“واشنطن بوست”: الصراع في فلسطين لن يعود كما كان المواجهات الأخيرة.. أبدًا

ترجمة-جوبرس

تقول صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إن المسؤولين في “إسرائيل” يزعمون أنهم حققوا أهدافهم من العملية العسكرية على قطاع غزة، وذلك بعد نحو أسبوعين من القصف المتواصل للقطاع المحاصر، منذ 15 عامًا.

وتضيف الصحيفة في تحليل كتبه إيشان ثارور، يوم الجمعة، أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، المتمركزة في غزة، والتي أطلقت أكثر من 4300 صاروخ على الأراضي الإسرائيلية، حققت نوعًا من النصر.

ويرى الكاتب أن حماس ستخرج من الحرب الأخيرة كما خرجت من جولات سابقة تقريبًا، متضررة لكنها ليست منحنية، وربما تتعزز صورتها في أعين بعض إخوانها من العرب لأنها واجهت “إسرائيل” التي تواصل احتلال ملايين الفلسطينيين، دون هوادة، ودون اكتراث بمئات الفلسطينيين وعشرات الأشخاص في “إسرائيل” الذين فقدوا حياتهم في هذه العملية.

وينقل الكاتب عن متابعين للقضية الفلسطينية أن الصراع قد لا يكون بعد هذه الجولة من القتال كما كان قبلها، مشيرًا إلى أن شدة المواجهة الأخيرة فاجأت حكومة الاحتلال والإدارة الأمريكية، على حد سواء.

وبعيدًا عن قطاع غزة، يضيف الكاتب، جرى إذكاء النيران عبر استفزازات شرطة الاحتلال وتشجيع المتطرفين اليهود على تنظيم مسيرات في القدس المحتلة والتي انتهت باشتباكات بينهم وبين الفلسطينيين الرافضين لعملية التهجير المحتملة لسكان حي الشيخ جراح، شرقي المدينة المقدسة.

ويشير الكاتب إلى أن هذه المواجهات بلغت ذروتها عندما قررت القوات الإسرائيلية اقتحام المسجد الأقصى، وهو ما وفر فرصة لحركة حماس، “لارتداء عباءة المدافع عن ثالث أقدس موقع في الإسلام، ودعم المطالبات الفلسطينية الأوسع بالقدس”، لتبدأ شن هجماتها (على إسرائيل).

لقد امتدت المواجهة في عموم فلسطين من البحر إلى النهر، مع اشتباكات في الضفة الغربية وكذلك بين فلسطينيي الداخل واليهود في المدن التي تم احتلالها بعد 1967.

ويرى الكاتب أن انفجار التوترات مؤخرًا، كشف عن الخلل الداخلي بين المعسكرين السياسيين الإسرائيلي والفلسطيني.

ويضيف الكاتب “بالنسبة للجانب الإسرائيلي، فإن عامين من الفشل في تشكيل ائتلاف حاكم مستقر سواء مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أو بدونه، أضعف الحكم وأدخل الجماعات اليمينية الأكثر تطرفاً في المشهد السياسي”.

أما على الجانب الفلسطيني، فإن السلطة الفلسطينية ممثلة في الرئيس عباس، تواجه أزمة شرعية ويضيق الحصار عليها، عقب قرار عباس بإلغاء أول انتخابات فلسطينية كانت مزمعة بعد أكثر من عقد ونصف من توقف الانتخابات، كما يقول الكاتب.

يقول الكاتب إن بعض المسؤولين في “إسرائيل” وأمريكا، قد يروجون لعودة “التهدئة” بعد وقف إطلاق النار، لكن الخبراء يخشون عكس ذلك؛ إذ لا يوجد “حوار هادف” بين سلطة فلسطينية غير شعبية وضعيفة وحكومة إسرائيلية يمينية يرفض بعض أعضائها علنًا فكرة “الدولة الفلسطينية المستقلة”.

إن نظام سيطرة إسرائيل الراسخ على الأراضي الفلسطينية وضمها الزاحف للأراضي الفلسطينية، دون رادع لسنوات من قبل الولايات المتحدة، قد يثير المزيد من المقاومة الغاضبة، برأي الكاتب.

لقد كتب المحلل السياسي الفلسطيني وخبير استطلاعات الرأي، خليل الشقاقي، في فورين أفيرز “بالنظر إلى الجهود الإسرائيلية لتهميش عباس والسلطة الفلسطينية، لن يكون من السهل إبعاد الضفة الغربية عن الصراع القادم أو حتى الصراع الحالي”.

ويشير تحليل واشنطن بوست إلى أن هذا الوضع “كان متوقعًا لفترة طويلة”؛ ففي استطلاع حديث لعلماء الشرق الأوسط المقيمين في الولايات المتحدة، اعتبرت الأغلبية أن حل الدولتين “مستحيل”.

وتضاعف عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية، حيث من المفترض أن تنشأ دولة فلسطينية، سبع مرات منذ التسعينيات، كما تقول “واشنطن بوست”.

