ليس كافيًا”.

ويجادل بعض المحللين بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بما في ذلك إدارة ترامب، سمحت بالتآكل المستمر لأي احتمال لـ “حل الدولتين”؛ عبر غضِّ الطرف عن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية وشرقي القدس المحتلة.

في غضون ذلك، انجرفت السياسة الإسرائيلية أكثر نحو اليمين، ويطالب العديد من السياسيين البارزين بالضم الصريح لمناطق في الضفة الغربية.

كما إن حزبًا من المتطرفين اليمينيين المرتبطين بجماعة كراهية يهودية متعصبة عنيفة، يمكن أن ينضم إلى الحكومة الائتلافية الحاكمة المقبلة في البلاد.

في الأسبوع الماضي، في حدث أدارته منظمة Today’s WorldView ، أصدر الخبراء الذين اجتمعتهم مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي تقريرًا يدعو إدارة بايدن إلى إعطاء الأولوية لحقوق الإنسان لكل فلسطيني وإسرائيلي على النموذج القديم لعملية السلام.

وقال الخبراء “بدلًا من إحياء عملية السلام المحتضرة أو ببساطة التخلي عن مشاركة الولايات المتحدة، يجب على إدارة بايدن وضع نهج قائم على الحقوق في وسط استراتيجيتها”.

وخلص الخبراء إلى أنه “كلما طال تأجيل الحقوق المتساوية للفلسطينيين، كلما كانت مسألة الفصل العنصري تلوح في الأفق”.

ومؤخرًا، رفضت حكومة الاحتلال التعاون من المحكمة الجنائية الدولية التي تحقق في ارتكاب قوات الاحتلال جرائم ضد الإنسانية في غزة والأراضي المحتلة.