وتضيف “حاليًا، على هامش السياسة الإسرائيلية، تشكل حركة المستوطنين الآن طليعة اليمين الإسرائيلي. ومثل حلفائه الأمريكيين في الحزب الجمهوري، لا مصلحة لليمين الإسرائيلي في متابعة حل الدولتين المنصوص عليه في اتفاقيات أوسلو عام 1993”.

وكتبت تامارا كوفمان ويتس، الزميلة البارزة في معهد بروكينغز، أن “التخلي الإسرائيلي الرسمي عن التسوية التفاوضية، إلى جانب استمرار التوسع الاستيطاني والترحيل القسري للعائلات الفلسطينية في القدس الشرقية والمجتمعات في الضفة الغربية، خلق أزمة جديدة لا مفر منها تقريبًا”.

وأضافت “لقد أوضحت بشكل لا مفر منه ما كان واضحًا بالفعل للكثيرين: أن إطار أوسلو قد استنفد، وأن الأساس المنطقي للنظام السائد في الضفة الغربية، بما في ذلك وجود السلطة الفلسطينية، قد انتهى”.

الآن، يقول تحليل واشنطن بوست، يدرك عدد متزايد من الشخصيات البارزة والدبلوماسيين الذين راهنوا حياتهم المهنية على بناء دولتين أن الحقائق على الأرض تجعلها مجرد خيال. 

وقال مروان المعشر، الدبلوماسي والسياسي الأردني السابق الذي لعب دورًا رائدًا في مبادرة السلام العربية قبل عقدين من الزمن، في حدث افتراضي استضافته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي يوم الأربعاء: “لقد انتهى إطار عمل أوسلو، لقد انتهى”، مضيفًا “أنا من الدرجة الثانية من خلال التدريب. لكنني من الدرجة الأولى بالواقع”.

كان قدامى المحاربين الآخرين في حقبة ما بعد أوسلو الذين شاركوا في نفس الحدث أقل تأكيدًا، بحسب التحليل، فقد أعربت تسيبي ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل السابقة، عن أملها في أن يتمكن “المعتدلون البراغماتيون” في الجانبين من إحياء عملية السلام. مضيفة “في ظل الظروف الحالية، يبدو ذلك أمنية أكثر منه حلًا”.

من جهته، أصر دانييل كيرتزر، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، على أن حل الدولتين يظل هو الهدف السياسي الوحيد الذي يستحق السعي من أجله.

وأوضح أنه (حل الدولتين) يُفضل على دولة واحدة ثنائية القومية، أو كونفدرالية إسرائيلية فلسطينية حيث يتم تقاسم القدس، أو غيرها من الترتيبات موضع النقاش. وقال: “أي شخص قام بتحليل بدائل حل الدولتين يعرف أن أيًّا منها لا يعمل.

ورد المعشر، على هذا الطرح، قائلًا: “لنجعل الحقوق الحجة المركزية للناس”، مشيرًا إلى تطور المحادثة داخل الحركة الفلسطينية وفي الخارج، بما في ذلك بين الديمقراطيين الأمريكيين، حيث يتحول التركيز بعيدًا عن افتقار الفلسطينيين إلى دولة إلى افتقارهم إلى المساواة. الحقوق داخل إسرائيل.

وقال المعشر “دعونا نستمر في الحديث عن شكل الحل، ولكن تجاهل حقوق الناس ليس مستدامًا”.

وكتب طارق باكوني، في لندن ريفيو أوف بوكس “أولاً، لم يرق سكون الشعب الفلسطيني، المتهم بقوة من داخل مجتمعاته باللامبالاة، إلى حد قبول الهزيمة. لقد أظهروا أن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار في سياساتها دون دفع ثمن”.

وأضاف “ثانيًا، بغض النظر عما إذا كانت هناك حركة أوسع قد ظهرت من اللحظة الحالية، فإن الانفجار الجماعي عبر فلسطين التاريخية يظهر أن الفلسطينيين يظلون شعبًا، على الرغم من الأمل الزائف بالتقسيم، والفصل الحقيقي لأراضيهم، و تفكك عميق في حياتهم السياسية والاجتماعية”.

وكتب يوسف منير في صحيفة نيويورك تايمز: “على مدى سنوات، توصل الإسرائيليون إلى سلام مع فكرة أنهم يستطيعون إدارة علاقتهم مع الفلسطينيين، مهما كانت وحشية، بدلاً من حلها”.

وأضاف “ساعد في ذلك عملية عزل غزة، المحاصرة، وكأنها كانت على كوكب آخر.. يمكن للإسرائيليين القيادة في جميع أنحاء الضفة الغربية عمليًا دون أن يعيقهم مشهد الفلسطينيين؛ فقد تم إقصاء المواطنين الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي إلى حد كبير إلى مناطق مركزة ومهملة”.

لكن منير أضاف أن الاضطرابات والاحتجاجات الجماهيرية واجهت الإسرائيليين بواقع جديد: “فلسطين ليست هناك.. ولكنها في كل مكان من حولهم”.

المصدر: واشنطن بوست